سوء التغذية في إفريقيا يتجاوز نقص الطعام.. 50 دراسة تكشف الأسباب والحلول المتاحة

سوء التغذية في إفريقيا يتجاوز نقص الطعام.. 50 دراسة تكشف الأسباب والحلول المتاحة
رغم سنوات من برامج الغذاء والتغذية، ما زال سوء التغذية يلاحق ملايين الأطفال دون الخامسة في إفريقيا جنوب الصحراء. والمفارقة أن المشكلة لا تبدأ دائمًا من طبقٍ فارغ؛ فقد يحصل الطفل على الطعام، بينما تمنعه الأمراض أو المياه غير الآمنة أو ضعف الرعاية الصحية من تحقيق نمو صحي.
هذه الصورة ظهرت بوضوح في مراجعة علمية شملت 50 دراسة نُشرت بين عامي 2015 و2025، وأجراها باحثون متخصصون في الصحة العامة والتغذية والنظم الصحية. وركزت المراجعة على أشكال سوء التغذية بين الأطفال دون الخامسة، إلى جانب التدخلات المستخدمة لمواجهتها في دول المنطقة.
والنتيجة الأساسية كانت واضحة: سوء التغذية قضية تتداخل فيها الصحة والفقر والغذاء والمياه والتعليم والمناخ، ما يجعل المساعدات الغذائية جزءًا من الحل ضمن منظومة أوسع يحتاج إليها الطفل والأسرة معًا.
التقزم يتصدر الأزمة
وجد الباحثون أن نقص التغذية ما زال الشكل الأكثر انتشارًا من سوء التغذية بين أطفال المنطقة. ويشير سوء التغذية إلى أي نقص أو زيادة أو اختلال في العناصر الغذائية، بينما يظهر نقص التغذية عندما لا يحصل الطفل على ما يكفي من الطاقة والعناصر اللازمة لنموه، وتكشف الدراسات ثلاثة أشكال رئيسية لنقص التغذية:
- التقزم: قصر القامة مقارنة بالعمر نتيجة نقص غذائي مزمن.
- الهزال: انخفاض الوزن مقارنة بالطول، ويرتبط عادة بنقص تغذية حاد وسريع.
- نقص الوزن: انخفاض وزن الطفل عن المعدل المناسب لعمره.
وتزداد مخاطر التقزم خلال أول عامين من عمر الطفل. فبعد انتهاء مرحلة الرضاعة الطبيعية الخالصة، يحتاج الطفل إلى أغذية تكميلية مناسبة من حيث الكمية والجودة، وأي فجوة خلال هذه المرحلة قد تنعكس على النمو لفترة طويلة.

وكان التقزم أكثر أشكال نقص التغذية ورودًا في الدراسات، إذ تجاوزت نسبته 25% بين الأطفال دون الخامسة في عدد من الدول، منها تنزانيا وأوغندا وإثيوبيا وليبيريا وجمهورية إفريقيا الوسطى.
وسجلت الدراسات التي شملت 12 دولة في إفريقيا جنوب الصحراء نحو 20% من الأطفال دون الخامسة ضمن فئة نقص الوزن، بينما ارتبط الهزال بصورة متكررة بانعدام الأمن الغذائي والفقر وضعف الصرف الصحي ومحدودية الوصول إلى الخدمات الصحية.
وجه آخر لسوء التغذية
في الوقت نفسه، بدأت بعض البلدان تواجه اتجاهًا مختلفًا يتمثل في زيادة وزن الأطفال، خاصة مع التوسع الحضري وتغير الأنظمة الغذائية وزيادة انتشار الأغذية عالية التصنيع والمعالجة.
وهنا تصبح أزمة سوء التغذية أكثر تعقيدًا؛ فقد يجتمع نقص التغذية وزيادة الوزن داخل الدولة نفسها، فيما يعرف بالعبء المزدوج لسوء التغذية.
ويشير ذلك إلى أن كمية الطعام ونوعية الغذاء وتنوعه وطريقة تقديمه والبيئة التي يعيش فيها تلعب جميعها دورًا أساسيًّا في النتيجة النهائية.
وانطلاقًا من الهدف الثاني للتنمية المستدامة، المعني بالقضاء على الجوع، تكشف نتائج المراجعة أن الوصول إلى غذاء كافٍ يحتاج إلى أن يصاحبه غذاء مغذٍ ومناسب لمراحل نمو الطفل، مع نظام غذائي قادر على توفير هذه الاحتياجات بصورة مستقرة.
لماذا يستمر الخطر؟
تتراجع بعض حالات سوء التغذية مع برامج الدعم الغذائي، لكن الدراسات وجدت عوامل أخرى يمكن أن تعيد الطفل إلى دائرة الخطر، من بينها المرض وسوء النظام الغذائي والمياه غير الآمنة والفقر وضعف تعليم الأمهات.
وتضيف الضغوط المناخية مستوى آخر من الصعوبة؛ فتراجع إنتاج الغذاء أو ارتفاع أسعاره أو ضعف مصادر المياه يمكن أن يؤثر في قدرة الأسر على توفير نظام غذائي متنوع، خاصة في المجتمعات منخفضة الدخل.
وهل يستطيع الطفل الاستفادة الكاملة من الغذاء إذا كان المرض يتكرر أو يصعب الوصول إلى الخدمات الصحية؟ هنا يلتقي الهدف الثالث للتنمية المستدامة، المعني بالصحة الجيدة والرفاه، مع ملف التغذية؛ لأن الوقاية من الأمراض والتطعيم والمتابعة الصحية عوامل تؤثر مباشرة في نمو الطفل.
وتظهر المياه كذلك بوصفها حلقة أساسية. فالمياه غير الآمنة وضعف الصرف الصحي يزيدان مخاطر الإصابة بالأمراض، وهو ما يجعل الهدف السادس للتنمية المستدامة، المعني بالمياه النظيفة والنظافة الصحية، جزءًا من مواجهة سوء التغذية وليس ملفًا منفصلًا عنها.
ولفهم كيف يمكن للبيئة غير الصحية وضعف استفادة الجسم من العناصر الغذائية أن يؤثرا في نمو الطفل حتى مع توافر الطعام، اقرأ: سوء التغذية عند الأطفال.. لماذا لا يكفي الغذاء وحده لمواجهة التقزم؟.
أي التدخلات أكثر فاعلية؟
قسم الباحثون التدخلات المستخدمة لمواجهة سوء التغذية إلى ثلاثة مسارات رئيسية:
- التدخل الغذائي المباشر: ويشمل دعم الرضاعة الطبيعية، وتوفير الأغذية الغنية بالعناصر الغذائية والمكملات، إلى جانب الكشف عن حالات سوء التغذية الحاد وعلاج الأطفال داخل مجتمعاتهم.
- التدخلات المرتبطة بالبيئة المحيطة بالطفل: مثل تحسين الزراعة والمياه والصرف الصحي، والوقاية من الأمراض، والتحويلات النقدية، وتعليم الأمهات ومقدمي الرعاية.
- الحلول المتكاملة: وتجمع بين الدعم الغذائي المباشر ومعالجة العوامل الاقتصادية والصحية والبيئية التي تؤثر في تغذية الطفل.
ووجدت المراجعة أن الجمع بين هذه المسارات يمنح فرصة أكبر لتحقيق نتائج مستدامة، لأن صحة الطفل تتأثر بالظروف التي تعيش فيها أسرته بقدر تأثرها بنوعية الغذاء الذي يحصل عليه.
حين لا تكفي حديقة المنزل
تقدم الحدائق المنزلية مثالًا واضحًا على هذه العلاقة. فهي تستطيع زيادة كمية الغذاء المتاحة للأسرة وتحسين تنوع النظام الغذائي، لكن الدراسات سجلت نتائج متفاوتة فيما يتعلق بنمو الأطفال.
فالأسرة قد تمتلك خضراوات وفاكهة في المنزل، بينما تظل مشكلة سوء التغذية قائمة إذا غابت ممارسات التغذية المناسبة، أو تكررت الأمراض، أو افتقرت الأسرة إلى مياه آمنة أو تطعيمات أو استشارات غذائية.
ولهذا يصبح تعليم مقدمي الرعاية جزءًا من الحل أيضًا. فالرضاعة الطبيعية المناسبة، وتوقيت إدخال الأغذية التكميلية، واختيار وجبات متنوعة، والتعامل المبكر مع علامات المرض، كلها قرارات يومية يمكن أن تؤثر في مسار نمو الطفل.
وتشير النتائج كذلك إلى أهمية المعرفة المحلية والمشاركة المجتمعية؛ إذ يمكن للثقافة والعادات وطريقة تقبل السكان للبرنامج أن تحدد ما إذا كان التدخل سيستمر أم يتراجع بمجرد انتهاء التمويل الخارجي.
طفل واحد وثلاثة أهداف
تكشف أزمة سوء التغذية في إفريقيا جنوب الصحراء بصورة عملية مدى ترابط أهداف التنمية المستدامة؛ فالطفل الذي يحتاج إلى الغذاء يرتبط بالهدف الثاني، وصحته تقوده إلى الهدف الثالث، بينما تعيده المياه والنظافة الصحية إلى الهدف السادس.
وهذا الترابط يفسر لماذا وجدت المراجعة أن البرامج المتكاملة قد تكون أكثر قدرة على إحداث تغير طويل المدى. فتعزيز الرضاعة والمكملات الغذائية يمكن أن يتزامن مع دعم الزراعة، وتحسين المياه والصرف الصحي، وتثقيف الأسرة، وتوسيع الوصول إلى الخدمات الصحية، وبالتالي، تنتقل مواجهة سوء التغذية من توزيع الغذاء عند ظهور الأزمة إلى بناء ظروف تساعد الطفل على النمو منذ سنواته الأولى.
في الختام، تحتاج إفريقيا جنوب الصحراء، وفق نتائج المراجعة، إلى استجابة متكاملة لمواجهة سوء التغذية، تجمع بين الدعم الغذائي المباشر ومعالجة الأسباب التي تدفع الأطفال إلى دائرة الخطر.
ويتطلب ذلك تنسيقًا بين الحكومات والمجتمعات والنظم الصحية وقطاع الزراعة والمنظمات التنموية، إلى جانب مواجهة الفقر وانعدام الأمن الغذائي والضغوط المناخية وعدم المساواة في الوصول إلى الخدمات.
وتضع Earth Guards Foundation هذه النتائج في إطار أوسع يرى أن مكافحة سوء التغذية تبدأ من احتياجات الطفل المباشرة، ثم تمتد إلى البيئة التي تحدد قدرته على الاستفادة مما يحصل عليه من غذاء ورعاية.
فالاستثمار في صحة الطفل وتغذيته يترك أثرًا يتجاوز سنواته الأولى؛ إذ يرتبط بالتعلم والإنتاجية والصحة مستقبلًا، ما يجعل خفض سوء التغذية استثمارًا طويل الأمد في رأس المال البشري ومستقبل التنمية في إفريقيا.




