نتيجة أولية خلال ساعتين.. اختبار جينومي يسرِّع تشخيص أورام الدماغ في بريطانيا

نتيجة أولية خلال ساعتين.. اختبار جينومي يسرِّع تشخيص أورام الدماغ في بريطانيا
بينما يستلقي المريض داخل غرفة العمليات في مستشفى جامعي بمدينة نوتنجهام البريطانية، كانت عينة صغيرة من الورم المستخرج من دماغه تمر بمسار مختلف في مختبر قريب. خلال نحو 20 دقيقة، جرى تحليل الحمض النووي للعينة، وبعد أقل من ساعتين وصلت معلومات أولية إلى الفريق الجراحي تساعده على فهم طبيعة أورام الدماغ التي يتعامل معها قبل انتهاء العملية.
هذه التجربة أصبحت جزءًا من توجه أوسع داخل هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية “National Health Service” (NHS)، التي بدأت توسيع استخدام اختبار جينومي سريع طوره باحثون وأطباء في جامعة نوتنجهام ومستشفياتها الجامعية. والهدف هو تقليص رحلة التشخيص التي كانت تمتد لأسابيع إلى أيام، مع إمكانية الحصول على تصنيف أولي للورم خلال الجراحة في بعض الحالات.
ولا تعني النتيجة التي تظهر خلال ساعتين اكتمال التشخيص النهائي؛ فهي تقدم مؤشرًا أوليًّا عن نوع الورم، بينما يحتاج التشخيص الجزيئي الأكثر تفصيلًا إلى تحليلات إضافية قد تستغرق عدة أيام.
لماذا يستغرق التشخيص وقتًا؟
تشخيص أورام الدماغ عملية معقدة لأن الأطباء يتعاملون مع أكثر من 100 نوع مختلف، تتباين في سرعة نموها وطريقة استجابتها للعلاج.
عادةً تبدأ الرحلة بفحوص التصوير، مثل الرنين المغناطيسي أو الأشعة المقطعية، ثم يحصل الأطباء على عينة من الورم بواسطة الخِزعة -وهي إجراء طبي يُؤخذ خلاله جزء صغير من النسيج لفحصه في المختبر- أو في أثناء الجراحة. بعد ذلك تنتقل الأنسجة إلى مختبر علم الأمراض لإجراء مجموعة من الفحوص التي تساعد في تحديد نوع الورم وخصائصه، وقد يمتد المسار الكامل لأسابيع، بينما ينتظر المريض وعائلته إجابة تحدد الخطوة التالية.
وتزداد أهمية اختصار هذا الوقت مع تسجيل نحو 13 ألف حالة من أورام الدماغ الأولية سنويًّا في المملكة المتحدة، فيما تمثل هذه الأورام أحد أبرز أسباب الوفاة بالسرطان بين الأطفال والبالغين دون سن الأربعين.

ماذا يقرأ الاختبار؟
بدل الاعتماد على مظهر خلايا أورام الدماغ فقط، يبحث الاختبار الجديد داخل الحمض النووي الموجود في العينة، فالخلايا السرطانية تحمل خصائص وتغيرات جينية يمكن أن تساعد الأطباء على تصنيف الورم بصورة أدق. ويقرأ الاختبار هذه المعلومات للحصول على مؤشر مبكر عن نوع أورام الدماغ، ثم تستكمل التحليلات للوصول إلى تشخيص جزيئي أكثر تفصيلًا خلال أيام.
ويمكن تبسيط العملية في مسار قصير:
- تؤخذ عينة من الورم في أثناء الخزعة أو الجراحة.
- تُحلل المادة الجينية الموجودة داخل العينة.
- تساعد الخصائص الجينية في إعطاء تصنيف أولي للورم.
- تستمر تحليلات إضافية للوصول إلى تشخيص أكثر تفصيلًا.
وبهذا تنتقل المعلومات الجينية من المختبر إلى جزء عملي من اتخاذ القرار الطبي.
ساعتان داخل غرفة العمليات
ظهرت إمكانات التقنية بصورة واضحة في عملية حديثة بمستشفيات جامعة نوتنجهام، حيث أُخذت عينة من الورم خلال الجراحة ونُقلت إلى مختبر داخل المستشفى، واستغرقت قراءة التسلسل الجيني نحو 20 دقيقة. وبعد أقل من ساعتين من وصول العينة إلى المختبر، تلقى الفريق الجراحي معلومات أولية بينما كانت العملية لا تزال مستمرة.
وهنا تصبح السرعة أكثر من مجرد تقليل لفترة الانتظار. ففي جراحات أورام الدماغ التي لم يكن نوع الورم فيها معروفًا بدقة قبل العملية، يمكن للتصنيف الأولي أن يضيف معلومة جديدة أمام الجراح عند التفكير في كمية الورم التي يمكن إزالتها مع الحفاظ قدر الإمكان على أنسجة الدماغ السليمة.
ويظل القرار الجراحي قائمًا على مجموعة من البيانات الطبية وحالة المريض وموقع الورم، بينما يقدم الاختبار الجينومي عنصرًا إضافيًا يساعد الفريق في تكوين صورة أكثر وضوحًا.

من التشخيص إلى العلاج
بعد انتهاء الجراحة، تستمر أهمية تحليل أورام الدماغ جينيًّا؛ لأن تحديد النوع والخصائص الجزيئية قد يؤثر في اختيار المسار العلاجي، بما يشمل العلاج الكيميائي أو الإشعاعي عند الحاجة.
وقد يساعد الوصول إلى هذه المعلومات مبكرًا على بدء العلاج المناسب بصورة أسرع، كما يمكن أن يفتح الطريق أمام بعض المرضى للالتحاق بتجارب سريرية تشترط وجود خصائص جينية محددة في الورم.
وهل تقاس قيمة التشخيص الطبي بالدقة وحدها؟ بالنسبة إلى مريض ينتظر معرفة طبيعة الورم ومسار العلاج، يصبح الزمن نفسه جزءًا من جودة الرعاية. ومن هنا يلتقي المشروع مع الهدف الثالث للتنمية المستدامة، المعني بالصحة الجيدة والرفاه، عبر استخدام الابتكار لتقليص فترات الانتظار ودعم الوصول المبكر إلى العلاج المناسب.
ولمعرفة كيف تستخدم تقنيات أخرى البيانات الطبية لتحسين التعامل مع السرطان، اقرأ أيضًا: الذكاء الاصطناعي يتنبأ بسرطان الثدي.. تقنية جديدة تتفوق على الطرق التقليدية.
خمسة مراكز تبدأ التطبيق
تستثمر هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا أكثر من مليوني جنيه إسترليني على مدار عامين في شبكة متخصصة للجينوم وسرطان الدماغ، تمهيدًا لتوسيع استخدام الاختبار.
وتبدأ المرحلة الأولى داخل خمسة مراكز تابعة للهيئة:
- مستشفيات جامعة برمنجهام.
- مستشفيات جامعة نوتنجهام.
- مستشفى جريت أورموند ستريت للأطفال.
- مستشفى كينجز كوليدج.
- مستشفيات نيوكاسل.
ومن المقرر أن تتوسع الشبكة لاحقًا لتشمل مختبرات جينومية في بريستول وأكسفورد وليدز ومانشستر.
ويهدف البرنامج إلى بناء طريقة موحدة يمكن من خلالها ربط جراحي الدماغ وخدمات علم الأمراض والمتخصصين في الطب الجينومي، مع جمع أدلة كافية حول أداء التقنية قبل توسيع استخدامها عبر النظام الصحي.
بناء شبكة للتشخيص الجينومي
تكشف هذه الخطوة جانبًا آخر من الابتكار الطبي؛ فنجاح التقنية داخل مختبر واحد لا يضمن وحده وصول فائدتها إلى عدد أكبر من المرضى. المطلوب أيضًا شبكة من المختبرات والكوادر الجراحية والمتخصصين القادرين على استخدام النتائج ضمن مسار علاجي متكامل.
ومن هذا المنطلق، يخدم الهدف التاسع للتنمية المستدامة، المرتبط بالابتكار والبنية التحتية، غاية تتجاوز تطوير اختبار جديد إلى بناء منظومة قادرة على تطبيقه وتوفير نتائجه بصورة متسقة داخل المستشفيات.
ويتوافق توسيع الاختبار كذلك مع خطة السرطان الوطنية في إنجلترا، التي تضع البحث والابتكار والتوسع في الاختبارات الجينومية والتشخيص والعلاج المبكر ضمن أولوياتها.
وفي النهاية، تكمن قيمة الاختبار في إمكانية توفير المعلومات التي تصبح متاحة خلال هذا الوقت. فقد يحصل الجراح على تصنيف أولي خلال العملية، وينتقل الطبيب إلى التشخيص الأكثر تفصيلًا خلال أيام، بينما يمكن للمريض الوصول بصورة أسرع إلى العلاج أو إلى تجربة سريرية تناسب الخصائص الجينية لورمه.
ومن هنا تنظر Earth Guards Foundation إلى تسريع تشخيص أورام الدماغ بوصفه مثالًا على كيفية انتقال الابتكار العلمي من المختبر إلى أثر ملموس داخل الرعاية الصحية؛ فكلما أصبحت المعرفة الدقيقة متاحة في الوقت المناسب، اتسعت قدرة الأطباء على اتخاذ قرارات أكثر استنارة، واختصر المريض جزءًا من رحلة الانتظار بين الاشتباه بالمرض وبدء التعامل معه.




