مباراة الأهلي والزمالك خارج الملعب.. كيف تختبر القمة مفهوم الاستدامة الاجتماعية؟
عندما تُفتح بوابات استاد القاهرة عصر اليوم، سيتحرك نحو المدرجات جمهوران يحمل كل منهما لونًا وانتماءً مختلفين. 40 ألف مشجع سيحضرون مباراة الأهلي والزمالك، بواقع 20 ألفًا لكل فريق، قبل أن تبدأ عند الثامنة مساءً واحدة من أكثر المواجهات حساسية في كرة القدم المصرية.
داخل الملعب، ستكون المهمة واضحة: فريقان يبحثان عن الفوز. أما في المدرجات وخارجها، فهناك اختبار آخر أكثر اتساعًا؛ كيف يستطيع عشرات الآلاف التعبير عن انتمائهم القوي إلى طرفين متنافسين، ثم مشاركة المكان نفسه ضمن قواعد تضمن السلامة واحترام الآخر؟
من هنا تخرج مباراة الأهلي والزمالك من حدود التسعين دقيقة لتلامس أحد أبعاد التنمية التي تبدو أحيانًا بعيدة عن كرة القدم: الاستدامة الاجتماعية؛ أي قدرة المجتمع على الحفاظ على روابط آمنة وشاملة تسمح بالاختلاف والانتماءات المتعددة من دون أن يتحول التنافس إلى إقصاء أو عنف.
لا يحتاج مشجعو الأهلي أو الزمالك إلى كثير من الشرح لفهم أهمية القمة. فالنادي بالنسبة إلى كثيرين يتجاوز كرة القدم، ليتحول إلى رابط بالذاكرة والعائلة والأصدقاء، وقد ينتقل التشجيع بين الأجيال حتى يصبح اللون والشعار وذكريات الانتصارات والهزائم عناصر في الهوية الشخصية.
وهذه القدرة على صنع الانتماء هي واحدة من القوى الاجتماعية التي تحملها الرياضة. فأجندة الأمم المتحدة 2030 تصف الرياضة صراحة بأنها عامل مهم في تحقيق التنمية المستدامة، وتشير إلى إسهامها في تعزيز التسامح والاحترام وتمكين الشباب ودعم الصحة والتعليم والاندماج الاجتماعي.
ويمتد هذا الدور أيضًا إلى الهدف الثالث للتنمية المستدامة، المعني بالصحة الجيدة والرفاه؛ فالرياضة ترتبط بالنشاط البدني والصحة النفسية، بينما تستطيع التجربة الرياضية الإيجابية أن تدعم الشعور بالانتماء والتواصل الاجتماعي. وهكذا تصبح قيمة الرياضة أوسع من النتيجة نفسها، لتشمل ما تتركه في صحة الأفراد وعلاقاتهم بالمجتمع.
إذن، المسألة أوسع من كرة تدخل الشباك. ملايين الأشخاص يستطيعون أن يجدوا في النادي جماعة ينتمون إليها ومساحة للفرح المشترك وحديثًا يجمع أصدقاء وزملاء وربما غرباء لم يلتقوا من قبل، لكن قوة الانتماء نفسها تطرح سؤالًا آخر: متى يتحول حب الفريق إلى تعصب ضد الجمهور المنافس؟
الانتماء أم التعصب؟
تشرح دراسات علم النفس الرياضي أن تشجيع فريق يمكن أن يمنح الفرد شعورًا بالهوية والانتماء، بينما قد ترتبط أشكال أكثر تطرفًا من الهوية الجماعية، في ظروف معينة، بالعداء أو السلوك الجماهيري غير المنضبط.
وتشير دراسة حديثة نُشرت في دورية Frontiers in Psychology عام 2026 بعنوان النرجسية الجماعية، وأجواء الملاعب: مؤشرات تنبؤية لسلوك المشجعين غير السوي، تناولت سلوك جماهير كرة القدم إلى أن العلاقة بين الهوية الجماعية والسلوك المختل لا تتحرك في اتجاه واحد؛ إذ تلعب المشاعر المرتبطة بالمنافسة وطبيعة أجواء الملعب والسياق الاجتماعي أدوارًا في تشكيل السلوك، وهنا يظهر فرق مهم: التشجيع القوي لا يعني التعصب بالضرورة.
من الطبيعي تفضيل المشجع لفوز فريقه وسخريته رياضيًّا من نتيجة ما واحتفاله بانتصار أو غضبه من هزيمة، بينما تبقى هناك حدود تفصل المنافسة عن الإهانة والتحريض والعنف.
ومن زاوية الاستدامة الاجتماعية، فالمطلوب هو مجتمع يستطيع أفراده إدارة اختلافاتهم من دون أن تتحول الهوية إلى ذريعة لإقصاء الآخرين.
السلامة تبدأ قبل الصافرة
قبل أن يتحرك اللاعبون داخل المستطيل الأخضر، بدأت إدارة حدث يضم عشرات الآلاف قبل المباراة بأسابيع، فبحسب المسئول عن تأمين النشاط الرياضي، بدأت الاستعدادات التنظيمية قبل أكثر من أسبوعين استعدادًا لإقامة مباراة الأهلي والزمالك، على أن تفتح أبواب استاد القاهرة في الثالثة عصرًا، أي قبل انطلاق المباراة بخمس ساعات، لاستقبال 40 ألف مشجع.
وتشمل المحظورات المعلنة مواد قابلة للاشتعال والشماريخ والألعاب النارية وأجهزة الليزر، ضمن إجراءات تستهدف سلامة الحاضرين.
قد تبدو إجراءات الدخول والتأمين مجرد ترتيبات تنظيمية، لكنها ترتبط مباشرة بسلامة المجتمع وقدرته على استيعاب تجمعات كبيرة بأمان. فنجاح حدث يضم عشرات الآلاف يُقاس بقدرة الجماهير على الدخول والتشجيع والخروج من دون عنف أو مخاطر تهدد سلامتهم.
ومن هذه الزاوية، تتجاوز إدارة الحشود بعدها اللوجستي لتصبح جزءًا من تجربة اجتماعية أوسع؛ إذ يحتاج مشجع كل فريق إلى مساحة آمنة يعبر فيها عن انتمائه، مع ضمان الحق نفسه لجمهور المنافس.
كما أن إدارة مباراة بهذا الحجم تمتد إلى ما وراء بوابات الاستاد؛ فحركة عشرات الآلاف إلى المنطقة المحيطة، وتنظيم الدخول، ثم خروج الجماهير بعد نهاية اللقاء، كلها تختبر قدرة المدينة على استيعاب حدث جماهيري كبير بأمان وكفاءة.
وهنا يظهر الهدف الحادي عشر للتنمية المستدامة بصورة عملية؛ فالمجتمعات والمدن المستدامة تحتاج إلى مساحات آمنة وشاملة، وإلى قدرة تنظيمية تسمح للناس باستخدامها والمشاركة في الأحداث الكبرى من دون أن تتحول الكثافة البشرية إلى مصدر خطر أو فوضى.
هل تعلمنا الكرة الاختلاف؟
هناك مفارقة بسيطة في مباريات كرة القدم: يدخل الطرفان وهما يعرفان مسبقًا أنهما مختلفان، فكل جمهور يريد شيئًا يناقض تمامًا ما يريده الجمهور الآخر. هدف للأهلي يعني فرح جانب وحزن آخر، والعكس صحيح. ومع ذلك، تقوم اللعبة أصلًا على قبول وجود الطرف المنافس؛ فمن دونه تفقد المنافسة معناها، وبهذا المعنى، يقدم الملعب نموذجًا مصغرًا لفكرة يحتاج إليها أي مجتمع: الاختلاف لا يستلزم العداء.
وكما تحتاج مباراة الأهلي والزمالك إلى قانون وحكم وحدود تضبط التنافس، تحتاج العلاقات الاجتماعية إلى قواعد تحمي حق الناس في الاختلاف وتمنع انتقال المنافسة إلى العنف.
وهنا يصبح الهدف السادس عشر للتنمية المستدامة قريبًا من المدرج أكثر مما يبدو؛ فهو يضع المجتمعات السلمية والشاملة وخفض العنف ضمن أسس التنمية المستدامة.
الشباب وثقافة المدرجات
يحمل الشباب جانبًا كبيرًا من ثقافة كرة القدم الحديثة، سواء داخل المدرجات أو عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تستمر عليها المباراة قبل بدايتها وبعد نهايتها.
وفي هذه المساحة، يمكن لعبارة ساخرة أو صورة طريفة أن تصبح جزءًا من متعة المنافسة، بينما قد تتحول اللغة نفسها إلى إساءة أو تحريض عندما تتجاوز حدود المزاح الرياضي إلى التقليل من المنافس أو جمهوره.
ولهذا لا تتحدد ثقافة التشجيع بالقواعد الأمنية وحدها؛ فالجمهور نفسه يشارك في صناعتها من خلال الهتافات وطريقة الاحتفال وطبيعة الخطاب المستخدم على المنصات الرقمية وكيفية التعامل مع جماهير الفريق الآخر بعد انتهاء المباراة.
ومن هنا يظهر دور الشباب في تحويل المنافسة إلى مساحة للانتماء من دون عداء، وفي ترسيخ فكرة أن قوة التشجيع يمكن أن تجتمع مع احترام المنافس. وكلما اتسعت هذه الثقافة، أصبح المدرج أقرب إلى مساحة اجتماعية تسمح بالاختلاف داخل حدود آمنة، وهو أحد المعاني التي تقوم عليها الاستدامة الاجتماعية.
ستنتهي مباراة الأهلي والزمالك بفوز أحد الفريقين أو بتقاسمهما النقاط، وسيغادر بعض المشجعين أكثر سعادة من غيرهم. لكن القيمة الاجتماعية للحدث يمكن قياسها أيضًا بما يحدث بعد آخر صافرة.
هل يستطيع المشجع أن يحب ناديه بشدة ويترك للمنافس الحق نفسه؟ وهل تستطيع المدرجات أن تحتفظ بحرارة المنافسة من دون أن تصبح مساحة للعداء؟ وهل تستطيع مدينة تستقبل عشرات الآلاف من أصحاب الانتماءات المختلفة أن تضمن خروجهم وعودتهم بأمان؟
وتمنح القمة Earth Guards Foundation مدخلًا لقراءة الاستدامة من زاوية اجتماعية مختلفة؛ فالمجتمعات المستدامة تحتاج إلى روابط اجتماعية قادرة على تحمل الاختلاف، وإلى مساحات آمنة يستطيع الناس أن يعبروا فيها عن هوياتهم من دون خوف أو عنف.
ولا تطلب الاستدامة الاجتماعية من مشجع الأهلي أن يصبح أقل انتماءً للأهلي، ولا من مشجع الزمالك أن يتخلى عن شغفه بالزمالك. الاختبار الحقيقي أبسط وأصعب في الوقت نفسه: هل نستطيع أن ننتمي بقوة ونختلف بشدة ثم نغادر المدرج ونحن ما زلنا قادرين على احترام بعضنا؟