الاستدامة والقانون

حكم قضائي يلزم شركة إسكوم بمعالجة تلوث المياه في جنوب إفريقيا

تلوث المياة

حكم قضائي يلزم شركة إسكوم بمعالجة تلوث المياه في جنوب إفريقيا

بدأت القضية من مياه تقع أسفل واحدة من أكبر محطات الكهرباء العاملة بالفحم في جنوب إفريقيا، بعدما ظهرت مؤشرات على تلوث المياه الجوفية والأراضي الرطبة والجداول القريبة. ومع استمرار المشكلة، تحول الضرر البيئي إلى نزاع قضائي حول مسئولية محطة الكهرباء ودور الجهات الحكومية المكلفة بحماية المياه.

ويجمع النزاع بين شركة توبجز نورسفين “Topigs Norsvin”، التي تدير مزرعة قرب محطة كوسيلي “Kusile” للفحم، وشركة الكهرباء الحكومية إسكوم “Eskom”، المسئولة عن تشغيل المحطة. وقالت الشركة الزراعية إن تلوثًا صادرًا من كوسيلي وصل إلى مصادر المياه الواقعة أسفلها، ما دفعها إلى اللجوء للقضاء والمطالبة بإلزام إسكوم بالشروط البيئية المرتبطة بتشغيل المحطة.

كما طالبت توبجز نورسفين الجهات الحكومية المسئولة عن المياه والبيئة باستخدام سلطاتها للحد من التلوث ومعالجة آثاره. وفي 14 أغسطس 2026، قبلت محكمة الاستئناف العليا جزءًا مهمًا من طعن الشركة، وقررت أن إسكوم وعددًا من الجهات الحكومية أخفقوا في الوفاء بالتزامات قانونية لحماية مصادر المياه، وألزمتهم باتخاذ خطوات لمعالجة المخالفات ومتابعة جودة المياه.

وتطرح القضية معادلة تتجاوز حدود المزرعة والمحطة: كيف يمكن الحفاظ على إمدادات الكهرباء في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الفحم، مع ضمان حماية المياه والبيئة المحيطة بمنشآت الطاقة؟

الكهرباء النظيفة

مزرعة تواجه محطة كهرباء

تقع محطة كوسيلي في مقاطعة مبومالانجا، إحدى أهم مناطق إنتاج الفحم في جنوب إفريقيا. وبدأت المحطة التشغيل عام 2017، بطاقة تكفي لتزويد أكثر من ثلاثة ملايين منزل بالكهرباء.

وقبل بناء المحطة، كان على الشركة المالكة إسكوم الحصول على موافقات بيئية وتراخيص لاستخدام المياه، تضمنت شروطًا ملزمة لاحتواء المياه الملوثة، ومنع تسربها إلى البيئة المحيطة، ومراقبة جودة المياه، والالتزام بالحدود المسموح بها للاستخدام والتصريف.

لكن شركة توبجز نورسفين، التي تدير مزرعة أسفل المحطة، قالت إن مياهًا ملوثة ناتجة من محطة كوسيلي وصلت إلى المياه الجوفية وأرض رطبة وجداول قريبة، ما هدد مصادر المياه وعملياتها الزراعية.

وانضمت الشركة إلى لجنة المراقبة البيئية الخاصة بالمحطة، التي كان من المفترض أن تتابع التزام إسكوم بالشروط البيئية، لكن التلوث استمر، ما دفعها إلى اللجوء للقضاء.

كيف وصل التلوث إلى المياه؟

بدأ النزاع القضائي في عام 2023 عندما طلبت شركة توبجز نورسفين من المحكمة العليا إلزام شركة إسكوم بالامتثال للشروط البيئية، وإجبار سلطات المياه والبيئة على التدخل.

ورفضت المحكمة العليا الطلب في يونيو 2024، قبل أن تنتقل القضية إلى محكمة الاستئناف العليا، التي توصلت إلى نتيجة مختلفة تمامًا.

وأظهر الحكم أن بعض معلومات المراقبة البيئية قُدمت متأخرة أو لم تُقدم أصلًا، بينما احتوت تقارير أخرى على ثغرات وأخطاء علمية. كما لم تنفذ إسكوم بعض الإجراءات التي قالت إنها ستتخذها لمعالجة المشكلات.

وأظهرت اختبارات المياه بشكل متكرر مستويات من التلوث تتجاوز الحدود المسموح بها، فيما لم تنكر الشركة أن محطة كوسيلي ألحقت ضررًا فعليًا بمصادر المياه الواقعة أسفلها.

ويبرز هنا ارتباط القضية بالهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، المعني بضمان توافر المياه وإدارتها بصورة مستدامة، خاصة ما يتعلق بحماية جودة المياه وتقليل التلوث ومنع وصول الملوثات إلى النظم المائية ومصادر الاستخدام البشري والزراعي.

وللمزيد حول آثار تلوث المياه على النظم البيئية، اقرأ: كيف حول تلوث المياه أكبر بحيرة في السلفادور إلى مقبرة أسماك؟.

الموافقة البيئية ليست تصريحًا مفتوحًا

أكدت المحكمة أن حصول إسكوم على موافقات بيئية وتراخيص استخدام المياه لا يمنحها حق تجاهل الشروط المرتبطة بهذه التصاريح بعد بدء التشغيل.

ووجدت أن الشركة خالفت متطلبات بيئية وقانونية ملزمة، ولم تتخذ خطوات معقولة بالقدر الكافي لتقليل تلوث المياه أو إصلاح الأضرار الناتجة عنه.

ويعد هذا الجانب من الحكم من أكثر نقاط القضية أهمية، لأنه يؤكد أن الموافقات البيئية تتخطى كونها مجرد إجراءات إدارية تُستكمل قبل إنشاء المشروع، إلى كونها التزامات مستمرة طوال فترة التشغيل.

كما ربط الحكم المخالفات بالحق في بيئة صحية الذي يحميه القسم 24 من دستور جنوب إفريقيا، وهو ما يوسع القضية من نزاع بين مزرعة ومحطة كهرباء إلى مسألة تتعلق بالحقوق البيئية العامة ومدى قدرة القانون على حمايتها.

تغير المناخ والقانون الجنائي الدولي

الجهات الرقابية أمام المساءلة

لم تتوقف مسئولية المخالفات عند إسكوم، إذ وجدت المحكمة أن كبار المسئولين في وزارة المياه والصرف الصحي ووزارة الغابات والثروة السمكية والبيئة تصرفوا بصورة غير قانونية عندما فشلوا في إجبار الشركة على الالتزام بالقواعد.

وتمنح القوانين البيئية في جنوب إفريقيا الجهات التنظيمية سلطات للتدخل عند مخالفة شروط الموافقات البيئية أو تراخيص المياه، لكن القضية أظهرت أن امتلاك هذه الصلاحيات لا يكفي إذا لم تُستخدم عند الحاجة.

وأكدت المحكمة أن الجهات الحكومية تستطيع اختيار الوسائل المناسبة لوقف التلوث، لكنها لا تستطيع اختيار عدم القيام بأي شيء.

ويتصل هذا الجانب بالهدف السادس عشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني ببناء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة. فالتشريعات البيئية تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها إذا غاب التنفيذ، بينما تعتمد حماية الموارد الطبيعية على وضوح المسئوليات وقدرة المؤسسات على تطبيق القواعد ومحاسبة المخالفين.

العد التنازلي لمعالجة التلوث

ذهبت المحكمة أبعد من مجرد إعلان أن تصرفات شركة إسكوم والجهات الحكومية كانت غير قانونية، ووضعت مواعيد واضحة للإجراءات التالية.

وألزمت إسكوم أيضًا بتقديم خطة مكتوبة وموثقة لمعالجة المشكلات خلال 30 يومًا، ثم تقديم تقرير عن التقدم المحرز خلال 60 يومًا.

وفي المقابل، يتعين على كبار المسئولين الحكوميين عن المياه والبيئة تقديم تقرير خلال 75 يومًا يوضح الإجراءات التي ينبغي اتخاذها تجاه الشركة.

ويمكن لإسكوم التقدم بطلب إلى المحكمة الدستورية للحصول على إذن باستئناف الحكم، لكن الاستئناف ليس تلقائيًا، إذ يتعين على المحكمة أولًا الموافقة على نظر القضية.

وفي النهاية، إن عدد التقارير أو الخطط التي تقدم، لا يعبر عن انتهاء المشكلة بقدر ما يعبر عنها مدى انخفاض مستويات تلوث المياه وتحسن جودة المصادر الواقعة أسفل محطة كوسيلي.

وعلى هذا الأساس، تطرح مؤسسة حماة الأرض رؤية مفادها أن أهمية القضية تتجاوز إلزام شركة حكومية بتصحيح مخالفاتها، لأنها تقدم نموذجًا واضحًا للعلاقة بين النشاط الصناعي والمسئولية البيئية وإنفاذ القانون. فوجود قواعد لحماية المياه يمثل الخطوة الأولى، بينما تظل قدرتها على إحداث أثر فعلي مرتبطة بمتابعة التنفيذ، ووضوح المسئولية، وتحول الأحكام القضائية إلى تحسن قابل للقياس في البيئة وجودة المياه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى