الاستدامة والقانون

طفرة الطائرات الخاصة ترفع الانبعاثات الكربونية وتفتح ملف العدالة المناخية

الانبعاثات الكربونية

طفرة الطائرات الخاصة ترفع الانبعاثات الكربونية وتفتح ملف العدالة المناخية

تثير الطفرة العالمية في استخدام الطائرات الخاصة مخاوف متزايدة بشأن الانبعاثات الكربونية، بعدما ربط تقرير حديث بين نمو الثروات واتساع سوق الطيران الخاص من جهة، وزيادة الفجوة بين أنماط الاستهلاك الفاخر والأهداف المناخية من جهة أخرى.

ويقدر التقرير الصادر عن معهد دراسات السياسات Institute for Policy Studies عدد المليارديرات حول العالم بنحو 3,428 شخصًا، مشيرًا إلى أن امتلاك الطائرات الخاصة واستخدامها توسعا بالتوازي مع نمو الثروات.

وتتصدر الولايات المتحدة هذا السوق، إذ تستحوذ على نحو 69% من الطائرات الخاصة المسجلة عالميًّا، في وقت أصبحت فيه الانبعاثات الناتجة عن هذا النوع من السفر محور نقاش حول مدى توافق تكلفة استخدامه مع أثره الحقيقي على المناخ.

نمو قطاع الطيران الخاص في أمريكا

ومثلما ذكرنا، فإنَّ الجزء الأكبر من سوق الطائرات الخاصة يتركز في الولايات المتحدة، حيث يشير التقرير إلى أن نحو سبعة من كل عشر طائرات خاصة مسجلة عالميًّا توجد داخل البلاد.

ويربط معدو التقرير هذا النمو بزيادة أعداد أصحاب الثروات وارتفاع الطلب على السفر الخاص، خاصة مع استخدام الطائرات في الرحلات الترفيهية والانتقال إلى الفعاليات الرياضية والثقافية والاقتصادية الكبرى. لكن توسع السوق يحمل معه زيادة في الانبعاثات الكربونية الناتجة عن قطاع يعده التقرير من أسرع قطاعات انبعاثات الطيران نموًّا.

وتبرز فلوريدا وتكساس مثالًا على حجم النشاط، إذ يقول التقرير إن عمليات الطيران الخاص وانبعاثات الغازات الدفيئة في الولايتين وحدهما تتجاوز نظيرتها في دول الاتحاد الأوروبي الـ 27 مجتمعة.

نمو قطاع الطيران الخاص في أمريكا

أثر مناخي متزايد

يرتبط الأثر المناخي للطائرات الخاصة بطبيعة تشغيلها واستهلاكها للوقود، إلى جانب الارتفاعات التي تبلغها، إذ يشير التقرير إلى أن الطائرات الخاصة تحلق عادة على ارتفاعات أكبر بكثير من الرحلات التجارية، ما قد يزيد تأثير انبعاثاتها على المناخ من خلال تأثيرات احترارية تتجاوز كمية ثاني أكسيد الكربون التي تطلقها مباشرة.

ويضع ذلك الانبعاثات الكربونية الناتجة عن الطيران الخاص ضمن النقاش الأوسع حول الهدف الثالث عشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالعمل المناخي، خاصة مع سعي الدول والقطاعات المختلفة إلى خفض الانبعاثات وتوجيه أنظمة النقل نحو مسارات أقل تأثيرًا على المناخ.

كما تعني سرعة نمو هذا القطاع أن معالجة الانبعاثات الناتجة عن الطيران تحتاج إلى النظر في أنماط السفر الأعلى استهلاكًا للطاقة، إلى جانب السياسات المطبقة على الطيران التجاري.

وللمزيد حول أثر الطيران على المناخ، اقرأ: الاتحاد الأوروبي يدرس الانبعاثات الكربونية في قطاع الطيران.

انبعاثات كأس العالم

استخدم التقرير كأس العالم لكرة القدم 2026 مثالًا على الزيادة الحادة في حركة الطيران الخاص خلال الفعاليات العالمية الكبرى، وبحسب تقديراته، شهدت البطولة أكثر من 92 ألف رحلة بطائرة خاصة، أسفرت عن نحو 150 كيلوطنًا من الانبعاثات الزائدة، ويعادل هذا الحجم، وفق المقارنة التي أوردها التقرير، انبعاثات نحو 34 ألف سيارة عالية الاستهلاك للوقود تعمل لمدة عام كامل.

كما أشار معدو التقرير إلى أحداث أخرى ترتبط بارتفاع حركة الطيران الخاص، من بينها منتدى دافوس الاقتصادي ومهرجان كان السينمائي وبطولة الماسترز للجولف وسباق جائزة موناكو الكبرى.

وتوضح هذه الأمثلة كيف يمكن لتجمعات عالمية تستمر أيامًا محدودة أن تولد موجة كثيفة من الرحلات عالية الانبعاثات، ما يوسع النقاش حول البصمة المناخية للفعاليات الدولية نفسها.

كأس العالم

فجوة في الضرائب

ينتقل التقرير من حجم الانبعاثات الكربونية إلى طريقة توزيع التكلفة الاقتصادية المرتبطة بالطيران، فالمسافرون على الرحلات التجارية في الولايات المتحدة يدفعون مجموعة من الضرائب والرسوم عند شراء التذاكر، بينما يخضع مستخدمو الطائرات الخاصة لضريبة اتحادية على وقود الطائرات تبلغ 21.9 سنتًا للجالون، وفق ما أورده التقرير، كما تمنح ثماني ولايات أمريكية إعفاءات كاملة أو شبه كاملة من ضريبة المبيعات عند شراء طائرة خاصة.

ويطرح هذا التفاوت سؤالًا حول العلاقة بين الأثر البيئي وحجم الإسهام المالي الذي يتحمله مستخدم وسيلة النقل، خاصة عندما يرتبط الاستخدام بشريحة صغيرة من أصحاب الثروات.

ويتقاطع هذا الجانب مع الهدف العاشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالحد من أوجه عدم المساواة، من زاوية توزيع أعباء التحول المناخي بصورة أكثر توازنًا، وربط الأنشطة الأعلى تأثيرًا على المناخ بمسئولية تتناسب مع حجم أثرها.

بدائل أقل انبعاثًا

يقترح معدو التقرير مجموعة من المسارات لتقليل الاعتماد على الطيران الخاص، تبدأ بمراجعة العبء الضريبي المرتبط به، إلى جانب تحسين تجربة السفر التجاري وتشجيع وسائل نقل بديلة.

ودعا تشاك كولينز، أحد المشاركين في إعداد التقرير، إلى زيادة الاستثمار في السكك الحديدية عالية السرعة، وتقليل الرحلات الجوية القصيرة، وتطوير بدائل عملية تقلل الاعتماد على الطيران في المسافات التي يمكن تغطيتها بوسائل أكثر كفاءة.

كما يربط التقرير بين السياسات وتغير السلوك، معتبرًا أن خفض الانبعاثات يحتاج إلى تحول ثقافي في النظرة إلى أنماط السفر شديدة الاستهلاك للطاقة.

ويتصل ذلك بالهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالاستهلاك والإنتاج المسئولين، إذ تمتد مسئولية خفض الأثر البيئي إلى أنماط الاستهلاك الفردية والمؤسسية والخيارات المرتبطة بالنقل.

تكلفة السفر الخاص

تكشف طفرة الطائرات الخاصة أن قضية الانبعاثات الكربونية ترتبط بطريقة تصميم سياسات النقل والضرائب بقدر ارتباطها بالتكنولوجيا المستخدمة في الطائرات نفسها، فمع اتساع سوق الطيران الخاص، تزداد أهمية تحديد مدى انعكاس تكلفته المناخية على الضرائب والرسوم، ومدى قدرة البدائل الأقل انبعاثًا على جذب مزيد من الرحلات التي يمكن الاستغناء فيها عن الطيران.

وبناءً على ما تقدم، تشير مؤسسة حماة الأرض إلى أن تحقيق تحول مناخي عادل يتطلب توجيه سياسات خفض الانبعاثات نحو الأنشطة الأعلى تأثيرًا، وربط تكلفة وسائل النقل ببصمتها البيئية بصورة أوضح. ويمنح ذلك مفهوم العدالة المناخية بعدًا عمليًّا، بحيث تتوزع مسئولية خفض الانبعاثات وفق حجم الاستهلاك والأثر، وتتحول بدائل النقل منخفضة الكربون إلى جزء أساسي من التخطيط للمستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى