الحطام الفضائي يهدد مدار الأرض فهل تنجح الأشرعة الشمسية في تنظيفه؟

الحطام الفضائي يهدد مدار الأرض فهل تنجح الأشرعة الشمسية في تنظيفه؟
تتسع مشكلة الحطام الفضائي مع زيادة عدد الأجسام التي تتحرك في مدار الأرض، وهذا بعدما تحول الفضاء القريب من نطاق واسع شبه فارغ إلى بيئة مزدحمة بالأقمار المتوقفة عن العمل وبقايا الصواريخ والشظايا الناتجة عن اصطدامات سابقة؛ مما يطرح سؤالًا حول مدى قدرة الإنسان على إدارة الفضاء إدارة مسئولة وفق معايير الاستدامة الشاملة.
ذلك لأنَّ التقديرات تشير إلى وجود أكثر من 40 ألف جسم متتَبَّعٍ يزيد حجمه على 10 سنتيمترات، إلى جانب مئات الآلاف من القطع الأصغر، وكلها أجسام تتحرك بسرعات تقترب من 7 كيلومترات في الثانية الواحدة؛ أي نحو 25 ألف كيلومتر في الساعة، ما يمنحها -حتى الشظايا الصغيرة- قدرة على إحداث أضرار شديدة عند اصطدامها بالأقمار الصناعية أو المَركبات الفضائية.
وتتجاوز آثار المشكلة حدود الفضاء؛ لأنَّ الأقمار الصناعية تدعم خدمات أساسية على الأرض، ومنها:
- الملاحة
- الاتصالات
- التنبؤ بالطقس
- مراقبة الكوارث
- جمع البيانات المناخية
وعلى ذلك فإنَّ مثل هذه المخلفات الفضائية ذو علاقة بالهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة، خاصة الغاية 9.1 المتعلقة ببناء بنية تحتية موثوقة وقادرة على الصمود؛ لأنَّ سلامة الأقمار ضرورية لاستمرار هذه الخدمات.
وكذلك يتصل الحطام الفضائي بالهدف الثالث عشر، ولا سيما الغاية 13.1 الخاصة بتعزيز القدرة على مواجهة المخاطر المناخية والكوارث؛ إذْ توفر الأقمار الصناعية -على سبيل المثال- بيانات تساعد على الإنذار المبكر ومتابعة الظواهر الجوية والبيئية.
الحطام الفضائي يهدد مدارات حيوية
تضطر الأقمار الصناعية النشطة إلى تنفيذ مناورات دورية؛ كي تتجنب الأجسام التي قد تمر بالقرب منها، ومع ارتفاع كثافة المخلفات تزداد احتمالات وقوع اصطدامات تولد بدورها آلاف الشظايا الجديدة.
ويعرف هذا السيناريو باسم “متلازمة كيسلر“، ويعني أنَّ اصطدامًا واحدًا قد يؤدي إلى سلسلة متتابعة من الاصطدامات، فتزداد المخلفات بسرعة، وتصبح بعض المناطق المدارية أكثر خطورة على المهمات الفضائية المستقبلية.
وقد يؤدي استمرار هذا المسار إلى تقييد استخدام مدارات تعتمد عليها أنظمة الملاحة والاتصالات ومراقبة الأرض، وأيضًا قد يرفع تكاليف تشغيل الأقمار الجديدة؛ بسبب الحاجة إلى أنظمة حماية ومناورات أكثر تعقيدًا وتأمينات أعلى.

الوقود يقيد عمليات تنظيف المدار
من جانب آخر تعتمد عمليات الإزالة النشطة -في العادة- على مركبة فضائية تقترب من جسم مهمل، ثم تلتقطه باستخدام ذراع آلية أو شبكة أو نظام ربط، قبل توجيهه نحو الغلاف الجوي ليحترق بصورة آمنة.
وفي السنوات الماضية ظهرت تصورات متعددة للتعامل مع الحطام الفضائي يعتمد معظمها على الدفع الكيميائي أو الكهربائي؛ ويعني ذلك أنَّ كل انتقال أو تعديل للمدار يستهلك جزءًا هائلًا من الوقود الذي تحمله المركبة.
وتحد هذه المشكلة من مدة المهمة ومن عدد الأجسام التي تستطيع المركبة الوصول إليه؛ ولهذا تركز مشروعات كثيرة على إزالة قطعة واحدة، ثم تنتهي المهمة بعد استهلاك الوقود أو تحقيق الهدف المحدد.
وعلى الرغم مما تقدمه مثل هذه المهمات، إلا أنها تفتقر -حتى الآن- إلى القدرة الواسعة التي تمكنها من التعامل مع مئات الأجسام الخطرة؛ ومن هنا ظهر البحث عن وسائل دفع تستمر أوقاتًا طويلة دون الاعتماد على مخزون محدود من الوقود.
الأشرعة الشمسية تحول الضوء إلى دفع
ولمعالجة ما سبق من تحديات تدرس مجموعة من الباحثين ضمن مشروع “SWEEP” إمكانية استخدام الأشرعة الشمسية في عمليات إزالة الحطام الفضائي متعددة الأهداف، وتعتمد التقنية على غشاء كبير ورقيق وعاكس يتفاعل مع فوتونات ضوء الشمس.
وعندما تصطدم الفوتونات بسطح الشراع تنقل إليه مقدارًا ضئيلًا من الزخم، وتبقى القوة الناتجة محدودة جدًّا، ومع ذلك تظل تعمل باستمرار؛ مما يسمح للمركبة بتغيير سرعتها ومسارها تدريجيًا دون استهلاك وقود تقليدي. وقد أثبتت مهمات فضائية سابقة إمكانية نشر الأشرعة الشمسية والتحكم فيها، من بينها مهمات “LightSail” ومهمة “ACS3” التابعة لوكالة ناسا.

مهمة واحدة لزيارة عدة أهداف
كذلك يسعى المشروع إلى معرفة ما إذا كان الشراع الشمسي يستطيع الوصول إلى قطعة من الحطام الفضائي والمساعدة على إزالتها، ثم الانتقال إلى جسم آخر وتكرار العملية عدة مرات. وتحتاج هذه الفكرة إلى نماذج دقيقة تتنبأ بحركة الشراع في بيئة معقدة تشمل: مقاومة الغلاف الجوي، واضطرابات الجاذبية، وفترات الكسوف، وتأثير الإشعاع الصادر عن الأرض.
كما يحتاج الباحثون إلى تحديد ترتيب الأهداف وتوقيت الوصول إلى كل واحد منها؛ لأنَّ المركبة وقطع الحطام تتحرك باستمرار في مدارات مختلفة، ولذلك يعتمد اختيار الطريق على المسافة وعلى شكل المدار واتجاهه بالنسبة إلى الشمس والوقت المتاح للمناورة.
وهذا يشبه مسألة البائع المتجول (بالإنجليزية: Travelling salesman problem)، الذي يبحث عن أفضل مسار يتيح له زيارة عدة مواقع، لكنها تصبح أشد تعقيدًا في الفضاء؛ بسبب حركة الأهداف المستمرة، وكذلك بسبب اختلاف الوقت المطلوب للانتقال بينها.
ولذلك يستخدم الباحثون تقنيات متعددة لتحسين المسارات، من بينها: أساليب التحكم الرياضي والتعلم المعزز؛ حتى يمكنهم الوصول إلى تسلسل قريب من المسار الأمثل، وتقليل زمن الانتقال قدر الإمكان.
تحديات تفصل الفكرة عن التطبيق
ومهما كانت الأشرعة الشمسية مفيدة في إزالة الحطام الفضائي، فإنَّ هناك قيودًا حولها، أبرزها ضعف قوة الدفع؛ ولذلك تحتاج المركبة إلى مساحات كبيرة من الأغشية الخفيفة، وتحتاج أيضًا إلى أوقات طويلة حتى تحقق تغيرًا ملحوظًا في السرعة أو المدار.
ومن ناحية أخرى يرتبط اتجاه الدفع بوضع الشراع بالنسبة إلى الشمس؛ وهو ما يجعل التحكم أقل مرونة مقارنة بالمحركات التقليدية، أي أنَّ التقنية تناسب المناورات التدريجية، وهذا حينما يصعب استخدامها في التغيرات السريعة أو الطارئة.
وتشتد التحديات حين الاقتراب من قطعة حطام فضائي قد تدور بصورة غير منتظمة، فتحتاج المركبة في هذه الحالة إلى مسار آمن يضمن السيطرة على الاقتراب، خاصة أنَّ الشراع لا يستطيع إيقاف تأثير ضوء الشمس بالطريقة نفسها التي يتوقف بها المحرك.
ويزيد الحجم الكبير للشراع من المساحة المعرضة للاصطدام بالشظايا، وبالرغم من أنَّ الأبحاث تشير إلى إمكانية تنفيذ مناوراتِ تفادٍ باستخدام بعض القوى، فإنَّ نجاح هذه الخطوات يعتمد على دقة التنبؤ بالمخاطر وتوافر وقت كافٍ لتعديل المسار.
وتوضح هذه القيود أنَّ نجاح النماذج والمحاكاة يمثل مرحلة أولى، وأنه يبقى الاختبار الحقيقي في إطلاق مهمة تجريبية تثبت قدرة المركبة على الانتقال بين عدة أهداف، وتنفيذ عمليات اقتراب آمنة في المدار.
في الختام، يظهر أنَّ حماية الفضاء من الشظايا والمخلفات، تقوم في أساسها على تغيير طريقة تعامل البشر مع المدار باعتباره بنية تحتية لا بُدَّ أنْ يكونوا مسئولينَ عنها؛ ولذا تنطلق مؤسسة حماة الأرض في رؤيتها من أنَّ القيمة الحقيقية لتقنية الأشرعة الشمسية -ولغيرها من التقنيات المستدامة- تكمن في فتح مسار نحو إدارة أكثر استدامة للفضاء، الذي تعتمد عليه حياة كوكب الأرض ومَن عليه من الأجيال الحالية والقادمة.




