أخبار الاستدامة

التضخم يرتفع والضغوط تتزايد.. كيف توازن بريطانيا بين دعم الأسر وأعباء الديون؟

التضخم

التضخم يرتفع والضغوط تتزايد.. كيف توازن بريطانيا بين دعم الأسر وأعباء الديون؟

تبدأ الأزمة من ارتفاع أسعار الوقود، لكنها سرعان ما تتجاوز محطات البنزين لتصل إلى ميزانيات الأسر وقرارات الحكومة. ففي بريطانيا، أصبح التضخم مصدرًا متزايدًا للقلق، بعدما دفعت تكاليف الطاقة الأسعار إلى الارتفاع مجددًا، بينما تواجه الدولة ضغوطًا مالية تحد من قدرتها على تخفيف أعباء المعيشة.

وخلال سبتمبر 2026، ارتفع معدل التضخم السنوي إلى 3.5%، مقارنة بـ 3.1% في أغسطس، متجاوزًا توقعات الاقتصاديين. وجاءت الزيادة في وقت يستعد فيه وزير المالية البريطاني جون هيلي لتقديم أول موازنة له في 28 أكتوبر، وسط مطالب بتقديم دعم للأسر المتضررة من ارتفاع الأسعار.

وتكشف هذه التطورات وجهًا آخر لأزمة الطاقة؛ فاضطراب إمدادات الوقود قد ينعكس على تكلفة التنقل والإنتاج والخدمات، ثم يمتد إلى الموازنة العامة وأسعار الفائدة. وهكذا تجد الأسر والحكومة نفسيهما أمام ضغوط مترابطة، وإن اختلفت الأعباء التي يتحملها كل طرف.

من الوقود تبدأ الأزمة

بحسب بيانات مكتب الإحصاءات الوطني البريطاني، كانت زيادة أسعار البنزين والديزل العامل الرئيسي وراء تسارع التضخم خلال سبتمبر، ليصل المعدل السنوي إلى أعلى مستوى منذ أكتوبر 2025.

وجاء ارتفاع الوقود مع اشتداد اضطرابات أسواق الطاقة المرتبطة بالحرب في إيران، والتي دفعت أسعار الطاقة العالمية إلى الصعود وأثارت مخاوف بشأن استمرار ضغوط الأسعار.

من الوقود تبدأ الأزمة

وكان الاقتصاديون يتوقعون وصول التضخم إلى 3.4%، بينما رجَّح بنك إنجلترا في توقعاته الصادرة خلال يوليو تسجيل 3% فقط.

ويكشف هذا الارتفاع عن ضغوط تضخمية فاقت تقديرات الاقتصاديين، لتزيد من حالة القلق بشأن مسار الأسعار خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يزيد صعوبة التخطيط لنفقات الأسر والشركات، ويضع صانعي السياسات أمام احتمالات اقتصادية أكثر تعقيدًا.

وتكتسب أرقام سبتمبر أهمية إضافية؛ إذ تُستخدم تقليديًّا في تحديد الزيادات المرتبطة ببعض إعانات الرعاية الاجتماعية في بريطانيا، ما يجعل أثرها ممتدًا إلى حسابات الإنفاق الحكومي.

الغلاء يتجاوز محطات البنزين

تعتمد بريطانيا بدرجة كبيرة على واردات الغاز الطبيعي، ولذلك تراقب السلطات الاقتصادية مدى انتقال صدمة أسعار الطاقة إلى قطاعات أخرى.

وقد بدأت مؤشرات هذا الانتقال تظهر في البيانات؛ إذ ارتفع التضخم السنوي في قطاع الخدمات إلى 3.7% خلال سبتمبر، مقابل 3.4% في أغسطس.

كما صعد التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة والكحول والتبغ، إلى 2.8%، بعدما سجل 2.6% في الشهر السابق.

وفي المصانع، ارتفعت أسعار المنتجات عند خروجها من بوابات التصنيع بنسبة 4.6% على أساس سنوي، وهي أكبر زيادة منذ أبريل 2023. أما تكاليف المواد والمدخلات التي يشتريها المصنعون، فزادت بنسبة 8.3%، مقابل 6.7% في أغسطس.

وتوضح هذه الأرقام كيف يمكن لصدمة تبدأ في أسواق الوقود أن تثير ضغوطًا أوسع على تكاليف الإنتاج والخدمات. وتزداد المخاوف إذا استمر ارتفاع الأسعار طويلًا، بما قد يؤثر في قرارات الشركات بشأن التسعير والأجور.

لكن البيانات لا تعني أن جميع هذه الزيادات نتجت عن الطاقة وحدها؛ فالتضخم يتأثر بعوامل متعددة، ويظل تحديد حجم انتقال الصدمة إلى بقية الاقتصاد مسألة تتابعها السلطات النقدية.

أسر تحتاج إلى الدعم وحكومة مثقلة بالديون

في الوقت الذي تواجه فيه الأسر ارتفاع تكلفة المعيشة، تكشف بيانات المالية العامة عن ضغوط مماثلة على الحكومة البريطانية. فقد أظهرت أرقام رسمية صدرت بالتزامن مع بيانات التضخم ارتفاع الاقتراض الحكومي بأكثر من المتوقع، وتجاوز الدين العام ثلاثة تريليونات جنيه إسترليني.

وتزيد تكاليف خدمة الدين المرتبطة بالتضخم من صعوبة الموازنة بين تقديم المساعدات والحفاظ على الانضباط المالي. ولخص جريج ثويتس، كبير الاقتصاديين المؤقت في مؤسسة ريزوليوشن فاونديشن، المعضلة في التوفيق بين تخفيف ضغوط المعيشة عن الأسر وكبح الاقتراض الحكومي.

أسر تحتاج إلى الدعم

وهنا يبرز بُعد اجتماعي يتجاوز الحسابات المالية؛ فالأسر محدودة الدخل تملك قدرة أقل على استيعاب زيادات مستمرة في النفقات الأساسية، بينما تحتاج برامج الدعم إلى موارد تستطيع الدولة توفيرها.

وتضع هذه المعادلة الغاية 1.3 من الهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالقضاء على الفقر، في صميم النقاش؛ إذ تدعو إلى تنفيذ أنظمة وتدابير ملائمة للحماية الاجتماعية، مع توسيع نطاق استفادة الفئات الفقيرة والأكثر عرضة للمخاطر منها.

وفي الحالة البريطانية، تعكس الضغوط الحالية أهمية تصميم دعم يراعي احتياجات الأسر الأكثر تأثرًا بارتفاع الطاقة، مع الانتباه إلى حدود الموارد المتاحة.

هل ترتفع أسعار الفائدة؟

بينما تبحث الحكومة عن مساحة لمساعدة الأسر، يواجه بنك إنجلترا سؤالًا آخر: هل أصبح رفع أسعار الفائدة ضروريًّا للحد من استمرار التضخم؟

أظهرت بيانات صدرت في 20 أكتوبر تسارع نمو الأجور في بريطانيا، ما أثار مخاوف من أن تدفع زيادة تكاليف العمالة بعض الشركات إلى رفع أسعارها، فتستمر الضغوط التضخمية لفترة أطول.

ويرى مسئولون في البنك أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة يزيد احتمالات اللجوء إلى رفع الفائدة، رغم أن تأثير هذه الزيادة على أسعار السلع والخدمات الأخرى لا يزال محدودًا، بحسب تقييمهم.

وكان المستثمرون وعدد من المحللين يتوقعون رفع سعر الفائدة الرئيسي إلى 4% في اجتماع الخامس من نوفمبر 2026. وتعكس هذه الاحتمالات صعوبة الخيارات المتاحة؛ فرفع الفائدة قد يساعد على كبح الطلب والضغوط التضخمية، لكنه يزيد أيضًا تكلفة الاقتراض على الأسر والشركات.

أمن الطاقة يبدأ من حماية الأسر

إذا كانت اضطرابات الوقود العالمية قادرة على التأثير في أسعار السلع والخدمات والموازنة العامة، فكيف تستطيع الاقتصادات تقليل تعرضها لمثل هذه الصدمات مستقبلًا؟

تبدأ الإجابة من تنويع مصادر الإمداد وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، بما يقلل الاعتماد على مصدر واحد تتأثر أسعاره بالتوترات الدولية.

وتنسجم هذه الحاجة مع الغاية 7.2 من الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالطاقة النظيفة وبأسعار معقولة، التي تدعو إلى زيادة حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة العالمي.

لكن تعزيز أمن الطاقة يتطلب النظر إلى خيارات أوسع، تشمل تطوير شبكات الكهرباء والتخزين، وتحسين كفاءة المباني والصناعة، ودراسة دور مصادر مستقرة لإنتاج الكهرباء.

ومن بين هذه الخيارات، تبرز الطاقة النووية في النقاش الأوروبي حول تنويع الإمدادات؛ وهو موضوع تناولته مؤسسة حماة الأرض في مقالها عن الطاقة النووية بوصفها بديلًا أوروبيًا محتملًا، في سياق البحث عن مسارات لتعزيز استقرار الطاقة.

ومع ذلك، فإن بناء محطات جديدة وتطوير شبكات الكهرباء يحتاجان إلى وقت واستثمارات كبيرة، ولذلك يمثل تنويع الطاقة استراتيجية طويلة الأجل لتقليل بعض المخاطر، وليس علاجًا فوريًّا لارتفاع الأسعار الحالي.

وفي الختام، تكشف أزمة التضخم في بريطانيا عن حقيقة تنموية تستحق الاهتمام: استقرار الطاقة يرتبط ارتباطًا وثيقًا باستقرار حياة الناس. فكل اضطراب في الإمدادات قد يترك أثره في نفقات الأسرة، وقدرة الشركات على الإنتاج، ومساحة الحكومة لتقديم الدعم.

ومن هنا تتجلى إحدى القضايا التي تضعها رسالة مؤسسة حماة الأرض في مقدمة الاهتمام؛ وهي أن التحول نحو أنظمة طاقة أكثر استدامة ينبغي أن يجمع بين حماية البيئة، وموثوقية الإمدادات، والقدرة الاقتصادية للأفراد على الحصول عليها.

فخلف مؤشرات التضخم وقرارات الفائدة والموازنات العامة، يبقى السؤال الأكثر اتصالًا بحياة الناس: كيف يمكن بناء اقتصاد أقل تعرضًا لصدمات الطاقة، بحيث لا تتحول اضطرابات الأسواق البعيدة إلى أعباء يومية تثقل كاهل الأسر؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى