خطى مستدامة

وصفة إستونيا حول التنمية المستدامة.. كيف صنع التعليم والرقمنة نموذجًا للتقدم؟

التنمية المستدامة
وصفة إستونيا حول التنمية المستدامة.. كيف صنع التعليم والرقمنة نموذجًا للتقدم؟

طورت جمهورية إستونيا في العقود الماضية خطة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وهي خطة تقوم على ثلاثة مكونات مترابطة: التكنولوجيا الحديثة، والتعليم الجيد، والمؤسسات القوية. وقد ساعد هذا المزيج الدولة الأوروبية الصغيرة على مواجهة تحديات اقتصادية واجتماعية حادة عقب استقلالها، لتكون في موقع متقدم ضمن مؤشرات التنمية العالمية.

وعرضت إستونيا تجربتها خلال المنتدى السياسي رفيع المستوى المعني بالتنمية المستدامة لعام 2026، الذي عقد في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك. وقدمت الدولة مراجعتها الوطنية الطوعية، وهي تقرير تستعرض من خلاله الدول ما حققته في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، إلى جانب التحديات التي ما زالت تواجهها.

وتبرز أهمية التجربة الإستونية في وقت يتحرك فيه العالم ببطء نحو أهداف عام 2030؛ إذْ يسير العالم -وفق تقرير الأمم المتحدة لأهداف التنمية المستدامة لعام 2026- على المسار الصحيح لتحقيق 15% من الغايات القابلة للقياس، فيما تشهد نسبة كبيرة منها تقدمًا محدودًا أو حالة من الجمود والتراجع.

وفي هذا السياق العالمي وصلت إستونيا إلى المرتبة السابعة عشرة بين الدول في مسار تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، مستفيدة من استثمارات طويلة الأجل في مجالات الرقمنة، والتعليم، وبناء مؤسسات عامة تتمتع بمستويات مرتفعة من الكفاءة والمساءلة.

الدولة الرقمية تحقق التنمية المستدامة

لقد بدأت إستونيا منذ تسعينيات القرن الماضي في بناء نموذجها الرقمي، وأطلقت مبادرة “إي-إستونيا” التي أسهمت في تحويل نحو 99% من الخدمات العامة إلى خدمات إلكترونية، وحينئذٍ أصبح بإمكان المواطنين إنجاز معظم معاملاتهم الحكومية عبر الإنترنت، بما في ذلك:

  • الضرائب
  • الخدمات الصحية
  • تسجيل الشركات

أهداف التنمية المستدامة

وساعد ذلك على تقليل الإجراءات الورقية، وتسريع تقديم الخدمات، وتوفير الوقت والتكلفة للأفراد والمؤسسات، وبعد ذلك شجعت الحكومةُ الشركاتِ التكنولوجيةَ الناشئةَ على التطور داخل اقتصاد يعتمد على المنافسة والانفتاح؛ مما أسهم في نمو قطاع الابتكار، وتحوُّل العاصمة “تالين” إلى مركز تقني بارز، حتى أصبحت توصف بأنها “وادي السيليكون في منطقة البلطيق”.

وبهذا الجهود الرقمية وصلت نسبة مستخدمي الإنترنت في البلاد إلى نحو 92% من السكان، ما وفر قاعدة اجتماعية واسعة للخدمات الرقمية، كما دعمت البنية التكنولوجية قدرة المؤسسات على جمع البيانات، ومتابعة المؤشرات، وتطوير السياسات العامة.

التعليم يبني قاعدة المجتمع الرقمي

إنَّ إستونيا تعتمد في تحولها المستدام على التكنولوجيا، وكذلك على الاستثمار في التعليم، وهذا بالتوازي مع جهود رقمنة الدولة. وقد ركز النظام التعليمي على العلوم والتكنولوجيا والمهارات الرقمية؛ فساعد الطلاب -على سبيل المثال- على تحقيق نتائج مرتفعة في الاختبارات الدولية.

وفي الاتجاه ذاته أقر البرلمان تشريعًا يرفع سن التعليم الإلزامي إلى 18 عامًا، بزيادة عام إضافي، إلى جانب إدخال إصلاحات تهدف إلى جعل التعليم العالي والتدريب المهني أكثر سهولة من حيث الوصول والتكلفة؛ رغبةً في تحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة: التعليم الجيد؛ لأنَّ التحول الرقمي يحتاج إلى مواطنين يمتلكون المعرفة والقدرة على استخدام الأدوات الحديثة.

ومِن هنا توضح التجربة الإستونية أنَّ التنمية المستدامة وأهدافها السبعة عشر تحتاج إلى تكامل بين البنية الرقمية والمهارات البشرية؛ لأنَّ الدولة التي تستثمر في المنصات الإلكترونية من دون تطوير التعليم قد تواجه فجوة بين سرعة التكنولوجيا وقدرة المجتمع على الاستفادة منها.

المؤسسات القوية تعزز الثقة والشفافية

من جانب آخر تمثل المؤسسات الركن الثالث في التجربة الإستونية، فقد تطورت البلاد عبْر ديمقراطية برلمانية تمتلك هياكل إدارية قوية وقابلة للمساءلة، وحينها انخفضت معدلات الجرائم العنيفة، كما وصلت مستويات الفساد إلى معدلات منخفضة مقارنة بعدد كبير من الدول؛ لتحتل إستونيا المرتبة الثانية عشرة من بين 180 دولة في مؤشر مدركات الفساد، بالتساوي مع كندا.

وقد أسهم الجمع بين الشفافية والرقمنة في تحسين العلاقة بين المواطن والحكومة؛ إذْ إنَّ تقليل التدخلات الورقية والإجراءات المعقدة يحد من فرص حدوث الفساد، ويجعل متابعة القرارات والخدمات أكثر سهولة ويسرًا.

تحديات اجتماعية على المسار

وبالرغم من النتائج المتقدمة فلا تزال إستونيا تواجه تحديات تؤثر في قدرتها على تحقيق جميع أهداف التنمية المستدامة، وكذلك يستمر الفقر بين عدد من الفئات، خاصة كبار السن والشباب والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.

وتكشف هذه الفجوات عن أنَّ التقدم في الرقمنة والمؤسسات قد لا يصل بالسرعة نفسها إلى جميع فئات المجتمع؛ ولهذا يظل توفير شبكات حماية اجتماعية أكثر فاعلية ضروريًا لضمان عدم ترك الفئات الأكثر تعرضًا للمخاطر خارج مسار النمو.

الفقر في المرتبة 17 عالميًا

أيضًا تكتسب التجربة الإستونية أهميتها عند مقارنتها بالظروف التي واجهتها البلاد خلال تسعينيات القرن الماضي، حيث بلغ معدل الفقر النسبي آنذاك نحو 54%، وهذا حينما وصل متوسط العمر المتوقع إلى نحو 66 عامًا لا أكثر.

وكانت الدولة تعيد بناء مؤسساتها واقتصادها بعد نهاية الحرب الباردة واستعادة استقلالها، وهو ما جعل الاستثمار في التكنولوجيا والتعليم والإدارة العامة خيارًا استراتيجيًا لإعادة تشكيل الدولة. وساعد انضمام إستونيا إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004 على توفير دعم مالي وفني، لكنه جاء ضمن مسار وطني بدأ قبل العضوية واستمر بعدها، حيث تبنت البلاد رؤية طويلة الأجل للرقمنة، وربطتها بإصلاح التعليم والمؤسسات بدلًا من التعامل معها باعتبارها مشروعًا تقنيًا منفصلًا.

التجربة الإستونية مثال رائد

مما سبق ينكشف لنا أنه يمكن للدول الأخرى -مع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الثقافة والبيئة الطبيعية- الاستفادة من مبادئ التجربة الإستونية، خاصة عند ربط التحول الرقمي بالتعليم والإصلاح المؤسسي، كما يمكنها تطوير خدمات عامة أكثر بساطة، والاستثمار في المهارات الرقمية، ودعم الشركات الناشئة، وتعزيز الشفافية والمساءلة.

وفي الختام تبقى القيمة الأساسية لمثل هذه التجربة في أنها تعاملت مع التكنولوجيا والتعليم والمؤسسات باعتبارها منظومة واحدة؛ فالخدمات الرقمية تحتاج إلى مواطنين قادرين على استخدامها، والتعليم يحتاج إلى اقتصاد يوفر فرصًا لتطبيق المهارات، فيما تحتاج المنظومة بأكملها إلى مؤسسات تحمي الحقوق وتضمن كفاءة الإنفاق.

ووفق رؤية مؤسسة حماة الأرض فإنَّ الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من إستونيا هو أنَّ أهداف التنمية المستدامة تتحقق عبر منظومة تتساند فيها الأهداف بعضها مع بعض؛ فالتعليم الجيد يرفع قدرة الأفراد على المشاركة في الاقتصاد الرقمي، والمؤسسات القوية تحول هذه القدرات إلى خدمات وفرص، والرقمنة تساعد على جعل تلك الخدمات أكثر كفاءة وقابلية للمتابعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى