التكيف المناخي يبدأ من الحدائق.. كيف تحمي المساحات الخضراء مدن جنوب إفريقيا؟

التكيف المناخي يبدأ من الحدائق.. كيف تحمي المساحات الخضراء مدن جنوب إفريقيا؟
تتزايد الضغوط التي يفرضها تغير المناخ على المدن، خاصة في المناطق التي تشهد نموًا سكانيًا وعمرانيًا سريعًا. وفي مدن إفريقيا جنوب الصحراء، تتداخل موجات الحر والأمطار الغزيرة والفيضانات مع الهجرة من المناطق الريفية ونقص الخدمات؛ مما يوضح كيف أنَّ قضية التكيف المناخي ذات علاقة بطريقة تخطيط الأحياء وإدارة المساحات العامة.
وتعتمد المدن عند مواجهة الكوارث على الطرق وشبكات المياه وحواجز الفيضانات، وهي عناصر تمثل البنية التحتية المادية، لكنها تعتمد كذلك على ما يعرف بالبنية التحتية الاجتماعية، التي تشمل:
- الأماكن العامة
- العلاقات المجتمعية
- الشبكات المحلية
وتندرج كذلك المتنزهات والساحات والحدائق المجتمعية ضمن هذه البنية؛ لأنها توفر أكثر من مكان للراحة، حيث تساعد على خفض درجات الحرارة، وتمنح السكان مناطق مظللة خلال موجات الحر، وتدعم امتصاص مياه الأمطار، كما تخلق مساحات للتواصل وتقديم الخدمات إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
ومن هذه الزاوية تكشف دراسة أجراها فريق من المخططين العمرانيين والمهندسين المعماريين في مدينة “تشواني” بجنوب إفريقيا، عن أنَّ نجاح التكيف المناخي داخل المدن يرتبط بقدرة المساحات الخضراء على الجمع بين الوظيفة البيئية والدور الاجتماعي، وبمشاركة السكان في إنشائها وإدارتها وتطويرها.
المساحات الخضراء تعزز التكيف المناخي
قامت الدراسة باستكشاف ثلاث مساحات عامة مختلفة في “تشواني”، وهي رابع أكبر مدن جنوب إفريقيا من حيث عدد السكان، وتواجه توقعات بارتفاع درجات الحرارة وزيادة الجفاف، بالتزامن مع ضغوط عمرانية ناتجة عن انتقال السكان من المناطق الريفية.
وقد أظهرت الدراسة أنَّ الحدائق والساحات العامة تساعد الأحياء على مواجهة الحرارة والفيضانات، غير أنها تؤدي كذلك أدوارًا تتعلق بالأمن الغذائي، والصحة النفسية، وإعادة دمج الفئات المهمشة وتقوية الروابط بين السكان.
ويرتبط هذا الدور بالهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالمدن والمجتمعات المحلية المستدامة، وتحديدًا الغاية 11.7 الخاصة بإتاحة مساحات خضراء وعامة آمنة وشاملة للجميع؛ إذْ إنَّ الحدائق التي توفر الظل ومياه الشرب وأماكن التجمع تعزز قدرة الأحياء على الصمود، وتتجاوز دورها الترفيهي أو التجميلي.
كما يتصل التكيف المناخي بالهدف الثالث عشر، المعني بالعمل المناخي، ولا سيما الغاية 13.1 الخاصة بتعزيز القدرة على مواجهة المخاطر المناخية والكوارث، وهو ما تعمل النباتات على تحقيقه من خلال خفض الحرارة وامتصاص مياه الأمطار.

ثلاث تجارب تعيد تعريف الحدائق العامة
تكشف الحالات الثلاثة التي تناولتها الدراسة عن أنَّ المساحات الخضراء تقدم نماذج عملية متغيرة؛ لأنَّ كل مساحة استطاعت أنْ تستجيب لاحتياجات محلية مختلفة، وكذلك حققت فوائد مناخية واجتماعية بدرجات متفاوتة.
حديقة غذائية تنمو فوق مكب للنفايات
وعن الحالة الأولى فإنها “موجا جابيدي”، وهي موقع مهمل ومكب غير قانوني للنفايات، قبل إعادة تأهيله وتحويله إلى حديقة غذائية ومساحة علاجية. وفي عام 2020 بدأت أعمال الزراعة الحضرية داخل الموقع، وأصبحت الحديقة تنتج مجموعة متنوعة من الخضراوات والفواكه والأعشاب.
وأظهرت زيارات الباحثين ومقابلاتهم مع القائمين على المكان أنَّ الحديقة تدعم الأمن الغذائي، وتعزز عملية إعادة الاندماج الاجتماعي؛ لأنها كانت توفر منتجات طازجة لمأوى انتقالي يخدم أناسًا كانوا بلا مأوى ويتعافون من إدمان المخدرات.
كما استضافت الحديقة خدمات نفسية واجتماعية تساعد هؤلاء على العودة والانسجام في المجتمع، وفي الوقت نفسه أسهم الغطاء النباتي الكثيف والبِرك المائية في تبريد المنطقة المحيطة؛ وبذلك جمع الموقع بين التكيف المناخي ودعم الغذاء والصحة والاندماج الاجتماعي.
وبصورة واضحة فإنَّ إنتاج الغذاء في الحديقة -على سبيل المثال- له علاقة بالهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالقضاء على الجوع، وتحديدًا الغاية 2.1، الخاصة بضمان وصول الجميع إلى غذاء آمن وكافٍ.
متنزه صغير يخدم المارة يوميًا
أمَّا “ماكلينيوك كومنز” فهو متنزه مجتمعي صغير أُنشِئ على طريق مركزي يمر عليه السكان في أثناء الذهاب إلى العمل والعودة منه، ويضم نافورة مياه للشرب، ومساحة للتجمع، ومنحوتة مميزة، وحديقة مزروعة بأنواع محلية.
وتكمن أهمية هذا النموذج في أنه يعتمد على اختيار موقع يستخدمه الناس بالفعل؛ فقد وفر للمشاة مكانًا للراحة ومياهًا للشرب ومساحة للقاء داخل مسارهم اليومي. ويظهر ذلك أنَّ التكيف المناخي يمكن أنْ يبدأ من تدخلات محدودة إذا صُممت وفق حركة السكان واحتياجاتهم.
حديقة تاريخية تفتقد المشاركة الكافية
وأمَّا الحالة الثالثة فهي “برجرز بارك“؛ أُولى الحدائق النباتية في بلدية “تشواني”، وقد أُنشئت عام 1874، وهي تضم أشجارًا ومباني تاريخية، وما زالت تُدار من جانب البلدية، وتوفر ملاذًا لعدد كبير من المستخدمين، بينهم أشخاص بلا مأوى.
وشهدت الحديقة تحولات عديدة، خاصة أنها تستضيف بعض خدمات الدعم الاجتماعي، سوى أنَّ الدراسة وجدت أنَّ مشاركة المجتمع المحلي في إدارة المكان ظلت محدودة، وأنَّ برامج الدعم لم تصل إلى المستوى الذي يمكن أنْ تحققه.
وتكشف هذه الحالة عن أنَّ وجود الأشجار والممرات والتصميم التاريخي لا يضمن وحده نجاح المساحة العامة؛ وسبب ذلك هو أنَّ الحديقة تُقدم فوائد بيئية، عدا أنَّ قدرتها على دعم التكيف المناخي اجتماعيًا تظل أقل عندما لا يشارك السكان في تحديد وظائفها أو إدارة برامجها.
السكان يصنعون نجاح المكان
ومما سبق توصلت الدراسة إلى أنَّ المساحات العامة الأكثر فاعلية هي التي تُنشأ من خلال التواصل الفعَّال مع المجتمعات المحلية؛ فطريقة اتخاذ القرارات حول المكان، والجهات المشاركة، والأنشطة التي سيستضيفها، تحدد نجاحها بقدر ما يحدده التصميم.
وتساعد مشاركة السكان على فهم تاريخ المنطقة واحتياجاتها، وتزيد شعورهم بالانتماء والمسئولية، وعندما يشعر الأفراد بأنَّ المكان يمثلهم يصبحون أكثر استعدادًا للعناية به، وقادرين على دعم بعضهم بعضًا في أثناء موجات الحر والفيضانات، وكذلك عند حدوث الأزمات الاجتماعية.
وأيضًا أبرزت الدراسة أهمية القيادات المحلية، وهم القادرون على جمع المجتمع حول رؤية مشتركة وتحويلها إلى مشروع فعلي؛ وبالتالي هم يحتاجون إلى المرونة، والاستعداد للتعلم، وتعديل الخطط عندما تتغير الظروف أو تظهر احتياجات جديدة.
دروس للمدن الإفريقية سريعة النمو
إنَّ تجربة “تشواني” تُقدم دروسًا مهمة إلى المدن التي تواجه ارتفاعًا في درجات الحرارة وموجات من الفيضانات، وضغطًا سكانيًّا بمواردَ ماليةٍ محدودةٍ؛ فبناء القدرة على الصمود قد ينطلق من تأهيل موقع مهمل أو زراعة مساحة صغيرة داخل حي مزدحم.
ويحتاج نجاح هذه المبادرات إلى إشراك السكان منذ مرحلة التخطيط، وتوفير موارد مستمرة للصيانة، وضمان وصول الفئات الأكثر احتياجًا إلى المكان، كما ينبغي تجنب تطوير المساحات العامة بطريقة تؤدي إلى إبعاد المستخدمين الحاليين أو حرمانهم من الخدمات.

وختامًا، فإنَّ التكيف المناخي يبرز هنا باعتباره عملية لإعادة تشكيل الحياة اليومية داخل المدن؛ لأنَّ المساحة الخضراء التي تُزرع اليوم قد تخفف خطرًا مناخيًا غدًا، وتكشف الحالات الثلاث كذلك عن حقيقة أكثر عمقًا، هي أنَّ البنية التحتية تصبح قادرة على الصمود من خلال الطريقة التي يستخدمها الناس ويديرونها ويحافظون عليها.
وعلى ذلك تنطلق مؤسسة حماة الأرض من قراءة ترى أنَّ مستقبل المدن الأكثر تعرضًا للمخاطر المناخية يحتاج إلى تغيير في طريقة النظر إلى المساحات الخضراء، وهذا عبْر تحسين الصورة البصرية للمدينة، وبناء أصول حضرية تؤدي وظائف متداخلة في المناخ والصحة والغذاء والمجتمع.




