التحول في الطاقة يقود اليابان لتسجيل أدنى مستوى من الغازات الدفيئة تاريخيًّا

التحول في الطاقة يقود اليابان لتسجيل أدنى مستوى من الغازات الدفيئة تاريخيًّا
في لحظة دولية شديدة الخطورة يجب أنْ ننظر إلى الغازات الدفيئة -أو غازات الاحتباس الحراري- بمزيد من الاهتمام، وذلك في عالم يتغير تحت وطأة تغير المناخ؛ الأمر الذي يفتح النقاش واسعًا أمام كل ما يمكنه أنْ يمنع المجتمعات من تحقيق أهداف التنمية المستدامة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.
ذلك لأنَّ ملف انبعاثات الغازات الدفيئة لم يعد في مساره التقليدي داخل الاقتصادات الكبرى تحديدًا؛ فهو الآن يمر بمرحلة إعادة تشكُّل وتحوُّل بالغة التعقيد، وسبب ذلك هو زيادة ضغوط التغير المناخي، التي تدفع الدول إلى تفكيك النماذج القديمة المعتمدة على الوقود الأحفوري، وإعادة بناء منظوماتها في مجال الطاقة على أسس أكثر مرونة واستدامة.
وفي هذا السياق تكون اليابان نموذجًا كاشفًا عن تلك التحولات العالمية في مستويات الغازات الدفيئة، وهو ما نتناوله معكم في هذا المقال، مع قياس دور القطاعات المختلفة في هذا التحول، إلى جانب قياس تأثير مزيج الطاقة في دعم خفض الانبعاثات الكربونية، مع استعراض المسار الذي تتبعه اليابان لتحقيق أهدافها المناخية؛ فتابعوا القراءة.
مؤشرات الغازات الدفيئة في اليابان
أظهرت بيانات حكومية أنَّ اليابان سجلت تحولًا ملحوظًا وإيجابيًّا في مجال خفض الغازات الدفيئة (غازات تمتص الأشعة تحت الحمراء؛ فترفع درجة حرارة الكوكب)، وذلك مع تراجع استهلاك الطاقة في القطاع الصناعي، وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة والنووية.
ولإدراك هذا التحول الياباني في خفض مستويات الغازات الدفيئة يجب أنْ نعلم أنَّ السنة المالية لعام 2024 -التي انتهت في مارس 2025- قد شهدت انخفاضًا بنسبة 1.9%، لتصل إلى نحو 1.046 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، مقارنة بـ1.067 مليار طن في عام 2023؛ ليكون ذلك ثالثَ انخفاضٍ سنوي على التوالي وأدنى مستوى منذ بدء تسجيل البيانات في أوائل التسعينيات.

تراجع انبعاثات القطاعات
وعلى نحوٍ أكثر تحديدًا شهدت القطاعات المختلفة في اليابان تغيرات متباينة في مستويات الانبعاثات، حيث سجل القطاع الصناعي انخفاضًا بنسبة 2.5%، في حين تراجعت انبعاثات قطاع النقل بنسبة 1.6%، وكذلك انخفضت انبعاثات المنازل بنسبة 0.7%، وفي المقابل شهد قطاع الخدمات والتجارة زيادة طفيفة بلغت 0.2%.
ويعكس هذا التباين اختلاف طبيعة الأنشطة الاقتصادية والصناعية ومدى تأثيرها في استهلاك الطاقة، ويشير أيضًا إلى أهمية تبني سياسات موجهة لكل قطاع؛ كي نضمن تحقيق خفض متوازن ومستدام في مجال الانبعاثات.
التحول في مزيج الطاقة
وفضلًا عن دور السياسات الحكومية اليابانية في هذا التحول فإنَّ لجهود مزيج الطاقة دورًا وإسهامًا بالغينِ، حيث عملت اليابان على رفع معدل إسهام الطاقة المتجددة في إجمالي إنتاج الكهرباء بنسبة 23.1%، إلى جانب زيادة حصة الطاقة النووية بنسبة مقدارها 9.4%، وذلك مع انخفاض الاعتماد على الفحم والغاز.
من أزمة فوكوشيما إلى مسار خفض الانبعاثات
من جهة أخرى شهدت اليابان ارتفاعًا ملحوظًا في الانبعاثات الضارة عقب حادثة فوكوشيما النووية عامَ 2011؛ بسبب الاعتماد الزائد على الوقود الأحفوري لتعويض توقف المفاعلات النووية. وقد بلغت الانبعاثات ذروتها في عام 2013 عند نحو 1.394 مليار طن، قبل أنْ تنخفض انخفاضًا تدريجيًّا مع استئناف تشغيل بعض المفاعلات وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة.
وعلى ذلك وضعت اليابان هدفًا طموحًا متمثلًا في خفض انبعاثاتها بنسبة 46% بحلول عام 2030، لا سيما أنها نجحت -حتى الآن- في تقليص هذه الانبعاثات بنحو 24.9%؛ وذلك يبلور الخطى المستدامة لليابان نحو بناء أنظمتها الخاصة بالطاقة ومصادرها، بما يحقق الهدف السابع: طاقة نظيفة وبأسعار معقولة.

وفي العمق تكشف التجربة اليابانية في خفض الانبعاثات الكربونية عن تحوُّل أعمق في منطق إدارة الاقتصاد ذاته؛ إذْ أصبحت الطاقة أداة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق والبيئة، لأنه حين تنجح دولة صناعية كبرى في كسر الارتباط التقليدي بين النمو وكثافة الانبعاثات، فإنها تعيد رسم حدود الممكن في معادلة لطالما بدت عصيَّة، وهذه المعادلة هي: كيف ننمو دون أنْ نستهلك المستقبل؟
إذنْ، ترى مؤسسة حماة الأرض أنَّ التغير المناخي وما يفرضه من التزامات متسارعة نحو التحول للطاقة النظيفة يعيد تشكيل أولويات السياسات العامة؛ حتى تتوافق مع مسارات التنمية المستدامة الشاملة وأهدافها السبعة عشرة قبل فوات الوقت.




