علوم مستدامة

هل تدفع ظاهرة النينيو العالم نحو موجة جديدة من الجفاف والحرائق؟

ظاهرة النينو

هل تدفع ظاهرة النينيو العالم نحو موجة جديدة من الجفاف والحرائق؟

تتجه الأنظار مجددًا إلى ظاهرة النينيو (El Niño) بعد تحذيرات أصدرتها جهات مناخية دولية وأسترالية بشأن احتمال تطورها خلال الأشهر المقبلة، في ظل توقعات بارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات الأمطار في بعض المناطق. وتشير التقديرات الحديثة إلى وجود احتمال مرتفع لتشكل الظاهرة خلال النصف الثاني من العام، ما يعيد إلى الواجهة المخاوف المرتبطة بتأثيراتها على الموارد الطبيعية والأنظمة البيئية والأنشطة الاقتصادية.

وفي هذا السياق، توقعت هيئة الأرصاد الجوية الأسترالية ومنظمات مناخية دولية أن تشهد منطقة المحيط الهادئ تطورًا لظاهرة النينيو خلال فصل الشتاء الحالي في نصف الكرة الجنوبي، مع احتمال يصل إلى 90% لتشكل الظاهرة قبل شهر نوفمبر. كما تشير بعض النماذج المناخية إلى أن الحدث المتوقع قد يكون متوسطًا إلى قوي الشدة.

وتحظى هذه التوقعات باهتمام خاص في أستراليا، حيث ارتبطت ظاهرة النينيو تاريخيًّا بظروف أكثر حرارة وجفافًا في العديد من المناطق، خاصة شرق البلاد، وهو ما يرفع احتمالات الجفاف وموجات الحر وحرائق الغابات خلال الفترات اللاحقة.

ويرتبط هذا الملف بأهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف الثالث عشر المتعلق بالعمل المناخي، والهدف الرابع عشر المعني بالحياة تحت الماء، إلى جانب الهدف الخامس عشر المعني بالحياة في البر، حيث تمثل ظاهرة النينيو أحد العوامل المناخية المؤثرة في الموارد الطبيعية والنظم البيئية في العديد من مناطق العالم.

ما هي ظاهرة النينيو؟

تعد ظاهرة النينيو أحد المكونات الرئيسية المرتبطة بالتغير الدوري غير المنتظم للضغط الجوي بين شرق المحيط الهادئ المعروف باسم التذبذب الجنوبي المرتبط بالمحيط الهادئ، وهو من أهم العوامل الطبيعية المؤثرة في المناخ العالمي. وتحدث الظاهرة عندما ترتفع درجات حرارة سطح المياه في أجزاء واسعة من المحيط الهادئ الاستوائي فوق معدلاتها الطبيعية، ما يؤدي إلى تغيرات في حركة الغلاف الجوي وأنماط الرياح والأمطار حول العالم.

وتؤثر هذه التغيرات على توزيع الرطوبة والحرارة بين مناطق مختلفة من الكرة الأرضية، فتشهد بعض المناطق فترات جفاف وارتفاعًا في درجات الحرارة، بينما تتعرض مناطق أخرى لأمطار غزيرة أو فيضانات غير معتادة.

ولهذا السبب، تحظى النينيو بمتابعة دقيقة من المؤسسات المناخية الدولية، نظرًا لتأثيراتها المحتملة على الزراعة والمياه والطاقة والنظم البيئية في عدد كبير من الدول.

ما هي ظاهرة النينيو؟

تأثير ظاهرة النينيو على أستراليا

تُعد أستراليا من أكثر الدول تأثرًا بتطورات ظاهرة النينيو، حيث ترتبط الظاهرة عادة بارتفاع درجات الحرارة وانخفاض معدلات الأمطار في أجزاء واسعة من البلاد، خاصة خلال فصلي الشتاء والربيع.

وتكشف البيانات المناخية أنَّ 9 من كل 10 مواسم شتاء وربيع شديدة الجفاف في شرق أستراليا قد حدثت في أثناء السنوات التي شهدت ظاهرة النينيو، وهو ما يعكس التأثير الكبير الذي يمكن أن تتركه على الموارد المائية والأنشطة الزراعية والأنظمة البيئية.

ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن شدة النينيو لا تعني بالضرورة تطابق التأثيرات من حدث إلى آخر، إذ تتداخل معها عوامل مناخية أخرى محلية وإقليمية قد تؤثر في حجم النتائج الفعلية على الطقس داخل أستراليا. كما يشير المختصون إلى أن تطور الظاهرة لا يعني حدوث الجفاف بصورة فورية، وإنما يزيد من احتمالات الظروف الأكثر حرارة وجفافًا مقارنة بالمعدلات الطبيعية.

ظاهرة النينيو ومخاطر الطقس المتطرف

ترتبط ظاهرة النينيو بعدد من التأثيرات المناخية التي قد تمتد إلى قطاعات مختلفة، بدءًا من الموارد المائية والزراعة وصولًا إلى النظم البيئية الطبيعية. فعندما تنخفض معدلات الأمطار وترتفع درجات الحرارة لفترات طويلة، تزداد الضغوط على الموارد الطبيعية وتتوسع التداعيات البيئية والاقتصادية المرتبطة بالظاهرة، والتي منها:

الموارد المائية والزراعة

يؤدي تراجع معدلات الأمطار خلال فترات النينيو إلى انخفاض الرطوبة في التربة وزيادة الضغوط على الموارد المائية، وهو ما قد يؤثر على الأنشطة الزراعية والإنتاج الغذائي في بعض المناطق. كما تزداد الحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة للمياه في ظل احتمالات الجفاف الممتد وتراجع معدلات التغذية الطبيعية للمخزونات المائية.

موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة

عادة ما ترتبط سنوات النينيو بارتفاع درجات الحرارة فوق معدلاتها الطبيعية في أجزاء من أستراليا، وهو ما يزيد من احتمالات موجات الحر وتأثيراتها على الصحة العامة والأنشطة الاقتصادية والأنظمة البيئية. وتزداد هذه المخاطر مع استمرار الاتجاه العالمي نحو ارتفاع درجات الحرارة نتيجة تغير المناخ.

حرائق الغابات

تؤدي الأجواء الأكثر حرارة وجفافًا إلى زيادة احتمالات اندلاع حرائق الغابات، حيث تصبح النباتات والتربة أكثر عرضة للاشتعال خلال فترات الجفاف الطويلة. وقد ارتبطت بعض أحداث النينيو السابقة بارتفاع مخاطر الحرائق في عدد من المناطق، ما ينعكس على التنوع البيولوجي والموائل الطبيعية وجودة الهواء.

ابيضاض الشعاب المرجانية

وتمتد تأثيرات النينيو إلى البيئة البحرية أيضًا، إذ يؤدي ارتفاع درجات حرارة المياه خلال بعض أحداثه إلى زيادة احتمالات ابيضاض الشعاب المَرجانية، وهي ظاهرة تفقد خلالها الشعاب الطحالب الدقيقة التي تعيش داخل أنسجتها وتزودها بمعظم احتياجاتها من الطاقة نتيجة تعرضها للإجهاد الحراري، مما يؤدي إلى تحول لونها إلى الأبيض وضعف قدرتها على البقاء والنمو. وتؤثر هذه الظاهرة على النظم البيئية البحرية التي تعتمد عليها أعداد كبيرة من الكائنات الحية، كما قد تنعكس آثارها على الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالموارد البحرية والسياحة البيئية.

تغير المناخ يفاقم التأثيرات

وتزداد المخاوف من تداعيات النينيو مع تحذيرات الخبراء من أن تغير المناخ قد يفاقم من حدة الظواهر المرتبطة به، بما يجعل فترات الجفاف أكثر شدة واستمرارًا، ويؤدي إلى موجات حر أكثر تطرفًا، فضلًا عن تحول بعض فترات الأمطار إلى هطولات أكثر كثافة وعنفًا مقارنة بما كان عليه الوضع في العقود السابقة.

وفي هذا السياق، يصف بعض المتخصصين العلاقة بين تغير المناخ والنينيو بأنها “ثنائي خطير”، نظرًا لما قد يسببه تزامنهما من ضغوط متزايدة على النظم البيئية والموارد الطبيعية والبنية التحتية، الأمر الذي يعزز الحاجة إلى تطوير خطط التكيف المناخي ورفع مستويات الاستعداد المبكر لمواجهة الظروف الجوية المتطرفة.

الاستعداد للمخاطر المناخية

تدفع التوقعات الحالية العديد من الجهات الحكومية والمؤسسات المعنية إلى تعزيز خطط الاستعداد للتعامل مع التأثيرات المحتملة لظاهرة النينيو، خاصة فيما يتعلق بإدارة الموارد المائية والحد من مخاطر الجفاف وحرائق الغابات.

كما تبرز أهمية تطوير أنظمة الإنذار المبكر وتحسين القدرة على التنبؤ بالظواهر المناخية، بما يساعد على اتخاذ إجراءات استباقية تقلل من الخسائر البيئية والاقتصادية المحتملة.

موجات جفاف حادة

وتؤكد التجارب السابقة أن تعزيز المرونة المناخية يمثل عنصرًا أساسيًّا في مواجهة التأثيرات المرتبطة بالنينيو، سواء من خلال التخطيط المستدام للموارد الطبيعية أو تطوير البنية التحتية القادرة على التكيف مع الظروف المناخية المتغيرة.

وبدورها، تسلط مؤسسة حماة الأرض الضوء على أهمية متابعة ظاهرة النينيو وفهم تأثيراتها المحتملة على البيئة والموارد الطبيعية، كما تؤكد ضرورة تعزيز جهود التكيف المناخي وتطوير السياسات البيئية القائمة على البيانات العلمية، بما يسهم في حماية النظم البيئية وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات المناخية المستقبلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى