ارتفاع درجات الحرارة يفرض ضغوطًا متزايدة على بريطانيا وسط أخطار الجفاف والفيضانات

ارتفاع درجات الحرارة يفرض ضغوطًا متزايدة على بريطانيا وسط أخطار الجفاف والفيضانات
هذه الأيام تجد بريطانيا نفسها أمام واقع مناخي بالغ التعقيد؛ بسبب ارتفاع درجات الحرارة، وكثرة الظواهر الجوية المتطرفة، مع توقعات تشير إلى اتساع نطاق أخطار الجفاف والفيضانات وتداعياتهما على قطاعَي الصحة والسكان في العقود القادمة.
وتشتمل تداعيات هذه التحولات المناخية على جوانب بيئية، فضلًا عن تأثيرها في قطاعات حيوية كالنقل والطاقة وإدارة الموارد المائية؛ مما يفرض على صناع القرار تبني سياسات أكثر استباقية واستثمارات أوسع نطاقًا؛ لتعزيز القدرة على التكيف مع آثار التغير المناخي، وتعويض الخسائر الفادحة في قطاع الاقتصاد.
وبحثًا عن أفضل سياسات التكيف مع التغير المناخي تناقش معكم مؤسسة حماة الأرض في هذا المقال جهودَ بريطانيا التكيف المناخي، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية على نحوٍ غير مسبوق، وذلك بتحليل بيانات أحدث التقارير المناخية البريطانية في إطار أهداف التنمية المستدامة؛ فتابعوا القراءة.
الاستثمار في العمل المناخي
لقد دعا تقرير حديث أصدرته لجنة التغير المناخي المستقلة في بريطانيا (CCC) الحكومةَ البريطانيةَ إلى زيادة الاستثمارات السنوية المخصصة لجهود العمل المناخي؛ فأشار التقرير الذي جاء بعنوان “A Well-Adapted UK” إلى أنَّ بريطانيا تحتاج إلى استثمارات تصل إلى 11 مليار جنيه إسترليني كل سنة لدعم إجراءات التكيف المناخي، خاصة في قطاعات المياه والإسكان والخدمات العامة.
البنية التحتية المائية
ثم حذرت بياناتُ التقرير من احتمال نقص إمدادات المياه بحلول 2050، وهو نقص قد يتجاوز خمسة مليارات لتر! ولذلك دعت اللجنة البريطانية إلى تعزيز قدرة البنية التحتية على مواجهة ارتفاع درجات الحرارة الذي يسبب الجفاف، وذلك عن طريق:
- إعادة بناء شبكات الصرف والمياه المتآكلة
- تطوير الخزانات المائية
- تحسين كفاءة إدارة الموارد المائية
ويعكس ذلك أهميةَ تطوير استراتيجيات طويلة المدى لإدارة الموارد المائية، بما يدعم الاستدامة البيئية، ويقلل من تأثير موجات الحر في الأمن المائي، وذلك يتوافق مع الهدف الحادي عشر المرتبط بضرورة بناء مدن ومجتمعات محلية مستدامة، ويتوافق أيضًا مع الهدف الثالث عشر المتعلق بالعمل المناخي.

وتشتدُّ كذلك المخاوفُ بشأن تأثير التغير المناخي في المناطق السكنية داخل بريطانيا، في ظل توقعات بارتفاع أعداد المنازل المعرضة لخطر الفيضانات بنحو 40% بحلول عام 2050. وهي توقعاتٌ تُفصح عن حجم الضغوط الواقعة على شبكات الطرق والنقل والصرف الصحي والخدمات العامة؛ مما يستدعي تسريع الاستثمارات الرامية إلى تعزيز قدرة المدن البريطانية على مواجهة الظواهر المناخية المتطرفة، والحد من الخسائر الاقتصادية الناجمة عنها.
الصحة في خطر!
أمَّا على الصعيد الصحي فقد حذر التقرير من أنَّ موجات الحر في جنوب إنجلترا قد تتجاوز 40 درجة مئوية بصورة متكررة في العقود المقبلة، وهو ما يزيد من الأخطار التي تواجه كبار السن والفئات الأكثر هشاشة.
ذلك لأنَّ التقديرات تشير إلى ارتفاع وفيات الإجهاد الحراري إلى نحو 10 آلاف حالة سنويًّا في حال غياب إجراءات التكيف اللازمة، وهو ما يتجاوز ثلاثةَ أضعافِ المعدلات الحالية؛ مِنْ ثَمَّ دعا التقرير إلى تطوير أنظمة التبريد في المدارس والمستشفيات والسجون، إلى جانب تحديث المساكن، ورفع جاهزية المرافق العامة.

تكلفة ارتفاع درجات الحرارة
تعكس تلك التقديراتُ حجمَ التكلفة الاقتصادية المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة والظواهر المناخية المتطرفة، خاصة مع التحذيرات التي تفيد بأنَّ تكلفة العزوف عن مكافحة الاحتباس الحراري وظواهره المختلفة قد تصل إلى 260 مليار جنيه إسترليني سنويًّا بحلول عام 2050.
كما ترى اللجنة البريطانية المعنية بالمناخ أنَّ الاستثمار المبكر في إجراءات التكيف سيكون أقل تكلفة بكثير، مقارنة بالخسائر الاقتصادية المحتملة مستقبلًا. وهو الأمر الذي يبرز تلك العلاقةَ الوثيقةَ بين المناخ والاستقرار الاقتصادي؛ إذْ أصبحت درجات الحرارة المرتفعة ذات تأثيرٍ بالغٍ في تكاليف الخدمات العامة، والصحة، والطاقة، والإسكان.
وهذه البيانات الواردة في تقرير لجنة التغير المناخي البريطانية تؤكد أنَّ التحدي الحقيقي أمام بريطانيا هو مدى جاهزية مؤسسات الدولة واقتصادها وبنيتها التحتية للتعامل مع واقع مناخي جديد تتزايد فيه معدلات عدم اليقين عامًا بعد آخر.
وبحسَبِ قناعةِ مؤسسة حماة الأرض فإنَّ سياسات التكيف المناخي استثمارٌ في الاستقرار الوطني أكثر من كونها استجابة بيئية، وهو المبدأ الذي تكشف عنه التجربة البريطانية الحالية في التعامل مع تأثير ارتفاع درجات الحرارة.




