35 مليون دولار تعيد حقوق العمال إلى الصدارة في قضية استغلال عمالي في ميلانو

35 مليون دولار تعيد حقوق العمال إلى الصدارة في قضية استغلال عمالي في ميلانو
التزمت شركة Caddell Construction الأمريكية، المنفذة لمشروع القنصلية الأمريكية الجديدة في ميلانو، بدفع نحو 35 مليون دولار بعد تحقيق إيطالي في اتهامات باستغلال عمال جرى استقدام بعضهم من الهند. وتشمل الإجراءات تعويضات مالية وتصحيح أوضاع مئات العمال، في قضية أعادت حقوق العمال إلى الواجهة داخل واحد من مشروعات البناء الكبرى في المدينة.
تحركت النيابة العامة في ميلانو والشرطة الإيطالية بعد اتهامات للشركة بتشغيل عمال في ورديات مرهقة، وبأجور منخفضة، ومن دون وسائل حماية كافية، مع تعرضهم، بحسب السلطات، لتهديد مستمر بالفصل. وتؤكد الشركة في المقابل أن التزاماتها المالية لا تمثل اعترافًا بأي مخالفة أو قبولًا للتقييم القانوني الذي قدمته السلطات.
كيف بدأت القضية؟
بدأ العمل في مشروع القنصلية الأمريكية الجديدة في ميلانو عام 2022، بعقد بلغت قيمته نحو 210 ملايين دولار، وتولت تنفيذه شركة Caddell Construction الأمريكية، المتخصصة في المشروعات الكبرى، من بينها السفارات والمنشآت العسكرية، وكان من المقرر إنجاز المشروع في 2025، قبل أن يتأجل الموعد إلى 2028.
ومع تقدم أعمال البناء، بدأت القضية تأخذ مسارًا قانونيًّا بعد اتهامات تتعلق بطريقة استقدام وتشغيل بعض العمال داخل المشروع. وقالت النيابة العامة في ميلانو والشرطة الإيطالية إنه جرى استقدام عمال من الهند عبر وسيط في نيودلهي، ثم عملوا، وفق الاتهامات، في ورديات مرهقة وبأجور منخفضة، مع نقص وسائل الحماية والتهديد بالفصل.
وأعادت هذه الاتهامات حقوق العمال إلى واجهة المشروع، لأن القضية لا ترتبط بمواعيد التنفيذ أو قيمة العقد بقدر ما ترتبط أكثر بظروف العمل التي صاحبت تنفيذ أحد أكبر المشروعات الدبلوماسية في المدينة.
وفي 29 مايو، وُضعت الوحدة الإيطالية للشركة تحت إدارة قضائية، أي خضعت لرقابة قضائية على نشاطها، ثم أيد قاضٍ هذا الإجراء بعد نحو أسبوعين.

ماذا تقول الشركة؟
من جانبها، قالت Caddell في بيان صدر في يونيو إنها تتعاون بصورة استباقية مع السلطات القضائية، وإنها ملتزمة بمعاملة العمال ودفع أجورهم بعدالة.
وفي خطاب قدمته إلى النيابة العامة في ميلانو، شددت الشركة على أن المدفوعات والتعهدات التي قدمتها لا تعني اعترافًا بارتكاب مخالفات، كما لا تعني قبولها للتقييمات القانونية والواقعية التي توصلت إليها الجهات المشاركة في التحقيق.
وقد شكَّل ذلك فارقًا أساسيًّا عند تناول حقوق العمال في هذه القضية؛ فتوجد اتهامات قدمتها السلطات وإجراءات اتخذت على أساس التحقيق، وفي المقابل لا يوجد في الاتفاق نفسه اعتراف من الشركة بالمسئولية.
وبحسب أحد المصادر المطلعة، من المتوقع أن تطلب النيابة إسقاط القضية ضد الوحدة الإيطالية للشركة بعد تنفيذ المدفوعات، بينما قد تستمر الإجراءات المتعلقة بمسئولين اثنين في الشركة كانا قد أوقفا ضمن التحقيق.
ماذا سيحصل عليه العمال؟
يمتد الاتفاق إلى نحو 500 عامل، إذ صرحت المصادر بإنه يشمل تسوية أوضاعهم، إلى جانب اعتراف الدولة الإيطالية بتصاريح إقامة لـ 270 عاملًا أجنبيًّا، ومنح إعانات بطالة لـ 60 عاملًا سبق فصلهم.
ولا تتوقف حقوق العمال هنا عند تصحيح أوضاعهم القانونية والاجتماعية؛ فقد التزمت شركة Caddell بدفع 30.941 مليون يورو، أي نحو 35.24 مليون دولار، يذهب قرابة 20 مليون يورو منها مباشرة إلى العمال مقابل أجور العمل الإضافي وتعويضات السكن والأضرار غير المادية.
كما وافقت الشركة على دفع أكثر من 7 ملايين يورو إلى مؤسسة الضمان الاجتماعي الإيطالية، ونحو 4 ملايين يورو إلى مفتشية العمل، ما يوسع أثر الاتفاق ليشمل التزامات مرتبطة بالحماية الاجتماعية والرقابة على سوق العمل.
وتكشف هذه الإجراءات أن حقوق العمال في القضية تمتد من الأجر والتعويض إلى الإقامة والحماية بعد فقدان الوظيفة، وهي عناصر تكتسب أهمية كبرى بالنسبة إلى العمال المهاجرين الذين يعملون بعيدًا عن بلدانهم.
ومن هذه الزاوية، تتقاطع القضية مع الهدف الثامن للتنمية المستدامة، المعني بالعمل اللائق ونمو الاقتصاد، إذ يربط النشاط الاقتصادي بظروف العمل الآمنة وحماية الحقوق الأساسية للعامل.
ولفهم كيف ترتبط حماية العامل بالتنمية المستدامة وبيئة العمل الآمنة، اقرأ: حماية حقوق العمال فرضية مؤكدة ضمن أهداف التنمية المستدامة.
حملة أوسع في ميلانو
قضية Caddell تأتي ضمن سلسلة من التحقيقات التي قادها المدعي العام في ميلانو باولو ستوراري خلال السنوات الأخيرة بشأن ممارسات العمل.
حيث أسهمت هذه التحقيقات في حصول أكثر من 60 ألف عامل على حقوق توظيف أوسع، كما مكنت السلطات من استرداد أكثر من مليار يورو.
هذا المسار جعل حقوق العمال موضوعًا أكثر حضورًا داخل نقاش أوسع في إيطاليا حول مسئولية الشركات وسلاسل التعاقد، وفي الوقت نفسه أثار جدلًا بشأن الحدود التي ينبغي أن يتحرك داخلها القضاء عند التدخل في ممارسات سوق العمل.
وقد وصفت وزيرة العمل الإيطالية مارينا كالديروني العملية بأنها واحدة من أبرز حملات مكافحة الاستغلال العمالي خلال السنوات الأخيرة، معتبرة أن النتيجة ترسل رسالة بأن الدولة تحمي العمال الأكثر عرضة للمخاطر.

حقوق العمال جزء من الاستدامة
تكشف قضية ميلانو أن الاستدامة في قطاع البناء يمكن قياسها أيضًا من خلال ما يحدث للعامل داخل موقع المشروع: هل يحصل على أجره؟ هل يعمل في بيئة آمنة؟ هل يتمتع بحماية قانونية واجتماعية؟ وهل توجد آليات قادرة على التدخل عندما تظهر مخالفات أو اتهامات خطيرة؟
وتمنح مؤسسة حماة الأرض حماية حقوق العمال موقعًا أساسيًّا داخل مفهوم التنمية المستدامة؛ فالمشروعات الكبرى تحقق قيمتها الاقتصادية والاجتماعية عندما تقترن بعمل لائق، وبيئة آمنة، وآليات واضحة للمساءلة وحماية العامل.
وتضع قضية ميلانو أمام الشركات والمقاولين درسًا عمليًا: تكلفة تجاهل ظروف العمل قد تتحول من مشكلة داخل موقع البناء إلى التزام مالي وقانوني بملايين الدولارات، بينما تظل حماية العامل جزءًا أساسيًّا من استدامة أي مشروع منذ لحظة بدء التنفيذ.




