كيف أثرت الصدمات المناخية في محصول الذرة وهددت الأمن الغذائي في أوروبا؟

كيف أثرت الصدمات المناخية في محصول الذرة وهددت الأمن الغذائي في أوروبا؟
وقف كارولي كوفاتش وسط حقل ذرة ذابل في شمال شرقي المجر، يتذكر موسمًا هو أبعد ما يكون عن واقع اليوم. فقبل نحو 16 عامًا، كان الفدان الواحد يمنحه 7 أطنان من المحصول، وكانت الأمطار تقترب من ألف مليمتر سنويًّا. أما الآن، فيصف المطر بكلمة واحدة: الحاضر الغائب.
ما يراه كوفاتش في حقله يتكرر على نطاق أوسع في وسط وشرق أوروبا، حيث تحولت موجات الجفاف التي كانت تمر من حين إلى آخر إلى خطر متكرر، ترافقها حرارة قياسية ونقص مزمن في المياه. ومع كل موسم ضعيف، تخسر الذرة جزءًا من مكانتها داخل منطقتين طالما شكلتا ركيزة مهمة للإنتاج الأوروبي، وهم المجر ورومانيا.
وتتجاوز آثار هذا التحول حسابات المزارعين؛ إذ بدأت تمتد إلى التجارة والواردات والأمن الغذائي الأوروبي، وسط توقعات بوصول محصول الذرة في الاتحاد الأوروبي هذا العام إلى مستوى يقترب من أدنى حصيلة خلال عقدين.
محصول الذرة عند أدنى مستوياته
تتوقع المفوضية الأوروبية وصول محصول الذرة في الاتحاد الأوروبي إلى نحو 50.1 مليون طن خلال 2026، بانخفاض يقارب الخُمس مقارنة بمتوسط السنوات الثلاث الماضية.
والذرة هي عادة ثاني أكبر محصول من الحبوب في الاتحاد الأوروبي، ما يمنح هذا التراجع وزنًا يتجاوز الحقول المتضررة نفسها.
فإذا استمرت مواسم الصيف الجافة بهذا الإيقاع، يتوقع محللون زيادة حاجة الاتحاد الأوروبي إلى الاستيراد، بينما تتراجع قدرة بعض المناطق التي كانت تنتج فائضًا للتصدير.
ويقدر محلل أسواق السلع جابرييل أنطونيو ارتفاع واردات الذرة الأوروبية بنسبة تتراوح بين 8% و9% خلال موسم 2026-2027 إذا استمر تراجع المساحات المزروعة والإنتاجية.
وهنا يبدأ الأمن الغذائي في التحول من مفهوم واسع إلى معادلة مرتبطة بعدد الأطنان التي ينجح المزارع في إخراجها من أرضه، وحجم ما تستطيع الأسواق المحلية توفيره قبل اللجوء إلى الخارج.

المجر تنتقل إلى الاستيراد
سنوات قليلة كانت كافية لتغيير موقع المجر في سوق الذرة، البلد الذي اعتاد تصدير المحصول سيحتاج إلى استيراده هذا العام، وفق الحكومة، بعدما تراجع الإنتاج المتوقع إلى نحو 2.5 مليون طن، أي أقل من ثلث المستويات المسجلة خلال عامي 2018 و2019.
وتواجه رومانيا مسارًا مشابهًا. فرغم تجنب محصولها أسوأ موجات الجفاف الأوروبية هذا العام، يتوقع أن يصل الإنتاج إلى نحو 8 ملايين طن، وهو مستوى يقل بأكثر من النصف عن إنتاج 2018 و2019.

كما انكمشت صادرات الذرة الرومانية من أكثر من 7 ملايين طن قرب بداية العقد إلى نطاق تراوح بين 2.2 و4.7 مليون طن خلال الفترة من 2023 إلى 2025.
تغير هذه الأرقام موقع البلدين داخل تجارة الحبوب الأوروبية، وتكشف كيف يمكن لنقص المياه أن يعيد ترتيب أدوار اعتادت الأسواق التعامل معها باعتبارها مستقرة.

التربة تفقد رطوبتها
ولأن الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة يضع الإدارة المستدامة للمياه ضمن أسس التنمية، فإن ما يحدث تحت سطح التربة في المجر ورومانيا يصبح جزءًا مباشرًا من معادلة الزراعة والإنتاج.
بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تشير إلى أن البلدين يسجلان أداءً أضعف من متوسط الاتحاد الأوروبي في مؤشرات رطوبة التربة، بينما تتعرض أوروبا الوسطى لضغوط متزايدة من الحرارة ونقص المياه.
وخلال العقد الماضي، تجاوزت درجات الحرارة القصوى في يونيو ويوليو بالمجر متوسط الفترة بين 1961 و1990 بنحو 3.1 درجة مئوية، فيما سجلت رومانيا زيادة تقارب 3 درجات.
تسحب هذه الحرارة المزيد من الرطوبة من التربة في الوقت الذي يحتاج فيه محصول الذرة إلى المياه خلال مراحل حساسة من نموه، فيجد المزارع نفسه أمام موسم قد يبدأ بصورة جيدة ثم يتراجع سريعًا مع وصول موجة الجفاف.
وترى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن استمرار فقدان رطوبة التربة يحمل آثارًا مباشرة على الإنتاج الزراعي وإدارة الموارد المائية، وصولًا إلى الأمن الغذائي وسبل معيشة السكان.
مزارعون يغيرون مسارهم
بالنسبة إلى بعض المزارعين، لم تعد المسألة مجرد محصول ضعيف في موسم عابر، إذ يقول تاماس بيتوهازي، رئيس جمعية منتجي الحبوب في المجر، إن بعض المزارعين تركوا النشاط بالكامل، بينما اضطر آخرون إلى البحث عن وظائف إضافية بعدما أصبحت المزارع العائلية عاجزة عن توفير دخل كافٍ لهم.
ووصف التغير المطلوب بأنه تحول جذري في طريقة التعامل مع الزراعة، خصوصًا مع تراجع الأمطار وانخفاض مستوى نهر الدانوب إلى مستويات أثرت حتى في تشغيل مفاعلات نووية بالمجر ورومانيا خلال الشهر الماضي.

ولمعرفة كيف امتد تراجع منسوب نهر الدانوب من الزراعة إلى قطاع الطاقة، اقرأ: كيف كشف نهر الدانوب أزمة المياه والغذاء والطاقة.
أما كوفاتش، الذي بدأ المقال من حقله، فيفكر في اليوم الذي قد يتوقف فيه عن زراعة الذرة. ومن بين الخيارات المطروحة أمامه الاتجاه إلى إنتاج المعكرونة الجافة باستخدام بيض الدجاج الذي يربيه.
هكذا تنتقل الصدمة المناخية من الحقل إلى طريقة كسب العيش نفسها، وتجبر المزارع على إعادة تصور النشاط الذي اعتمد عليه سنوات طويلة.
لماذا يزرع ثم يحصد القليل؟
في رومانيا، تبدو الصورة أشد وضوحًا لدى بعض المزارعين الصغار، حيث يرى سيزار جورجي، من شركة AGRIColumn الاستشارية، أن تغير المناخ دفع مزارعين إلى تقليص مساحات الذرة والتوجه نحو محاصيل خريفية، بعدما تكررت خسائر واسعة منذ عام 2020.
قد تبدأ النباتات موسمها بصورة طبيعية، ثم تصل موجة الجفاف في مرحلة لاحقة فتحرق أجزاء واسعة من المحصول، وهنا يفرض الهدف الثاني للتنمية المستدامة، المعني بالقضاء على الجوع وتعزيز الزراعة المستدامة، سؤالًا عمليًا: كيف يحافظ النظام الغذائي على استقراره عندما يصبح أحد محاصيله الرئيسية أكثر عرضة للحرارة ونقص المياه؟
إحدى الإجابات تظهر في تغيير نوع المحاصيل. المزارع الروماني ستيفان مورارو اتجه إلى زراعة دوار الشمس، الذي يحتاج إلى مياه أقل من الذرة.

ولمعرفة كيف يمكن لمحاصيل أكثر تحملًا للظروف القاسية أن تدعم الأمن الغذائي، اقرأ: كيف يكافح الحمص تأثير التغير المناخي؟.
معدات الري تنتظر المياه
استثمر مورارو في أنظمة الري بعد خسائر كبيرة تعرضت لها محاصيله عام 2020، لكن التجربة كشفت أمامه حدود الحل عندما يصبح المورد الأساسي نفسه نادرًا، فالقناة التي تزود مزارعه بالمياه متوقفة منذ منتصف يوليو.
يمكن للمزارع شراء المضخات والأنابيب وأنظمة الري، وفق ما أوضحه مورارو، لكن قيمة هذه المعدات تتوقف على وجود المياه التي ستعمل بها.
هذه المفارقة تضع التكيف الزراعي أمام تحدٍ أعمق. التكنولوجيا تستطيع تحسين كفاءة استخدام الموارد، بينما يبقى توافر المياه هو نقطة البداية لأي نظام ري.
ومن هنا يصبح الاستثمار في إدارة الموارد المائية، وتخزينها، واختيار المحاصيل الأكثر ملاءمة للظروف الجديدة جزءًا من حماية الإنتاج نفسه.
الأمن الغذائي أمام خريطة جديدة
تشير توقعات المفوضية الأوروبية إلى ارتفاع درجة عدم اليقين المحيطة بإنتاجية الذرة في شرق أوروبا خلال السنوات المقبلة، وهو ما يدفع المزارعين والأسواق إلى الاستعداد لخريطة زراعية مختلفة.
ومع استمرار مواسم الصيف الحارة والجافة، قد تتراجع مساحات الذرة أكثر، وتتوسع زراعة محاصيل أخرى، بينما تزيد حاجة الاتحاد الأوروبي إلى الاستيراد لتغطية الفجوة.
وتصل هنا غاية الهدف الثالث عشر للتنمية المستدامة، الخاص بالعمل المناخي إلى الحقل مباشرة؛ فالتكيف مع ارتفاع الحرارة ونقص المياه أصبح وسيلة لحماية دخل المزارع واستقرار الإمدادات الغذائية وقدرة المناطق الزراعية على مواصلة الإنتاج.
وبناءً على التحولات التي تشهدها المجر ورومانيا، تضع مؤسسة حماة الأرض تنويع المحاصيل وكفاءة إدارة المياه في صميم قدرة الزراعة الأوروبية على التكيف مع المناخ المتغير. فالمزارع الذي يغير محصوله، أو يعيد حساب احتياجاته من الري، يستجيب عمليًا لواقع جديد تفرضه الحرارة والمياه المتاحة.
ويمنح هذا التحول الأمن الغذائي بُعدًا يتجاوز حجم المحصول في موسم واحد؛ إذ يرتبط بقدرة النظم الزراعية على تغيير أدواتها ومحاصيلها قبل أن تتحول الخسائر المتكررة إلى تراجع دائم في الإنتاج.
أما كوفاتش، فما يزال ينظر إلى حقل الذرة الذي كان يمنحه يومًا 7 أطنان للفدان، فيما يصبح ذلك الرقم عامًا بعد عام ذكرى لزراعة كانت تعتمد على مناخ أكثر سخاءً بالمياه.




