حماية الخصوصية في جنوب إفريقيا.. هل تحمي القوانين الفئات الأكثر هشاشة؟

حماية الخصوصية في جنوب إفريقيا.. هل تحمي القوانين الفئات الأكثر هشاشة؟
قد يبدأ الأمر برسالة قصيرة من البنك تحذر من نشاط مشبوه على الحساب، أو بتسريب بيانات طبية أو معلومات هوية على شبكة الإنترنت، وهنا تصبح حماية الخصوصية قضية تتجاوز الجانب التقني لتصل مباشرة إلى حياة الأفراد وقدراتهم على حماية أنفسهم. وذلك ما يواجهه سكان جنوب إفريقيا في الخدمات الرقمية وفي البنوك والصحة والتعليم ووسائل التواصل الاجتماعي.
وإنَّ مثل هذا النوع من جرائم الاختراق الرقمي لا يتوزع بالتساوي بين الجميع؛ لأنَّ بعض الفئات تواجه أخطارًا أشد بسبب محدودية المعرفة الرقمية، أو ضعف الموارد الاقتصادية، أو حساسية المعلومات التي تشاركها؛ ومن هنا تطرح دراسة حديثة سؤالًا مهمًّا، مفاده: هل يكفي تطور القوانين والأبحاث لضمان حماية خصوصية الجميع على نحوٍ عادل؟
حين تصبح البيانات نقطة ضعف
معلوم أنَّ انتهاكات الخصوصية توثر بطرق تختلف من فردٍ إلى آخرَ؛ لأنَّ مدى الضرر يرتبط بقدرة الإنسان على فهم الأخطار الرقمية، وحماية بياناته، والتصرف عند تعرضها للتسريب أو إساءة الاستخدام؛ وبالتالي تصبح الفئات الأكثر هشاشة معرَّضةً لتبعات فقدان السيطرة على معلوماتها الشخصية.
وتشمل هذه الفئات كبار السن الأقل اعتيادًا على التقنيات الرقمية، والأسر ذات الدخل المنخفض التي قد تفتقر إلى برامج التوعية الرقمية، إلى جانب الأطفال الذين تُشارَك بياناتُهم أحيانًا بواسطة آبائهم أو مدارسهم، أو حتى بواسطة مقدمي الرعاية.
ويمتد الأمر أيضًا إلى الذين يعتمدون على منظمات مجتمعية أو شبكات دعم غير رسمية، حيث إنَّ مجموعات الادخار المجتمعية المعروفة في جنوب إفريقيا باسم “ستوكفيل” قد تجمع أرقام الهوية والبيانات المصرفية للأعضاء، فيما تتبادل مجموعاتُ وسائلِ النقل العام المشترك الأسماءَ وأرقامَ الهواتف والمواقعَ عبر تطبيقات المراسلة.
وكل هذه الممارسات اليومية تقوم أساسًا على الثقة، غير أنَّ أي تسريب أو سوء استخدام للمعلومات قد يترك آثارًا أشد عند مَن يملكون قدرة محدودة على التعامل مع هذا النوع من الأضرار الرقمية. وفي حالة البيانات الصحية قد يمتد الأثر إلى الوصمة أو التمييز أو فقدان الخصوصية والكرامة؛ مما يجعل حماية الخصوصية جزءًا من الحماية الاجتماعية بقدر ما هي مسألة قانونية أو رقمية.

قانون غيَّر المشهد
وبسبب ما سبق بيانه اتخذت جنوب إفريقيا خطوة مهمة عبْر قانون حماية المعلومات الشخصية (Protection of Personal Information Act)، المعروف اختصارًا باسم “POPIA“، والذي بدأ تطبيق متطلبات الامتثال الرئيسية الخاصة به في يوليو 2020، قبل دخوله حيز التنفيذ الكامل في يوليو 2021.
وقد أعطى القانون المؤسسات مسئوليات أوضح في التعامل مع البيانات الشخصية، وعزز مساءلتها عن طرق جمع المعلومات واستخدامها وحمايتها، وكذلك منح المواطنين الحق في معرفة كيفية استخدام بياناتهم والاعتراض على إساءة التعامل معها.
وذلك أسهم في دفع حماية الخصوصية إلى مساحة أوسع داخل النقاش البحثي والأكاديمي؛ إذ صار الأمر قائمًا على كيفية تطبيق القانون عمليًّا داخل المؤسسات والأنظمة الرقمية، وليس مقتصرًا على فهم النص القانوني فحسبُ؛ حتى يمكن تحقيق الهدف 16 من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالسلام والعدل والمؤسسات القوية، ولا سيما الغاية 16.6 المرتبطة ببناء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة وذات شفافية.
ثلاث مراحل لتطور حماية الخصوصية
إنَّ تحليل الأبحاث المنشورة في جنوب إفريقيا يُظهر أنَّ الاهتمام بالخصوصية مَرَّ بثلاث مراحل رئيسية، وذلك على النحو الآتي:
- 2013-2017: ركزت الدراسات بدرجة كبيرة على تفسير “قانون POPIA”، وفهم نطاقه والتزاماته ومدى تأثيره المحتمل في المؤسسات.
- 2018-2020: اتسع النقاش ليشمل الحوسبة السحابية، والأمن السيبراني، وأخلاقيات استخدام البيانات، وسبل الامتثال المؤسسي.
- 2021-2025: ارتفع عدد الأبحاث بصورة ملحوظة بعد بدء تنفيذ القانون كاملًا، وعندئذٍ برزت موضوعات مثل: استراتيجيات الامتثال، استخدام المعلومات بأخلاقية، تحديات تأمين البيانات.
وفي المرحلة الأخيرة، بدأت تظهر موضوعات مرتبطة بالمنظمات غير الربحية والامتثال على مستوى المجتمع وبرامج التوعية العامة؛ وهو ما يشير إلى توسع تدريجي في مفهوم حماية الخصوصية داخل جنوب إفريقيا.
وبالرغم من هذا التطورِ المرحليِّ فإنَّ الموضوعات الرئيسية لمعظم هذه الدراسات البحثية ظلت دائرةً حول محاور محدودة، مثل فهم القانون، وتطوير وسائل الحماية التقنية، ومساعدة المؤسسات على الالتزام بالقواعد؛ وهذا يكشف -بشكل أو بآخر- عن أنها غير قادرة وحدها على توضيح شكل الحالة الاجتماعية والإنسانية التي يعيشها الأفراد حين تُخترق بياناتهم.
من لا يزال خارج دائرة الاهتمام؟
من هذا المنطلق تكشف الدراسة التي نستند إليها في هذا المقال عن مجموعة من الفجوات، التي لا تزال عقبة كبرى أمام قدرة الأبحاث المعنية بهذا الموضوع على رسم صورة متكاملة الأبعاد عن حماية الخصوصية.
أُولى هذه الفجوات تلك الفجوة التي تتمثل في القطاع نفسه؛ إذْ تركز أغلب الدراسات على المؤسسات الحكومية والشركات والجهات الرسمية فحسبُ، في حين أنَّ المنظمات غير الربحية والجمعيات الأهلية والمشروعات الصغيرة تحصل على اهتمام أقل زخمًا، وهذا بالرغم من تعاملها بصورة منتظمة مع معلومات شخصية شديدة الحساسية وبإمكانات تقنية ومالية محدودة.
وتظهر فجوة أخرى في طبيعة التخصصات نفسها؛ فإنَّ قسمًا كبيرًا من الأبحاث يقوم على المنظورينِ القانوني والتقني، وذلك مع دراسات قليلة العدد تنظر إلى الخصوصية بوصفها قضية اجتماعية وسلوكية وأخلاقية، مثل فهم المواطنين للموافقة، والثقة الرقمية، وحقوقهم في التحكم بمعلوماتهم.
ثم توجد هناك فجوة ثالثة، وهي فجوة جغرافية تؤكد أنه حين ينحصر الإنتاج البحثي في المراكز الحضرية الكبرى -في جوتنج وويسترن كيب على سبيل المثال- وتبقى المدن الصغيرة أقل حضورًا؛ فإنَّ ذلك يعني خللًا بحثيًّا لا يفصح عن حقيقةِ الوعي الرقمي ودرجتهِ بشكل موضوعي.
حين تصبح الخصوصية قضية مساواة
تكتسب هذه الفجوات الثلاثة أهمية خاصة؛ لأنَّ ضعف حماية الخصوصية قد يضاعف من أوجه عدم المساواة القائمة أصلًا؛ فالذي يملك معرفة رقمية واسعة ومواردَ قانونية ومالية يستطيع التعامل مع تسريب بياناته بطريقة مختلفة تمامًا عن فرد لا يعرف كيف يقدم شكوى، أو حتى كيف يكتشف أنَّ معلوماته جرى استغلالها.
وعلى ذلك فإنَّ النجاح الحقيقي يكمن في وصول هذه الحماية إلى كبار السن، والأطفال، ومحدودي الدخل، والمجتمعات الريفية، والمؤسسات الصغيرة التي تتعامل مع البيانات بإمكانات محدودة؛ وذلك على وفق معايير العدالة والمساواة.
وذلك لأنه حين تُجمع البيانات عن الإنسان تكون هناك تفاصيل قادرة على رسم ملامح حياته، والكشف عن وضعه الصحي والمالي والاجتماعي، وربما التأثير في الفرص المتاحة أمامه؛ لذلك فإنَّ حماية الخصوصية في جنوب إفريقيا قد تجاوزت حدود السؤال عن سلامة الأنظمة الإلكترونية إلى سؤال أعمق: مَن يملك القدرة على حماية حقه عندما تخرج معلوماته عن نطاق سيطرته؟
ولذلك كله تضع مؤسسة حماة الأرض حماية الخصوصية داخل المعنى الأوسع للتنمية المستدامة؛ فعندما يصبح الأمن الرقمي متاحًا للفرد قبل المؤسسة، وللفئة الأضعف قبل الأكثر قدرة، تقترب حماية الخصوصية من جوهر الهدف السادس عشر: مؤسسات يمكن مساءلتها، وحقوق يمكن الوصول إليها، وعدالة لا تتوقف عند حدود مَن يعرف كيف يطالب بها.




