علوم مستدامة

مياه نهر النيل في مصر بوابة لأهداف التنمية المستدامة وحماية حقوق الأجيال

مياه نهر النيل

مياه نهر النيل في مصر بوابة لأهداف التنمية المستدامة وحماية حقوق الأجيال

تأتي مياه نهر النيل من ثلاثة روافد كبرى تلتقي في السودان، أكبرها النيل الأزرق القادم من الهضبة الإثيوبية بنحو 68% من المياه وقتَ الفيضان، وتعتمد مصر على النهر في نحو 97% من احتياجاتها المائية، وتبلغ حصتها السنوية 55.5 مليار متر مكعب وفق اتفاقية 1959.

ولنهر النيل في مصر علاقة قوية ومباشرة بأهداف التنمية المستدامة؛ إذْ يمكن من خلاله دعم الجهود الخاصة بتحقيق الهدف الثاني: القضاء التام على الجوع، والهدف السادس: المياه النظيفة، والهدف السابع: الطاقة النظيفة، والهدف الثالث عشر: العمل المناخي، وكذلك الهدفينِ السادس عشر والسابع عشر: السلام والشراكات.

وعلى ذلك سوف تستكشف مؤسسة حماة الأرض في السطور القادمة دورَ نهر النيل في تحقيق تلك الأهداف التنموية بحسَبِ أبعادها الثلاثة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية؛ فتابعوا القراءة.

من أين تأتي مياه نهر النيل في مصر؟

تأتي نحو 85–86% من مياه النيل من المرتفعات الإثيوبية، أما الباقي فمصدره بحيرات شرق إفريقيا الاستوائية ومستنقعات جنوب السودان. وتصل هذه المياه إلى مصر عبر نيلينِ يلتقيانِ عند مدينة الخرطوم، ثم يواصل النهر مجراه الواحد شمالًا عبر السودان، ويصب فيه نهر عطبرة، حتى يصل إلى بحيرة ناصر.

وهذه النقطة تحديدًا هي ما يجعل الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة أكثر من شعار؛ فغايته المتعلقة بالإدارة المتكاملة للموارد المائية تشمل التعاون العابر للحدود، خاصة أنَّ مصر دولة مصب تعتمد على مياه تنبع خارج أراضيها.

من أين تأتي مياه نهر النيل في مصر؟

النيل الأزرق مصدر الكمية

ينبع النيل الأزرق من عين «جيش أباي» جنوب بحيرة تانا في إثيوبيا، ويُعرف هناك باسم أباي، ثم يمر ببحيرة تانا التي لا تمده إلا بنحو 7% من إيراده، وتتكفل الروافد والأمطار الموسمية بالباقي. وقد أسهم هذا النيل تاريخيًا بنحو 68% من ذروة التدفق الشهري للنيل قبل تنظيمه بالسدود، ويأتي معظم مائه صيفًا مع الأمطار الموسمية على الهضبة، وهو ما يُعرف بالفيضان. أما الطمي فيأتي أغلبه من النيل الأزرق وعطبرة، ولا يسهم النيل الأبيض إلا بنسبة ضئيلة منه.

النيل الأبيض مصدر الاستمرارية

يخرج النيل الأبيض من بحيرة فيكتوريا، عند موضع كانت تقع فيه «شلالات ريبون» في أوغندا قبل أنْ تغمرها مياه سد أوين، ثم يعبر جنوب السودان. وهو أطول من النيل الأزرق، وإنْ كان يفقد نحو نصف مياهه في مستنقعات السد بجنوب السودان؛ بسبب التبخر. وتظهر قيمته في موسم الجفاف، حيث يستطيع أنْ يسهم حينها بنحو 70–90% من تصريف النيل، فيما يتراجع إسهام النيل الأزرق.

عطبرة والسوباط

يلتقي “نهر السوباط” بالنيل الأبيض قرب “مدينة ملكال”، وينشأ من التقاء نهرَي “بارو” و”بيبور”، وهو دائم الجريان وإنْ تفاوت تصريفه بين الفصول. وأمَّا “نهر عطبرة” فهو آخر رافد يصب في النيل قبل دخوله مصر، وهو موسمي يكاد يجف في موسم الجفاف، ويكون له إسهام بالغ في موسم الفيضان.

الرافد المنبع الإسهام الفترة الأبرز
النيل الأزرق بحيرة تانا (إثيوبيا) نحو 68% من ذروة التدفق الشهري الفيضان (الصيف)
النيل الأبيض بحيرة فيكتوريا (شرق إفريقيا) نحو 70–90% من التصريف موسم الجفاف
عطبرة الهضبة الإثيوبية نحو 22% من ذروة التدفق الشهري الفيضان، ويكاد يجف في الجفاف
السوباط التقاء نهرَي بارو وبيبور جزء من تصريف النيل الأبيض، ويتفاوت بين الفصول على مدار العام

ما هو طول نهر النيل؟

مما هو معلوم أنَّ نهر النيل يقطع حوالي 6,650 كم من بحيرة فيكتوريا إلى البحر الأبيض المتوسط، ويمر بإحدى عشرة دولة تُعرف بدول النيل، من بينها: تنزانيا، أوغندا، رواندا، بوروندي، الكونغو الديمقراطية، كينيا، إريتريا، ومصر.

ولو تخيلنا خريطة نهر النيل من المنبع إلى المصب، لوجدنا محطات متتالية يمكن تتبعها بسهولة، ومنها:

  1. منطقة البحيرات العظمى: منبع النيل الأبيض، ومنها بحيرة فيكتوريا.
  2. أوغندا: يخرج النهر من شلالات ريبون، ويمر ببحيرتَي كيوغا وألبرت.
  3. الخرطوم: يلتقي النيلانِ الأبيض والأزرق عند حي المقرن.
  4. مصر: يتدفق شمالًا من أسوان حتى القاهرة والدلتا.

أين مصب نهر النيل؟

ينقسم النيل شمال القاهرة بنحو 23 كم إلى فرعين: فرع رشيد غربًا بطول 239 كم، وفرع دمياط شرقًا بطول 245 كم. ويصبان معًا في البحر الأبيض المتوسط، مكوِّنَينِ دلتا النيل؛ أخصب المناطق الزراعية في مصر. وهنا يظهر ارتباط المصب بالهدف 13 (العمل المناخي)؛ لأنَّ ارتفاع مستوى البحر يهدد توغل المياه المالحة في الدلتا، ويعيق جهود تطوير القطاع الزراعي.

حصة مياه نهر النيل في مصر

وفق البيانات الرسمية فإنَّ مصر تحتاج إلى نحو 114 مليار متر مكعب من المياه كل سنة، وإذا كانت مواردها المائية لا تتجاوز نحو 60 مليارًا، فإنَّ هناك عجزًا يقارب 54 مليارًا.

ويُسد هذا العجز بطريقتين: إعادة استخدام المياه، واستيراد محاصيل زراعية تعادل نحو 34 مليار متر مكعب من المياه سنويًا. وهذا ما يربط مياه نهر النيل في مصر بالهدف الثاني: القضاء على الجوع؛ فكل متر مكعب يُوفَّر في الحقل يقلّل من الاعتماد على الاستيراد.

وكذلك تعمل مصر على تنفيذ استراتيجية قومية لإدارة الموارد المائية، وهي خطة تقوم على ثلاثة محاور عملية، نفصلها لكم في السطور الآتية.

أولًا- تأهيل الترع والتحول للري الحديث

استهدفت الخطة تأهيل 20 ألف كيلومتر من الترع الفرعية؛ مما أدى إلى تحسن توزيع المياه ووصول الحصة إلى نهايات الترع في وقتها. وقد حوَّل المزارعون 800 ألف فدان إلى الري الحديث على نفقتهم الخاصة، بعدما رصدوا زيادة في الإنتاجية تتراوح بين 30% و40% وانخفاضًا في تكلفة الأسمدة والعمالة والطاقة.

ثانيًا- إعادة استخدام مياه الصرف

تصل كمية المياه المعالجة في محطات بحر البقر والحمام والمحسمة إلى 15 مليون متر مكعب كل يوم، وعلى ذلك تتوقع التقديرات الرسمية أنْ تصبح مصر -بهذه المشروعات- كبرى دول العالم في إعادة الاستخدام بتدوير المياه حتى أربع مرات.

ثالثًا- التقنية والتشريع والوعي

وتستخدم مصر صور الأقمار الصناعية للإنذار المبكر وتحديد التركيب المحصولي، ونظام التليمتري لقياس المناسيب (نظام رصد آلي يقيس المياه بطريقة الاستشعار من بُعد)، وتشغيل الآبار عن بُعد بالطاقة الشمسية.

وكل ذلك يتقاطع تقاطعًا مباشرًا مع الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة (المياه النظيفة والنظافة الصحية)، وهو الهدف الذي يدعو إلى رفع كفاءة استخدام المياه، والهدف التاسع (الصناعة والابتكار والبنية التحتية).

جودة مياه النيل وصلاحية الشرب

يبلغ عمق مجرى النيل بين أسوان والقاهرة نحو 6 إلى 8 أمتار وفق الدراسات الجغرافية المصرية، مع تباين واضح من موضع لآخر بسبب النحت على ضفة والترسيب على الأخرى. ولا يوجد رقم رسمي واحد لأكبر عمق في نهر النيل، فالعمق يتبدّل مع الموسم والموقع وأعمال التطهير، وتبلغ الأعماق ذروتها خلف السدود حيث تتجمع المياه في البحيرات.

وتتعامل الهيئات الفنية مع الأعماق والمناسيب على أنها مؤشرات تشغيل تُراقب يوميًا، لأنَّ كل سنتيمتر منها يترجم إلى حصة ري وقدرة توليد ومخزون استراتيجي.

هل ماء نهر النيل صالح للشرب؟

عودًا على بدء نؤكد أنَّ النيل هو المصدر الأول لمياه الشرب في مصر،؛ ولذا تمر مياهه بمحطات تنقية وتعقيم، وهذا قبل أنْ تصل إلى الحنفيات في المنازل. وتخضع هذه المحطات لقانون حماية نهر النيل والمجاري المائية من التلوث رقم (48) لسنة 1982 وللمواصفات الصحية المعتمدة.

وهنا تلتقي ثلاثة أهداف في نقطة واحدة: الهدف السادس الذي يضع خفض التلوث وتحسين جودة المياه غاية صريحة، والهدف الثالث (الصحة الجيدة)؛ لأنَّ المياه الملوثة تنقل الأمراض، والهدف الخامس عشر لأنَّ الحياة النهرية مؤشر حي على سلامة النظام.

ثلاث أولويات للمرحلة المقبلة

إنَّ إدارة المياه تقف اليوم عند مفترق طرق، حيث صار التحدي في كيفية إدارتها بحكمة وتعاون؛ ولهذا فإنَّ هنا ثلاث أولويات تكون ذات أهمية في رسم ملامح المرحلة المقبلة، تفصيلها ما هو آتٍ.

الأولوية الأولى هي الشفافية في بيانات المياه؛ فإنَّ منسوبَ النهر وجودةَ المياه يستحقانِ إتاحة منتظمة للباحثين والمزارعين، لأنَّ الحوكمة الرشيدة تبدأ حين يتشارك أصحاب المصلحة المعلومة نفسها.

الأولوية الثانية هي ربط ملفات المياه والغذاء والطاقة بقرار واحد؛ أي أنَّ علينا أنْ نعتمد دائما أسلوب الزراعة الذكية، وتحفيز المزارعين بحوافز اقتصادية واضحة، وهذا بالإضافة إلى التطوير التشريعي.

الأولوية الثالثة هي تدويل الحل على مستوى دول الحوض كله، حيث يجب أنْ تكون مشروعات المياه على جانبي النهر مصلحة مشتركة، تحقق للجميع أمنًا مائيًّا ودعمًا تنمويًّا في إطار من الشراكات البنَّاء.

وفي النهاية يظهر لنا جميعًا أنَّ قضية مياه نهر النيل تتجاوز حدود تأمين الاحتياجات اليومية؛ فهي تمس قدرة مصر على حماية غذائها، واستقرار اقتصادها، وصون بيئتها، وضمان حقوق أجيالها القادمة.

ومما سبق بيانه تنطلق مؤسسة حماة الأرض من حقيقة تنموية أساسية، مفادها أنَّ الأمن المائي يتحقق بتكامل التخطيط الوطني مع التعاون المسئول بين دول حوض النيل، وتبادل البيانات، وبناء المصالح المشتركة؛ لتكون كل خطوة تحمي النهر وتحد من الهدر والتلوث تقرب المجتمع من تنمية أكثر استقرارًا وعدالة، تحفظ للأجيال القادمة حقها في مورد لا غنى عنه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى