خطى مستدامة

رغم التوترات العالمية.. مصر تنجح في تحقيق تقدم كبير في مسار التنمية المستدامة

التنمية المستدامة

رغم التوترات العالمية.. مصر تنجح في تحقيق تقدم كبير في مسار التنمية المستدامة

في عالم تتشابك فيه الأزمات الاقتصادية مع التوترات الجيوسياسية والتحديات المناخية، أصبحت التنمية المستدامة اختبارًا حقيقيًّا لقدرة المجتمع الدولي على حماية مستقبل الشعوب الأكثر هشاشة. فكل اضطراب جديد في الأسواق أو تصاعد في النزاعات ينعكس مباشرة على فرص التعليم والرعاية الصحية ومستويات المعيشة في الدول النامية، بما يجعل مسار التنمية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.

ومن هذا المنطلق، تواصل الأمم المتحدة دق ناقوس الخطر بشأن اتساع فجوات التمويل وتباطؤ التقدم نحو أهداف 2030، مؤكدة أن السنوات المتبقية تتطلب تحركًا عاجلًا وإرادة جماعية تتجاوز الحلول التقليدية. وفي هذا السياق، يكشف تقرير تمويل التنمية المستدامة لعام 2026 عن حجم الضغوط التي تواجه الاقتصادات الأضعف، ويطرح مسارات إصلاحية ضرورية لإعادة العالم إلى الطريق الصحيح.

تقرير تمويل التنمية المستدامة لعام 2026

وفي هذا الإطار، أطلقت الأمم المتحدة “تقرير تمويل التنمية المستدامة لعام 2026” قالت فيه إن الصراعات المتصاعدة، وأزمة المناخ، وتقلص تمويل التنمية تؤدي إلى ضغوط متزايدة على الدول الأكثر فقرًا وهشاشة، مما يدفع أهداف التنمية بعيدًا عن مسارها الصحيح.

وكذلك أشار التقرير إلى أنه مع تبقي أربع سنوات فقط على الموعد النهائي لتحقيق هذه الأهداف بحلول عام 2030 كما هو محدد في خطة التنمية المستدامة، فقد تعثر التقدم المحرز –بل وتراجع في بعض الحالات– في أعقاب صدمات جائحة كـوفيد-19، والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة، والآثار المناخية المتنامية.

أهداف التنمية المستدامة

أزمة التمويل تعوق تقدم مسار التنمية

كما يتعرض تمويل التنمية لضغوط شديدة في لحظة حرجة؛ إذ لا يزال ربع البلدان النامية يسجل نصيبًا للفرد من الدخل أدنى مما كان عليه قبل الجائحة، كما يعيش نحو 3.4 مليار نسمة في بلدان تنفق على سداد فوائد الديون أكثر مما تنفقه على قطاعي الصحة أو التعليم.

وقد شهدت المساعدات الإنمائية الرسمية انخفاضًا حادًّا، بينما تواصل الاستثمارات الأجنبية تراجعها، وتكافح العديد من البلدان لجمع إيرادات ضريبية كافية لتمويل الخدمات الأساسية. وفي الوقت ذاته، تزيد التوترات التجارية العالمية وارتفاع الرسوم الجمركية من حدة الضغوط الاقتصادية، لا سيما بالنسبة للبلدان الأقل نموًّا.

ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه التحديات أمام تحقيق أهداف التنمية المستدامة، لا سيما الهدف الثامن المتعلق بالنمو الاقتصادي والعمل اللائق، والهدف التاسع المعني بالصناعة والابتكار، في ظل تراجع التمويل وضعف الاستثمارات في العديد من الدول النامية.

توصيات أممية لتسريع جهود التنمية

وفي تقريرها أطلقت الأمم المتحدة حزمة توصيات للدول أبرزها التعجيل بتنفيذ التزام إشبيلية وهو اتفاق عالمي أُبرم عام 2025 بهدف توسيع نطاق تمويل التنمية باعتباره المسار الواقعي الأمثل والوحيد للعودة إلى المسار الصحيح.

كما تشمل الأولويات الرئيسية زيادة الاستثمارات، وتعزيز التعاون متعدد الأطراف، وتحديث النظام المالي الدولي لمنح البلدان صوتًا أقوى، فضلًا عن بناء القدرة على الصمود لمواجهة الصدمات المستقبلية بشكل أفضل.

الجهود المصرية لمواجهة الضغوط العالمية

وفي خضم هذه التحديات المتشابكة، وعملًا بتوصيات الأمم المتحدة، برزت الجهود المصرية لمواجهة الأزمات العالمية ودعم مسار التنمية المستدامة وعلى رأسها إطلاق رؤية مصر 2030 التي تهدف إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة الشاملة.

فضلًا عن إطلاق حزمة من الإصلاحات والتشريعات بهدف جذب الاستثمارات الأجنبية وتوسيع تدفقات الاستثمار في العديد من القطاعات، وعلى رأسها: النفط، والغاز، والسيارات، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتصنيع الأغذية، إلى جانب الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، والخدمات المالية.

وفي السياق ذاته، عززت مصر توجهها نحو تمويل التنمية المستدامة عبر إطلاق الاستراتيجية الوطنية المتكاملة للتمويل عام 2025، بما يرسخ إطارًا أكثر شمولًا لتنسيق السياسات وربط أولويات التنمية بمصادر التمويل المختلفة. كما اتجهت الدولة إلى تنويع أدواتها التمويلية من خلال آليات مبتكرة، بما يدعم القدرة على جذب موارد طويلة الأجل أكثر استدامة وكفاءة.

رؤية مصر 2030

مؤشرات دولية تعكس جاذبية الاقتصاد المصري للاستثمار

ووفقًا لتقرير صدر عن وكالة “فيتش Fitch Ratings” العالمية جاء فيه أن مصر تحتل المرتبة الثالثة من بين 18 سوقًا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والمرتبة 27 عالميًّا من بين 202 سوق، من حيث انفتاح الاستثمار.

أشار التقرير إلى العديد من العوامل التي تدفع إلى زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر، ومن بينها: النمو الديناميكي للاقتصاد المصري، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، وتوافر قوة عاملة ماهرة، وإمكاناته السياحية الفريدة، واحتياطيات الطاقة الكبيرة، والسوق المحلية الواسعة، والإصلاحات الناجحة، مشددًا على أهمية السياق الإقليمي.

التحول الأخضر وأولويات التنمية المستدامة

ومع إدراك التحديات المرتبطة بتغير المناخ، أشار التقرير إلى توجه الدولة نحو زيادة الاستثمارات الخضراء، بحيث تصبح جميع الاستثمارات العامة الجديدة خضراء بحلول عام 2030، بما يعكس انتقالًا تدريجيًّا نحو نموذج تنموي أكثر استدامة.

كما تعمل مصر على تسريع هدف رفع نسبة الطاقة المتجددة إلى 42% من إجمالي الكهرباء بحلول 2030 بدلًا من 2035، مع التركيز على الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر وتحلية المياه والنقل المستدام والمدن الذكية، بما يعزز التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.

الطاقة المتجددة

وختامًا، في وقت تتعثر فيه دول كثيرة تحت وطأة الديون وتراجع التمويل وارتباك الأسواق، تبرز قيمة التجربة المصرية في أنها تعاملت مع التنمية المستدامة باعتبارها الأداة الأساسية لعبور الأزمات ذاتها. فالتوسع في البنية التحتية، وتحسين مناخ الاستثمار، والتوجه نحو الاقتصاد الأخضر، وتسريع مشروعات الطاقة المتجددة، كلها مسارات تعكس فهمًا أكثر نضجًا لمعنى الصمود الاقتصادي في عالم سريع التقلب، وتكشف هذه التحركات أن التنمية الحقيقية تُقاس بقدرة الدولة على إعادة ترتيب أولوياتها كلما تغيرت الظروف الدولية.

ومن هنا، تثمن مؤسسة حماة الأرض الجهود المصرية المتلاحقة لدفع أجندة التنمية المستدامة رغم التوترات العالمية والإقليمية المحيطة وترى أنها تمنح نموذجًا مهمًّا للدول النامية: أن محدودية التمويل ليست نهاية الطريق، إذا توافرت الرؤية، وحسن توجيه الموارد، والقدرة على تحويل التحديات الخارجية إلى فرص للنمو والتحول المستدام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى