850 عامًا من الاحتفال بالهوية.. كيف حافظت ويلز على تراثها الثقافي؟

850 عامًا من الاحتفال بالهوية.. كيف حافظت ويلز على تراثها الثقافي؟
قبل نحو 850 عامًا، جمع الأمير الويلزي ريس أب غروفيد الشعراء والموسيقيين داخل قلعة كارديجان، ودعاهم إلى التنافس أمامه في احتفال كبير حمل بذور تقليد ثقافي سيواصل حضوره عبر قرون طويلة. وفي 2026، عاد هذا التقليد إلى المنطقة نفسها التي شهدت بدايته، ليحول التراث الثقافي الويلزي إلى احتفال حي يجمع اللغة والشعر والموسيقى والأجيال الجديدة.
ويأتي مهرجان “إيستدفود” الوطني هذا العام في لحظة رمزية، إذ يحتفل بمرور 850 عامًا على أول نسخة مسجلة منه عام 1176. ورغم جذوره التي تعود إلى العصور الوسطى، تطور الحدث إلى واحد من أقدم وأكبر المهرجانات الثقافية المتنقلة في أوروبا، مع استمرار ارتباطه باللغة والهوية الويلزية.
البداية من قلعة
بحلول عام 1176، كان ريس أب غروفيد قد أصبح أحد أقوى حكام ويلز في عصره، بعدما نجح في إبعاد الغزاة النورمان عن أراضيه، وعقد السلام مع الملك هنري، وأعاد بناء قلعة كارديجان بالحجر.
وفي تلك الفترة من الاستقرار، أقام الأمير احتفالًا كبيرًا خلال العطلات، دعا إليه الشعراء والموسيقيين للتنافس تحت رعايته. وسُجل هذا الحدث باعتباره أول “Eisteddfod” معروف، وهي كلمة يمكن ترجمة معناها تقريبًا إلى “الجلوس معًا”.
ومن هنا بدأت قصة امتدت لقرون، وتحول فيها اللقاء الأدبي والموسيقي إلى مساحة أوسع للاحتفاء بـالتراث الثقافي واللغة والإبداع في ويلز.
عودة بعد 850 عامًا
تحمل نسخة 2026 اسم Eisteddfod y Garreg Las، أي “الصخرة الزرقاء”، في إشارة إلى الحجر الأزرق الشهير في تلال بريسيلي القريبة، والذي استُخدم في بناء الدائرة الداخلية لمعلم ستونهنج.
ويقام المهرجان بين 1 و8 أغسطس، ويضم أكثر من 1000 فعالية ونشاط، بينما يُتوقع أن يستقطب نحو 150 ألف زائر.

وينتقل الحدث سنويًّا بين شمال ويلز وجنوبها، لذلك تمنحه كل منطقة طابعًا مختلفًا. ويصفه المدير الإبداعي للنسخة الحالية بأنه مهرجان ثقافي ضخم ومتنقل، يجمع بين الموسيقى والشعر والرقص والعروض الحديثة، وينتقل كل عام إلى منطقة مختلفة في ويلز.
ليكشف هذا التنوع كيف يمكن للتراث الثقافي أن يحتفظ بجذوره التاريخية، وفي الوقت نفسه يظل قادرًا على جذب جمهور حديث.
الأمير يعود للحياة
اختار منظمو المهرجان تحويل شخصية الأمير ريس إلى جزء من الاحتفال نفسه، من خلال دمية ضخمة يبلغ ارتفاعها نحو 5 أمتار صُممت بمشاركة المجتمع المحلي.
وبحسب الفكرة الفنية، جرى إيقاظ الأمير من نومه الطويل في كاتدرائية سانت ديفيد، قبل أن يتجول بين البلدات والقرى المحيطة استعدادًا لافتتاح المهرجان.
ورافقته خلال جولته رموز مرتبطة بتاريخ الحدث، بينها التاج والكرسي اللذان يمثلان الجوائز التقليدية الممنوحة للفائزين في مسابقات الشعر، إلى جانب تجسيد لكلب الصيد الخاص به.
وتعيد هذه التفاصيل التاريخ إلى المجال العام بطريقة تفاعلية، بحيث يصبح الماضي جزءًا من تجربة يراها الأطفال والعائلات في الشوارع والساحات.
مجتمع يصنع الحدث
لم تقتصر الاستعدادات على الجهات المنظمة، إذ شارك المجتمع المحلي بصورة واسعة منذ الإعلان عن موقع نسخة 2026 قبل عامين.
وتمكنت لجان جمع التبرعات المحلية من توفير نحو 400 ألف جنيه إسترليني للإسهام في تنظيم المهرجان، فيما شارك مئات المتطوعين في تجهيز الموقع استعدادًا لاستقبال الزوار.
ويمنح هذا الحضور المجتمعي المهرجان بعدًا يتجاوز الترفيه، لأن الحفاظ على التراث الثقافي هنا يعتمد على مشاركة السكان أنفسهم في تمويله وتنظيمه ونقله إلى الأجيال التالية.
ويتقاطع ذلك مع الغاية 11.4 من أهداف التنمية المستدامة، التي تدعو إلى تعزيز الجهود الرامية إلى حماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي، وهي حماية ترتبط في هذه الحالة بالمجتمع والممارسة اليومية بقدر ارتباطها بالمواقع التاريخية.
تقليد واجه التراجع
مرت رحلة المهرجان بفترات صعبة عبر تاريخه، فبعد عصر الأمير ريس، أُغلقت مدارس الشعراء في ويلز خلال الغزو الإدواردي، وتراجع تقليد إقامة هذه المنافسات لفترة.
وعاد الاهتمام به خلال القرن الثامن عشر بفضل الجمعيات الأدبية والثقافية الويلزية التي نشطت في لندن، ثم أسهمت جماعة Gorsedd Cymru، التي ضمت شعراء وكتابًا وموسيقيين، في تشكيل كثير من الطقوس والمظاهر التي ارتبطت بالنسخة الحديثة من المهرجان.

وكان الشاعر والباحث في الآثار إولو مورغانوغ أحد أبرز الشخصيات التي أعادت صياغة جانب من هذه التقاليد، لتتحول مع الوقت إلى جزء راسخ من الاحتفالات الحالية.
لغة تعيش بين الأجيال
تكمن إحدى أهم وظائف المهرجان اليوم في علاقته باللغة الويلزية، حيث تقول إحدى الزائرات إن أبناءها يدرسون في مدارس تعتمد الويلزية في التعليم، وإن وجود حدث بهذا الحجم بالقرب منهم يساعدهم على رؤية اللغة باعتبارها شيئًا حيًّا وممتعًا يستخدم في الموسيقى والفن والحياة اليومية.
وتوضح هذه التجربة كيف يمكن للمهرجانات أن تدعم التراث الثقافي عبر جعل اللغة جزءًا من تجربة اجتماعية حديثة، بدل حصرها داخل الكتب أو الدروس المدرسية.
كما يلتقي هذا الجانب مع الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالتعليم الجيد، إذ يسهم انتقال اللغة والمعرفة الثقافية بين الأجيال في دعم التعلم المرتبط بالهوية والمجتمع.
تراث يتجدد
بعد 850 عامًا، تكشف تجربة مهرجان إيستدفود أن استمرار التقاليد يعتمد على قدرتها على التطور والتفاعل مع المجتمع، فالمهرجان الذي بدأ بمسابقة بين الشعراء والموسيقيين في قلعة من العصور الوسطى أصبح اليوم حدثًا يضم آلاف المشاركين والزوار، ويجمع بين المنافسات التقليدية والعروض الموسيقية الحديثة والفنون والتعليم والعمل التطوعي.
وترى مؤسسة حماة الأرض أن الحفاظ على التراث الثقافي يكتسب قوته عندما يتحول إلى ممارسة مجتمعية قادرة على إشراك الأجيال الجديدة، لأن التراث الذي يجد مكانًا داخل حياة الناس يملك فرصًا أكبر للاستمرار.
وتقدم تجربة ويلز نموذجًا لكيف يمكن للغة والفنون والذاكرة المحلية أن تتحول من موروث تاريخي إلى عنصر حي يتجدد مع كل جيل.




