علوم مستدامة

رصد غامض يثير تساؤلات جديدة حول طبيعة المادة المظلمة

المادة المظلمة

رصد غامض يثير تساؤلات جديدة حول طبيعة المادة المظلمة

رصد علماء إشارة نادرة داخل تجربة تُجرى على عمق نحو 1.6 كيلومتر تحت الأرض في ولاية ساوث داكوتا الأمريكية، قد تكون مرتبطة بأحد الجسيمات المفترضة التي يُعتقد أنها تدخل في تكوين المادة المظلمة، في تطور أثار اهتمام الباحثين مع استمرار الحذر من إعلان اكتشاف نهائي.

ووقع الحدث داخل تجربة LUX-ZEPLIN (LZ) في منشأة Sanford Underground Research Facility، التي أُنشئت داخل منجم ذهب سابق في منطقة Black Hills في أمريكا. حيث سجل العلماء تفاعلًا بين ذرة من عنصر الزينون وجسيم آخر، جاء سلوكه قريبًا من الطريقة التي يُتوقع أن يتصرف بها جسيم افتراضي يعرف باسم Weakly interacting massive particle (WIMP)، وهو أحد المرشحين المحتملين لتكوين المادة المظلمة.

وفي هذا السياق، وصف سام إريكسن، عالم فيزياء الجسيمات بجامعة بريستول والباحث الرئيسي في الدراسة، النتيجة بأنها قد تمثل أول إشارة محتملة لرصد المادة المظلمة، بينما يواصل الفريق دراسة احتمالات أخرى قد تفسر ما حدث.

ومضة في باطن الأرض

صُممت تجربة LZ للبحث عن تفاعلات شديدة الندرة بين المادة المظلمة والمادة العادية، إذ تستخدم التجربة نحو 10 أطنان من الزينون السائل داخل وعاء أسطواني كبير، يديره مختبر Lawrence Berkeley National Laboratory التابع لوزارة الطاقة الأمريكية.

حيث يبحث العلماء من خلاله عن لحظة اصطدام جسيم مجهول بإحدى ذرات الزينون. وعند وقوع هذا التفاعل، تظهر ومضات ضوئية خافتة يمكن تحليل خصائصها لمعرفة طبيعة الجسيم الذي تسبب فيها.

وفي الحدث الأخير، بدا أن جسيمًا اصطدم بنواة ذرة زينون ونقل إليها كمية صغيرة من الطاقة، ما أدى إلى إنتاج ومضة ضعيفة من الأشعة فوق البنفسجية وتحرك النواة إلى الأمام في ظاهرة تعرف بالارتداد النووي.

ويرى الباحثون أن هذا السلوك يتوافق مع أحد السيناريوهات المتوقعة لتفاعل جسيم WIMP، وهو ما جعل الحدث يستحق مزيدًا من الفحص.

مفهوم المادة المظلمة

فما المقصود بـالمادة المظلمة التي يبحث عنها العلماء؟

يشير هذا المصطلح إلى مادة غير مرئية يعتقد العلماء أنها تشكل الجزء الأكبر من مادة الكون. فالمادة العادية التي تكوِّن النجوم والكواكب والإنسان وكل ما يمكن رؤيته تمثل نحو 15% من إجمالي المادة في الكون، بينما يُعتقد أن الجزء المتبقي يتكون في معظمه من المادة المظلمة.

المادة المظلمة

ولا تصدر هذه المادة الضوء أو تعكسه، لذلك يصعب رصدها مباشرة بالتلسكوبات. ويستدل العلماء على وجودها من تأثير جاذبيتها في حركة المجرات وعناقيد المجرات.

كما توضح أيضًا الباحثة ألفين كاماه أن هذه المادة تعمل وفق الفهم الحالي كأنها نوع من “الغراء الكوني” الذي ساعد على تكوين المجرات والبنى الكبرى في الكون.

وتبرز عملية البحث المستمرة عن المادة المظلمة أهمية الاستثمار طويل الأجل في العلوم الأساسية والبنية البحثية المتقدمة، بما يتقاطع مع الهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة المعني بالصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، والذي يشجع على تطوير البحث والتكنولوجيا وتعزيز القدرات العلمية.

جسيم WIMP

أحد أبرز المرشحين لتفسير طبيعة المادة المظلمة هو جسيم افتراضي يعرف باسم WIMP، وهو اختصار لعبارة Weakly Interacting Massive Particle، أي جسيم ضخم ضعيف التفاعل.

وتقوم الفرضية على أن هذا الجسيم قد يمر عبر المادة العادية بكميات كبيرة، بينما تحدث تفاعلاته مع الذرات بصورة نادرة للغاية.

كما تشير كاماه إلى احتمال مرور ملايين من جسيمات المادة المظلمة عبر أجسام البشر كل ثانية، مع ندرة شديدة في اصطدام أي منها بذرات الجسم.

وهذه الندرة تفسر جانبًا من صعوبة البحث. فالتقاط تفاعل واحد محتمل يحتاج إلى أجهزة شديدة الحساسية وبيئة معزولة قدر الإمكان عن الإشارات الخارجية التي يمكن أن تربك القياسات.

حدث واحد يثير الحذر

رغم الاهتمام الذي أثارته النتيجة، يؤكد الباحثون أن الحدث الحالي ما زال غير كافٍ لإعلان اكتشاف المادة المظلمة.

فالفريق رصد تفاعلًا واحدًا فقط، بينما تتطلب الاكتشافات من هذا النوع مستوى إحصائيًّا أعلى وقدرة على استبعاد التفسيرات الأخرى بدرجة كبيرة من الثقة.

وفي هذا السياق، قال إريكسن إن الحدث قد يكون أول تلميح لرصد المادة المظلمة، لكنه شدد على أن الفريق لا يقدم هذه الإشارة باعتبارها اكتشافًا نهائيًّا.

كما أوضحت كاماه أن الباحثين قد يكونون أمام شيء استثنائي، إلا أن الوصول إلى هذا الاستنتاج يحتاج إلى فحص صارم وتحليل دقيق لكل الاحتمالات الأخرى.

لماذا تحت الأرض؟

وجود تجربة LZ على عمق نحو 1.6 كيلومتر تحت سطح الأرض يمثل جزءًا أساسيًّا من تصميمها.

فالطبقات الصخرية فوق المختبر تساعد على تقليل تأثير الأشعة الكونية وغيرها من الإشارات الخلفية التي قد تصل إلى الكاشف وتنتج تفاعلات تشبه الإشارة التي يبحث عنها العلماء.

وكلما انخفض مستوى هذه المؤثرات، زادت قدرة الباحثين على رصد التفاعلات النادرة التي قد تحدث بين جسيمات المادة المظلمة وذرات الزينون.

وفي هذا السياق، يعتمد العلماء على عدة مسارات متكاملة لفهم طبيعة المادة المظلمة ومحاولة رصد آثارها، من خلال عدة عوامل رئيسية.

كيف يبحث العلماء عن المادة المظلمة؟

يعتمد البحث عن المادة المظلمة على عدة طرق رئيسية:

  • دراسة تأثير جاذبيتها في المجرات والكون.
  • محاولة إنتاج جسيمات محتملة لها داخل مسرعات الجسيمات.
  • استخدام تجارب للكشف المباشر تحت الأرض مثل LZ، مع تقليل مصادر التشويش المحيطة.

وتكشف هذه المسارات عن حجم التعقيد العلمي والتكنولوجي المرتبط بمحاولة فهم مادة لا يمكن رؤيتها مباشرة، رغم تأثيرها الكبير في بنية الكون.

لماذا يهم اكتشافها؟

يمثل فهم طبيعة المادة المظلمة أحد أبرز الأسئلة المفتوحة في الفيزياء الحديثة، فعندما يراقب العلماء المجرات وعناقيد المجرات، يجدون أنها تتحرك كما لو كانت تحتوي على كتلة أكبر بكثير من المادة المرئية الموجودة فيها، وهو أحد أهم الأدلة التي تدفعهم إلى افتراض وجود المادة المظلمة.

وتشير النماذج الحالية إلى أن جاذبيتها ساعدت على تكوين المجرات مثل درب التبانة، وكان لها دور في تطور البنى التي أدت لاحقًا إلى تشكل النظام الشمسي.

كما يعكس هذا النوع من الأبحاث قيمة المعرفة العلمية طويلة الأجل، إذ يسهم تطوير أجهزة فائقة الحساسية وأساليب قياس دقيقة في توسيع القدرات البحثية والتكنولوجية. ويتصل ذلك أيضًا بمسار التنمية المستدامة الذي يضع الابتكار وبناء المعرفة والبنية العلمية ضمن العناصر الداعمة للتقدم الاقتصادي والتكنولوجي على المدى البعيد.

إشارة تنتظر الحسم

يواصل الباحثون تحليل الحدث ومحاولة تحديد ما إذا كان مرتبطًا بالفعل بجسيم WIMP أو بتفسير آخر.

وتكمن أهمية النتيجة في أنها قدمت إشارة تتوافق مع السلوك المتوقع لأحد أبرز المرشحين لتكوين المادة المظلمة، لكنها ما زالت بحاجة إلى مزيد من الأدلة قبل أن تتحول إلى اكتشاف علمي مؤكد.

وفي الختام، تسلط مؤسسة حماة الأرض الضوء على أن التقدم في فهم الظواهر الأساسية للكون يرتبط باستمرار الاستثمار في البحث العلمي والبنية التكنولوجية المتقدمة.

وتكشف الإشارة الأخيرة المرتبطة بالبحث عن المادة المظلمة كيف يمكن لحدث علمي واحد داخل تجربة شديدة الحساسية أن يفتح بابًا جديدًا لفهم مكونات الكون،

مع بقاء الحاجة إلى مزيد من الأدلة قبل الوصول إلى اكتشاف حاسم. ويعكس ذلك أهمية دعم الأبحاث طويلة الأجل التي توسع حدود المعرفة وتدفع في الوقت نفسه إلى تطوير أدوات وتقنيات أكثر تقدمًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى