خطى مستدامة

برامج الحماية الاجتماعية في مصر.. كيف تحول الدعم النقدي إلى تنمية مستدامة؟

الحماية الاجتماعية

برامج الحماية الاجتماعية في مصر.. كيف تحول الدعم النقدي إلى تنمية مستدامة؟

تتحرك برامج الحماية الاجتماعية في مصر خلال المرحلة الراهنة نحو مفهوم أكثر اتساعًا من تقديم المساعدة المالية؛ إذْ تتجه السياسات والمبادرات إلى بناء منظومة تربط الحماية بالتمكين، والرعاية بجودة الحياة، والدعم بفرص العمل، والخدمة بالحق الإنساني.

ومن هذا المنطلق تكشف التحركات الأخيرة للدكتورة/ مايا مرسي “وزيرة التضامن الاجتماعي” عن تطور ملحوظ في مجال التكافل والتضامن، ورعاية كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، فضلًا عن:

  • تنظيم العمل المنزلي
  • تأهيل متخصصي الدعم النفسي

وتلك المسارات وغيرها مما يتقاطع تقاطعًا مباشرًا مع عدد من أهداف التنمية المستدامة، وفي مقدمتها القضاء على الفقر، والصحة الجيدة والرفاه، والتعليم الجيد، والعمل اللائق، والحد من أوجه عدم المساواة.

والأهم هو أنَّ هذه البرامج -نعني برامج الحماية الاجتماعية في مصر- لا تعمل منفصلة؛ فحين يحصل الشخص الأولى بالرعاية على دعم مالي، ثم يجد طريقًا إلى التدريب والعمل، وحين يحصل كبير السن على رعاية صحية ونفسية تحفظ كرامته، وحين يصبح الشخص ذو الإعاقة قادرًا على الوصول إلى التعليم والعمل والخدمات؛ فإنَّ الحماية الاجتماعية تتحول من شبكة أمان مؤقتة إلى مسار تنموي يحمي الإنسان ويزيد من قدرته على المشاركة والإنتاج.

برامج الحماية الاجتماعية في مصر

ومن أبرز ملفات برامج الحماية الاجتماعية في مصر التي تكشف اتساع مفهوم التضامن والتكافل، هو ملف كبار السن ومرضى ألزهايمر؛ فخلال احتفالية تخريج الدفعة الأولى من معهد الدكتورة/ عبلة الكحلاوي الثانوية الفنية للتمريض، أكدت الدكتورة/ مايا مرسي أنَّ رعاية كبار السن تتجاوز توفير الاحتياجات الأساسية إلى حماية الكرامة، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز الصحة والرفاه والاندماج المجتمعي.

برامج الحماية الاجتماعية في مصر

 لم تحتاج رعاية كبار السن إلى كوادر متخصصة؟

تكمن الإجابة عن سؤال: “لم تحتاج رعاية كبار السن إلى كوادر متخصصة” في طبيعة الاحتياجات نفسها؛ فالمسن قد يحتاج إلى الرعاية الطبية، لكنه قد يحتاج في الوقت ذاته إلى الدعمينِ النفسي والاجتماعي، والتواصل الإنساني، والحفاظ على استقلاليته وشعوره بأنه جزء من المجتمع.

ولهذا يمثل تخريج الدفعة الأولى من معهد التمريض خطوة في اتجاه بناء كوادر تعرف خصوصية التعامل مع كبار السن ومرضى ألزهايمر، وهذا بدلًا من الاكتفاء بالتدريب التمريضي العام.

صندوق رعاية المسنين وتنظيم سوق الرعاية

وتتصل هذه الجهود بدور صندوق رعاية المسنين، الذي يستهدف دعم تنظيم السوق الرعائي، ووضع أطر للجودة، وتوجيه التمويل والاستثمار، وبناء الشراكات، وسد الفجوات ذات الأولوية.

وهذه النقلة مهمة في سياق أهداف التنمية المستدامة؛ لأن جودة الرعاية تحتاج إلى كوادر مؤهلة، ومعايير واضحة، وتمويل مستدام، وبيانات تساعد على اتخاذ القرار؛ بما يتسق مع أبعاد التنمية المستدامة اجتماعيًّا واقتصاديًّا.

الحماية الاجتماعية تبدأ من الصحة النفسية

ولا تقتصر برامج الحماية الاجتماعية في مصر على مواجهة الفقر أو تقديم الرعاية لكبار السن؛ ذلك لأنَّ الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والمراهقين يمثل بدوره أحد مكونات بناء الإنسان، ومن هنا جاء بروتوكول التعاون بين وزارة التضامن الاجتماعي وجامعة عين شمس لتدشين الدبلوم المهني للإرشاد والدعم النفسي للأطفال والمراهقين.

الحماية الاجتماعية تبدأ من الصحة النفسية

ماذا يضيف هذا المسار إلى منظومة الحماية؟

إنَّ الهدف من تخريج متخصصين جدد هو التعاون البنَّاء، التعاون الذي يستهدف تطوير الممارسات المهنية، وإعداد أدوات للتشخيص والتقويم النفسي، وإجراء بحوث تطبيقية، وربط التدريب باحتياجات مراكز الإرشاد النفسي التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي.

كما تتطلع الوزارة إلى أنْ تتحول مراكز الدعم والإرشاد النفسي إلى قاعدة لتأهيل كوادر قادرة على تقديم خدمات على وفق معايير دولية، مع تطوير مقاييس نفسية يمكن أنْ تلبي احتياجات عربية أوسع؛ وذلك مما يبرز الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة: التعليم الجيد، حيث إنَّ بناء منظومة حماية فعالة يحتاج إلى الاستثمار في المعرفة بقدر حاجته إلى الاستثمار في الخدمة نفسها.

 الأشخاص ذوو الإعاقة في المقدمة

وأمَّا في ملف الأشخاص ذوي الإعاقة فتتخذ الحماية الاجتماعية بُعدًا آخرَ يرتبط مباشرة بمبدأ تكافؤ الفرص وإزالة الحواجز أمام المشاركة، وهو ما تمثَّل في اجتماع مجلس إدارة صندوق «قادرون باختلاف»، حيث استعرضت وزيرة التضامن الاجتماعي استراتيجية الصندوق، التي تقوم على ستة محاور رئيسية تشمل:

  • الصحة والتأهيل
  • التمكين الاقتصادي والعمل اللائق
  • التعليم وتنمية القدرات والمواهب
  • الإتاحة والبيئات الدامجة
  • التوعية المجتمعية
  • البحث والتقييم

 الأشخاص ذوو الإعاقة في المقدمة

التمكين الاقتصادي والحماية الاجتماعية

إنَّ الاستقلالية تُبنى بإتاحة التعليم والتدريب والعمل، وتهيئة البيئة المناسبة، التي تمنح الشخص ذي الإعاقة قدرة أكبر على إدارة حياته والإسهام في المجتمع.

ومن اللافت في هذا السياق أنَّ استراتيجية الصندوق تجمع بين تدخلات قصيرة المدى -لتحسين الخدمات القائمة- وبناء الشراكات، وذلك مع مسار طويل المدى لتطوير خريطة للموارد وأصحاب المصلحة، والاستفادة من الممارسات الدولية، وبناء منظومة بيانات وطنية يمكن استخدامها في تقييم الأثر.

وذلك كله يتصل اتصالًا مباشرًا بالهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة، الخاص بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي، وكذلك الهدف العاشر: الحد من أوجه عدم المساواة، وغيرهما من الأهداف التي تصب غاياتها في دعم البعد الاجتماعي.

 العمل المنزلي حماية فئة ظلت خارج التنظيم

أيضًا من أكثر الملفات دلالة على اتساع نطاق برامج الحماية الاجتماعية في مصر قضيةُ العمالة المنزلية، فالعمال المنزليون يؤدون عملًا فعليًّا لصالح ملايين الأسر، لكن طبيعة العمل داخل المنازل جعلته سنواتٍ طويلةً أكثر احتياجًا إلى إطار قانوني وتنظيمي واضح.

وتشير البيانات التي عرضتها الدكتورة/ مايا مرسي “وزيرة التضامن الاجتماعي” -استنادًا إلى تقرير لمنظمة العمل الدولية- إلى وجود نحو 75.6 مليون عامل وعاملة منزلية حول العالم ممن تبلغ أعمارهم 15 عامًا فأكثر، وتمثل النساء نحو 76.2% منهم.

 العمل المنزلي حماية فئة ظلت خارج التنظيم

كيف تتحول العمالة المنزلية إلى عمل منظم؟

المسار الذي طُرح في ورشة «نحو إطار تشريعي وتنفيذي للعمل اللائق للعمال المنزليين في مصر» يقوم على مجموعة مترابطة من الأدوات، هي: العقد، التدريب، الاعتماد، التسجيل، الضمان الاجتماعي، تنظيم وكالات التشغيل، قواعد البيانات، والمنصة الإلكترونية التي تربط العرض بالطلب.

وهذه الأدوات المستدامة تحمي العامل، وكذلك تمنح أفراد الأسرة المصرية قدرًا كبيرًا من الوضوح فيما يتعلق بالمهارات والخدمات والحقوق والالتزامات، وذلك في إطار من العدالة الاجتماعية الشاملة.

 اقتصاد الرعاية في قلب الحماية الاجتماعية

ترتبط العمالة المنزلية أيضًا بملفات رعاية الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأسرة عمومًا؛ مِن ثَمَّ فإنَّ تنظيمَ هذه المهنة وتطويرَ مهارات العاملين فيها يمكن أنْ يصبحَا جزءًا من بناء اقتصاد رعاية أكثر كفاءة واستدامة، وهو ما يربط الحماية الاجتماعية مباشرة بالعمل اللائق، والمساواة، واستدامة الخدمات.

العمل التطوعي مورد اجتماعي

إذا كان السؤال: ما هي برامج الدعم الاجتماعي؟ فإنَّ الإجابة الأوسع تشمل كذلك البرامج والمبادرات التي توسع قدرة المجتمع على مساندة أفراده، وفي مقدمتها العمل التطوعي والعمل الأهلي المنظم.

ولذلك جرى في القمة العربية لتعزيز العمل التطوعي تأكيد أنَّ التطوع أصبح أداة لتعزيز التماسك الاجتماعي، وبناء رأس المال البشري، ورفع قدرة المجتمعات على الصمود، ودعم أهداف التنمية المستدامة اجتماعيًّا واقتصاديًّا وبيئيًّا.

العمل التطوعي مورد اجتماعي

التعاون الدولي في مجال الحماية الاجتماعية

كذلك تكشف اللقاءات التي عقدتها وزيرة التضامن الاجتماعي مع مسئولين من إيطاليا وسنغافورة عن جانب آخر من المنظومة، يتمثل في تبادل الخبرات وبناء الشراكات الدولية؛ فمع الجانب الإيطالي جرى بحث التعاون في تمكين ودمج الأشخاص ذوي الإعاقة، وتطوير منظومة الرعاية البديلة للأطفال فاقدي الرعاية الأبوية أو المحرومين منها، وتعزيز أنظمة حماية الطفل، إلى جانب التعاون مع الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي في تبادل الخبرات.

أمَّا اللقاء مع وزير الدولة السنغافوري للشئون الخارجية والداخلية فتناول الحماية الاجتماعية، والاستجابة للأزمات والكوارث والعمل الإغاثي والإنساني، إلى جانب تبادل الخبرات وبناء القدرات.

اللقاء مع وزير الدولة السنغافوري

وهنا يظهر الهدف السابع عشر من أهداف التنمية المستدامة بوضوح: عقد الشراكات لتحقيق الأهداف؛ إذْ إنَّ الحماية الاجتماعية الحديثة تحتاج إلى تعاون بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمؤسسات الدولية.

وعلى ذلك فإنَّ القيمة الحقيقية لبرامج الحماية الاجتماعية في مصر تكمن -على وفق تقدير مؤسسة حماة الأرض– في قدرتها على تغيير موقع الإنسان داخل المعادلة التنموية؛ لأنَّ المواطن الأولى بالرعاية لا ينبغي أنْ يظل محصورًا في خانة المستفيد من الخدمة، وإنما يحتاج إلى مسار يفتح أمامه أبواب القدرة والاستقلال والمشاركة.

ومِن هنا فإنَّ نجاح هذه المنظومة يُقاس بما يتركه هذا الدعم من أثر قابل للاستمرار: طفل أكثر قدرة على التعلم، وشاب أقرب إلى سوق العمل، وشخص ذو إعاقة أوسع مشاركة، وكبير سن يحظى برعاية تحفظ صحته وكرامته، وعامل منزلي يعرف حقوقه؛ لتغدو الرعاية جسرًا إلى التمكين، ويصبح التضامن إحدى الأدوات الفعلية لصناعة مستقبل أكثر عدلًا واستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى