الذكاء الاصطناعي يفتح مسارًا جديدًا لتشخيص الخرف وتعزيز فرص التدخل مبكرًا

الذكاء الاصطناعي يفتح مسارًا جديدًا لتشخيص الخرف وتعزيز فرص التدخل مبكرًا
يتجه باحثون أوروبيون إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير أدوات تساعد على تشخيص الخرف بصورة مبكرة، عبر تحديد الأشخاص الأكثر عرضة لتطور التدهور المعرفي قبل وصول الحالة إلى مراحل متقدمة.
وتأتي هذه الجهود في وقت يؤثر فيه الخرف على نحو 57 مليون شخص حول العالم، بينما لا تُكتشف حالات كثيرة إلا بعد حدوث تغيرات مهمة في الدماغ، ما قد يقلل فرص التدخل المبكر والحصول على الدعم المناسب.
ويعمل مشروع AI-Mind، الممول من الاتحاد الأوروبي، على استخدام بيانات النشاط الكهربائي للدماغ والمعلومات الطبية والمؤشرات الحيوية لتقييم خطر تطور الضعف المعرفي البسيط إلى الخرف، مع التأكيد على أن الأدوات الجديدة تهدف إلى دعم الأطباء وليس استبدال القرار الطبي البشري.
الخرف يبدأ قبل التشخيص
يقول باحثون مشاركون في المشروع إن الوصول إلى تشخيص الخرف قد يستغرق وقتًا طويلًا، وفي بعض الحالات لا يحصل المرضى ومقدمو الرعاية على الإجابات والدعم اللازمين إلا بعد تقدم التدهور المعرفي.
وتزداد أهمية هذه المشكلة مع تقدم السكان في العمر، إذ تشير بيانات المشروع إلى أن الخرف يؤثر على نحو 7% ممن تجاوزوا سن الستين في دول الاتحاد الأوروبي.
ويركز الباحثون لذلك على مرحلة تسبق الخرف الكامل، تعرف باسم الضعف الإدراكي البسيط Mild Cognitive Impairment (MCI)، وهي حالة قد يعاني فيها الشخص من مشكلات في الذاكرة أو أداء بعض المهام اليومية، من دون أن تتطور جميع الحالات لاحقًا إلى الخرف.
ويكمن التحدي في تحديد الأشخاص الذين ترتفع لديهم احتمالات تطور الحالة، بحيث يمكن متابعتهم بصورة أكبر وتقديم الدعم في وقت أبكر.

الذكاء الاصطناعي يبحث عن الخطر مبكرًا
جمع فريق AI-Mind بيانات من 1000 شخص أوروبي، وقضى أكثر من 50 ألف ساعة في جمعها وتحليلها باستخدام أنظمة مخصصة لحماية خصوصية معلومات المشاركين.
وتهدف هذه البيانات إلى تدريب نماذج قادرة على التعرف على أنماط قد ترتبط بارتفاع خطر تطور الخرف، بدل الانتظار حتى تظهر الأعراض بصورة أكثر وضوحًا.
ويرى الباحثون أن تحسين تقييم المخاطر يمكن أن يوسع فرص المتابعة والتدخل والدعم، ويساعد المرضى وأسرهم على فهم ما يحدث في مرحلة مبكرة.
ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يقدم تشخيص الخرف بصورة مستقلة، فهو يعمل عمل أداة لتحليل مجموعة كبيرة من المؤشرات ومساعدة الأطباء على تقييم احتمالات تطور الحالة.
أداتان لتحليل خطر الخرف
طور المشروع أداتين متكاملتين، تحمل الأولى اسم AI-Mind Connector، وتعتمد على بيانات النشاط الكهربائي للدماغ لرصد أنماط قد ترتبط بزيادة خطر الإصابة بالخرف.
وتشير الأبحاث التي استند إليها المشروع إلى أن بعض التغيرات في النشاط الكهربائي للدماغ قد تظهر مبكرًا خلال تطور الحالة، ما يمنح الباحثين فرصة لاستخدام هذه البيانات في تقييم المخاطر.
أما الأداة الثانية، AI-Mind Predictor، فتستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل مجموعة أوسع من البيانات، تشمل نتائج الأداة الأولى، والوظائف الإدراكية، والمؤشرات الحيوية، والتاريخ الطبي.
كما تدخل عوامل مثل العمر والتعليم ومكان الإقامة ضمن التحليل، بهدف بناء صورة أكثر شمولًا عن احتمالات انتقال الشخص من الضعف المعرفي البسيط إلى الخرف.
وللتعرف على تطبيق آخر للذكاء الاصطناعي في دعم التشخيص والرعاية الصحية، اقرأ أيضًا: اكتشاف جديد.. الذكاء الاصطناعي ينقذ حياة الإنسان.
الاكتشاف المبكر يوسع فرص التدخل
لا يوجد حاليًّا علاج شافٍ للخرف، لكن بعض عوامل الخطر يمكن تعديلها، وهو ما يزيد أهمية التعرف على الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة في مرحلة مبكرة.
ويشير الباحثون إلى عوامل مثل العزلة الاجتماعية والإفراط في تناول الكحول والتدخين، حيث يمكن إجراء تغييرات في نمط الحياة قد تساعد على تقليل بعض المخاطر.
كما يمكن للتعرف المبكر على احتمالات تطور الخرف أن يمنح الأشخاص وأسرهم فرصة أكبر للتخطيط للمستقبل والحصول على دعم مناسب قبل تقدم الحالة.
ويتقاطع هذا التوجه مع الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة المعني بالصحة الجيدة والرفاه، خاصة مع التركيز على تحسين الوقاية والكشف المبكر وتوسيع فرص الوصول إلى الرعاية المناسبة.
ويرى الباحثون أيضًا أن ظهور علاجات جديدة خلال السنوات المقبلة قد يزيد قيمة أدوات تقييم المخاطر، من خلال المساعدة على تحديد المرضى الذين يمكن أن يستفيدوا منها بصورة أكبر.

الطريق إلى المستشفيات ما زال طويلًا
اختُبرت أدوات AI-Mind بالفعل في بيئات بحثية وسريرية في النرويج، وانتهت المرحلة الأولى من المشروع في أوائل عام 2026، بينما يبحث الفريق حاليًّا عن تمويل يسمح بمواصلة العمل والتوسع إلى دول أخرى.
وقبل استخدام هذه الأدوات على نطاق طبي واسع، تحتاج إلى الحصول على اعتماد بوصفها أجهزة طبية وفق قواعد الاتحاد الأوروبي، وهو ما يتطلب تقييمًا سريريًّا يتوقع الباحثون استكماله بحلول عام 2035.
كما يخطط الفريق لاختبار الخوارزميات في بيئات ومجموعات سكانية أكثر تنوعًا للتأكد من قدرتها على تقديم نتائج موثوقة خارج نطاق المشاركين الأصليين.
ويتعاون المشروع كذلك مع جهات صناعية من بينها Eli Lilly وRoche وBosch لتطوير النهج التشخيصي بصورة كبرى.
ويتقاطع هذا المسار مع الهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة المعني بالصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، خاصة مع تطوير أدوات رقمية جديدة يمكن أن تدعم خدمات الرعاية الصحية مستقبلًا.
ومن جانبها تشير مؤسسة حماة الأرض إلى أن توظيف الذكاء الاصطناعي في تشخيص الخرف قد يفتح فرصًا جديدة للكشف عن المخاطر في مراحل أبكر، مع بقاء القرار الطبي قائمًا على التقييم البشري والتفاعل المباشر بين المريض والمتخصصين في الرعاية الصحية.




