جيل الثمانينيات وأهداف التنمية المستدامة.. كيف أسس جيل واحد المجتمع والاقتصاد؟

جيل الثمانينيات وأهداف التنمية المستدامة.. كيف أسس جيل واحد المجتمع والاقتصاد؟
جيل الثمانينيات هم مواليد الفترة الممتدة بين عام 1980 وعام 1989، وتتراوح أعمارهم اليوم بين 37 و46 عامًا تقريبًا، والمفارقة هي أنَّ هذا الجيل وُلد في العقد ذاته الذي شهد فيه العالم أُولى المحاولات الجادة لصياغة مفهوم التنمية المستدامة، بدءًا من برنامج العمل الأممي الأول لصالح أقل الدول نموًّا، حتى صدور تقرير لجنة برنتلاند الشهير عام 1987.
ومن هذه الزاوية تستعرض مؤسسة حماة الأرض في مقالها “جيل الثمانينيات وأهداف التنمية المستدامة.. كيف أسس جيل واحد المجتمع والاقتصاد؟” ملامحَ هذا الجيل، وكيف يتقاطع تاريخه مع مسار أهداف التنمية المستدامة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية؛ فتابعوا القراءة.
من هم جيل الثمانينيات؟
عاد الحديث في الأيام القليلة الماضية عن هذا الجيل إلى الواجهة بفعل موجة حنين رقمية واسعة، عُرفت باسم “ترند الثمانينيات”، وفيها تستعيد منصات التواصل الاجتماعي أزياء وموسيقى وألعاب تلك الفترة.

ولم يكن في هذا الفترة أي تطور رقمي مثلما نجد الآن، فقد كان مواليد هذا العصر يعيشون على القصص المصورة المطبوعة بالأبيض والأسود غالبًا، التي كانت تُقدَّمُ فيها -على سبيل المثال- الشخصية الكرتونية ميكي ماوس.

وكذلك ظهرت حينها ألعاب الأتاري البسيطة (بالإنجليزية: Atari)، إلى أنْ تطورت وأُدمجت معها لعبة متقدمة اسمها سوبر ماريو (سلسلة ألعاب فيديو من تصميم الياباني: شيغيرو مياموتو)، وذلك فضلًا عن رواج صناعة أشرطة الكاسيت، التي أزال الإنترنتُ أثرها فيما بعدُ.

وما مَرَّ هو الجانب الاجتماعي، وأمَّا الجانب الاقتصادي فنجده متبلورًا في السياسات المالية الداعية إلى مساعدة الدول الأقل نموًّا، وذلك من خلال:
- تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي
- تحرير الاقتصادات من الديون
- التخلي عن السياسات المالية التقليدية
- خصخصة المؤسسات العامة
- الاهتمام بسياسات السوق
ومِن هنا، فقد كانت حياة جيل الثمانينيات متمحورة حول الإصلاح الاقتصادي وما ترتب عليه من آثار اجتماعية في شتَّى مناحي الحياة، وحينها كانت التنمية المستدامة تناقَش في قاعات الأمم المتحدة، وتحاول شق طريقها وسط ركام الأزمات والديون.
كم عمر جيل الثمانينات اليوم؟
إنَّ مصطلح جيل الثمانينيات يُطلق -مثلما أشرنا سابقًا- على كل من وُلد بين عامَي 1980 و1989، وأمَّا ديموجرافيًّا فيلتقي هذا الجيل بأواخر جيل إكس وأوائل جيل الألفية (بالإنجليزية: Millennials)؛ ولهذا يوصف أحيانًا بأنه جسر بين عالمينِ مختلفينِ تمامًا.
وبصورة أخرى يمكن أنْ نقول إنَّ مَن وُلد في بداية الثمانينيات (1980) يبلغ اليوم نحو 46 عامًا، في حين أنَّ مَن وُلد في نهايتها (1989) يقترب من 37 عامًا؛ أي أنَّ جيل الثمانينيات يقف حاليًّا في منتصف العمر، وهي المرحلة التي يتولى فيها غالبًا أدوارًا قيادية في العمل والأسرة والمجتمع.
صفات مواليد الثمانينيات
وتكمن أبرز صفات هذا الجيل في أنه جيل عاش طفولته دون إنترنت أو هواتف ذكية، ثم قاد لاحقًا أُولى موجات التحول الرقمي في المجتمع والاقتصاد. وهذا المزيج النادر منحهم مرونة يصعب إيجادها عند الأجيال الأحدث أو الأقدم.
القيم المشتركة
ويتفق كثير من الباحثين في علم الأجيال على مجموعة سمات تتكرر لدى مواليد هذا العقد، ومن أبرز هذه السمات:
- الاعتماد على النفس: تعلموا حل المشكلات بأنفسهم قبل انتشار محركات البحث والذكاء الاصطناعي.
- التوازن بين الواقعي والرقمي: يتنقلون بسهولة بين التواصل وجهًا لوجه والتفاعل عبر الشاشات.
- الولاء المهني والأسري: أكثر ميلًا للاستقرار الوظيفي والعائلي مقارنة بالأجيال الأحدث.
- الحس البيئي المبكر: تربَّوا على مفاهيم بسيطة عن حماية البيئة قبل أنْ تتحول إلى منظومة عالمية متكاملة.

قيم الثمانينيات والاستدامة
وبما أنَّ جيل الثمانينيات قد نشأ في مرحلة انتقالية بين ندرة الموارد الإعلامية ووفرة المعلومات الرقمية، فإنه غالبًا أكثر قدرة على تبني رسائل الاستدامة بعقلانية، بعيدًا عن نمط الاستهلاك السريع للمحتوى الذي يميز الأجيال الأصغر.
الثمانينيات في تاريخ التنمية العالمية
وبصورة أكثر تفصيلًا علينا أنْ ندرك أنه بينما كان جيل الثمانينيات يخطو خطواته الأولى، كان العالم يخوض نقاشًا محتدمًا حول مفهوم التنمية ذاته؛ فلقد اعتمد المجتمع الدولي في عام 1981 -بحسب تقرير الأمم المتحدة لأقل البلدان نموًّا، الصادر عامَ 2021- ما عُرف ببرنامج العمل الجديد للثمانينيات، وهو أول برنامج عمل عَقدي مخصص حصريًّا لأقل الدول نموًّا.

عقد ضائع أم بداية جديدة؟
يصف تقريرُ الأمم المتحدة عقدَ الثمانينيات بأنه اعتُبر على نطاق واسع عقدًا ضائعًا في كثير من الدول النامية؛ بسبب تفاقم أزمة الديون الخارجية، وبرامج التكيف الاقتصادي التي فُرضت على عديد من المجتمعات آنذاك.
ومع ذلك فقد حمل العقد نفسه بذرة فكرية مهمة؛ إذْ سعى برنامج العمل الجديد إلى وضع أقل الدول نموًّا على طريق تنمية أكثر استدامة واعتمادًا على الذات.

برنامج العمل الجديد
والسؤال الآن: كيف وضع برنامج العمل الجديد في الثمانينيات الدول النامية على طريق الاستدامة؟ في عام 1987 نشرت اللجنة العالمية للبيئة والتنمية تقريرها الشهير “مستقبلنا المشترك” (المعروف بتقرير برنتلاند)، والذي صاغ لأول مرَّة التعريف المعتمد عالميًّا اليوم لمصطلح التنمية المستدامة، وهو: التنمية هي التي تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها الخاصة.
| جدول زمني: من الثمانينيات إلى أهداف التنمية المستدامة 2030 | ||
| الفترة | الحدث أو البرنامج | أبرز ملامحه |
| 1981 | برنامج العمل الجديد للثمانينيات | أول برنامج عقدي أممي لصالح أقل الدول نموًّا |
| 1987 | تقرير برنتلاند | أول صياغة عالمية معتمدة لمفهوم التنمية المستدامة |
| 1990–1999 | برنامج عمل باريس | التركيز على تسوية الديون واستقرار الاقتصاد الكلي |
| 2000–2015 | الأهداف الإنمائية للألفية | ثمانية أهداف عالمية لمكافحة الفقر |
| 2001–2010 | برنامج عمل بروكسل | تركيز أكبر على الفقر والتنمية الاجتماعية |
| 2011–2020 | برنامج عمل إسطنبول | استهداف التحول الهيكلي في الدول الأقل نموًّا |
| 2015–2030 | أهداف التنمية المستدامة (SDGs) | 17 هدفًا تشمل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية |
وفي ضوء ما سبق -حين نتأمل مآلات التنمية ومسارات الاقتصاد العالمي- نجد أنَّ التداخلَ الزمني بين ولادة جيل الثمانينيات ومخاض مفاهيم الاستدامة العالمية متشابكٌ على نحوٍ ملحوظ؛ فلقد تبنَّى هذا الجيل معالمَ التحول الرقمي وغيرها من معالم الاستدامة العالمية.
وإذنْ، تخلُص مؤسسة حماة الأرض إلى أنَّ رهان المستقبل يبقي معقودًا على قدرة هذا الجيل في استثمار وعيه البيئي المبكر وخبراته الكثيرة؛ من أجل إعادة وصل ما انقطع بين نمو الاقتصاد واستدامة الموارد، مؤكدةً أنَّ تحقيق أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر مرتبط بوجود أجيال واعية، ليكونوا بحق حُماة الحاضر وقادة المستقبل.




