صناعات مستدامة

حين روت العمارة الإسلامية عطش القاهرة.. حكاية أسبلة المياه التي خلدها التاريخ

العمارة الإسلامية

حين روت العمارة الإسلامية عطش القاهرة.. حكاية أسبلة المياه التي خلدها التاريخ

بين أزقة القاهرة العتيقة وحواريها الضيقة، حيث تتجاور المآذن والقباب وتتشابك الطرق المؤدية إلى الأسواق، تتجلى بصمات العمارة الإسلامية في منشآت حملت بين جدرانها حكايات تُراثية، تتجاوز جمال الحجر والزخارف.

وهناك، على امتداد شارع المعز وأحياء الجمالية والغورية، تقف أسبلة القاهرة شاهدًا على زمن كانت فيه المياه تُقدَّم للعابرين من خلف شبابيك نحاسية مزخرفة، بينما تعلو بعضَها كتاتيبُ يتلقى فيها الصبيان دروس القراءة والكتابة وحفظ القرآن.

وخلف تلك الواجهات، تختبئ قصة مدينة جعلت من العمارة سبيلًا للعطاء؛ فالصهاريج التي خُصصت لتخزين المياه، وحجرات التسبيل التي استقبلت المارة، والكتاتيب التي ارتفعت فوق بعضها، تكشف كيف اجتمعت حاجات الناس اليومية مع فنون البناء.

ومن سبيل خسرو باشا إلى سبيل عبد الرحمن كتخدا وسبيل محمد علي، تمتد حكاية تاريخية تضيء جانبًا من علاقة العمارة الإسلامية بالحياة الاجتماعية، وتفتح نافذة لقراءة جذور الاستدامة والفنون في القاهرة عبر امتداد القرون.

القاهرة تروي الظمأ

قبل أن تصل المياه إلى المنازل عبر الشبكات الحديثة، كان الحصول على ماء الشرب جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية في القاهرة. وفي هذه المدينة التي ازدحمت بأسواقها ودروبها، ظهرت الأسبلة بوصفها منشآت خيرية خُصصت لإمداد المارة بالمياه، وتنافس على إنشائها السلاطين والأمراء والأثرياء.

وانتشرت هذه المباني في الأحياء المأهولة والمناطق التجارية، من شارع المعز إلى الصليبة والسيدة زينب، لتصبح جزءًا من المشهد العمراني والاجتماعي. ومع ذلك، ظل للسقَّائين دورهم في نقل المياه إلى المنازل البعيدة عن الأسبلة، بما يكشف أن توفير الماء كان يعتمد على منظومة من المنشآت والعاملين والخدمات المتكاملة.

ولم تكن الأسبلة مجرد مواضع للشرب؛ فقد حمل إنشاؤها معنى الصدقة الجارية، وجسَّد حضور العمل الخيري في الحياة العامة. ومن خلال هذه الوظيفة يمكن قراءة جانب من تاريخ العمارة الإسلامية، حين ارتبط تشييد المباني بخدمة السكان وتلبية احتياجاتهم اليومية.

فهل كانت أسبلة القاهرة تقدم إجابة مبكرة عن سؤال لا يزال يشغل المدن حتى اليوم: كيف تصل مياه الشرب إلى جميع السكان بصورة منصفة؟ بعد قرون من إنشاء تلك الأسبلة، أصبح هذا التحدي جزءًا من الغاية 6.1 من الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالمياه النظيفة والنظافة الصحية، التي تستهدف إتاحة مياه الشرب المأمونة للجميع.

ورغم اختلاف أدوات الماضي ومعايير سلامة المياه عن الحاضر، تكشف الأسبلة أن توفير الماء للعابرين كان شأنًا اجتماعيًّا انعكس على عمران القاهرة.

عمارة العطاء

كانت رحلة الماء داخل السبيل تبدأ من باطن الأرض؛ إذ خُصصت الصهاريج لتخزين المياه، وتعلوها حجرات التسبيل التي يُقدَّم منها الشراب إلى المارة عبر الشبابيك المطلة على الشوارع.

وقد جمعت هذه الحجرات بين متطلبات الوظيفة ودقة الصناعة؛ فظهرت الأرفف الرخامية لحمل أواني الشرب، والشبابيك النحاسية التي تفصل الداخل عن الطريق، فضلًا عن استخدام الرخام والخزف والأخشاب المزخرفة.

وهكذا تكشف تفاصيل تخزين المياه وتوزيعها أن جمال المبنى كان مرتبطًا بوظيفته، وأن العناصر المعمارية شاركت في تنظيم الخدمة التي أُنشئ من أجلها.

ومن أبرز الشواهد على هذه المرحلة سبيل خسرو باشا، الذي أنشأه الوالي العثماني على مصر خلال الفترة الممتدة من عام 1535م إلى عام 1537م، في شارع المعز أمام مجموعة السلطان قلاوون.

سبيل خسرو باشا

ويُعد أقدم الأسبلة العثمانية الباقية في القاهرة، وقد احتفظ في تصميمه بطابع معماري محلي رغم إنشائه في العصر العثماني. وتطل واجهتاه على الطريق بشباكين للتسبيل تغطيهما مصبعات نحاسية، وأمام كل منهما رف رخامي يستند إلى ثلاثة كوابيل حجرية.

أما حجرة التسبيل فتتميز بكسوتها الرخامية وسقفها الخشبي المزخرف، وقد ضمت عنصرًا رخاميًّا يُعرف بالسلسبيل، استُخدم في تبريد الماء. وبهذه التفاصيل، يظهر السبيل مثالًا على توظيف المواد ووسائل البناء المتاحة لتقديم خدمة يومية في قلب المدينة.

ماء يروي وعلم يُتلى

ومع مرور القرون، أصبحت بعض الأسبلة تجمع بين سقاية العابرين وتعليم الصغار، فارتفع الكُتَّاب فوق حجرة التسبيل، ليؤدي المبنى وظيفتين اجتماعيتين في مساحة عمرانية واحدة.

ويُجسد سبيل عبد الرحمن كتخدا هذه الصورة بوضوح. فقد أنشأه الأمير عبد الرحمن كتخدا عام 1744م، عند ملتقى شارع المعز وشارع التمبكشية، في موضع جعله حاضرًا في حركة المدينة وأسواقها.

ويتميز السبيل بثلاث واجهات تتوزع عليها شبابيك تقديم المياه، وتزينها أعمدة رخامية وأقواس معمارية وزخارف هندسية ونباتية. أما داخل حجرة التسبيل، فتكسو الجدران بلاطات خزفية زرقاء، تضم بينها لوحة تصور الكعبة المشرفة وما يحيط بها من مبانٍ.

سبيل عبد الرحمن كتخدا

وفوق هذه الحجرة يقوم الكُتَّاب، الذي أُعد لتعليم الأطفال القراءة والكتابة والحساب وحفظ القرآن، وتطل نوافذه الخشبية على الشوارع المحيطة.

وفي هذا البناء تتضح إحدى السمات اللافتة في العمارة الإسلامية بالقاهرة؛ فقد التقى الماء الذي يروي عطش المارة بالعلم الذي يفتح أبواب المعرفة للصغار، بينما أتاحت الزخارف والمشربيات والأعمدة لكل وظيفة فضاءها الخاص.

وبعد قرون، أصبحت إتاحة فرص التعلم للجميع من القضايا التي يتناولها الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالتعليم الجيد. وتكشف تجربة الأسبلة والكتاتيب كيف اتخذ الاهتمام بالتعليم أشكالًا مختلفة عبر العصور، وإن اختلفت طبيعة المؤسسات والمناهج وسبل إتاحة التعليم.

عصر محمد علي

ومع دخول القرن التاسع عشر، شهدت الأسبلة تحولًا آخر في ملامحها المعمارية، عكس التأثيرات الفنية التي عرفتها مصر في تلك المرحلة.

ففي عام 1820، أمر محمد علي باشا بإنشاء سبيل محمد علي في منطقة العقادين بشارع المعز، صدقةً جارية على روح ابنه الأمير أحمد طوسون باشا، الذي توفي عام 1816.

وحمل المبنى طرازًا مميزًا بواجهته نصف الدائرية، التي تضم خمسة شبابيك معدنية لتقديم المياه، تحيط بها الزخارف الرخامية والكتابات التركية العثمانية. وقد تأثر تصميمه بطرز معمارية ظهرت في إسطنبول، إلى جانب عناصر زخرفية من فنون الباروك والروكوكو.

سبيل محمد علي

وتحت حجرة السبيل امتد صهريج كبير، غُطي بتسع قباب حجرية، واستُخدمت في جدرانه مواد عازلة للمياه. وتشير بوابة محافظة القاهرة إلى أن سعته بلغت نحو 445 ألف لتر، وهو حجم يوضح أهمية منشآت تخزين المياه في خدمة المارة قبل ظهور أنظمة الإمداد الحديثة.

ولم تغب الوظيفة التعليمية عن المجمع، إذ ارتبط السبيل بكُتَّاب لتعليم الأطفال، ليواصل هذا النوع من المنشآت الجمع بين العطاء المادي والمعرفي.

وهكذا لم تكن التحولات في العمارة الإسلامية مجرد انتقال بين أنماط الزخرفة؛ فقد ظل تقديم الماء وظيفة أساسية، بينما تبدلت أشكال المباني وموادها وطرزها مع تغير العصور.

إرث يتجاوز الحجر

بعد قرون من إنشاء هذه الأسبلة، تغيرت القاهرة واتسعت، وتبدلت وسائل إمداد السكان بالمياه، بينما بقيت المباني التاريخية شاهدة على منظومة اجتماعية وعمرانية أدت دورًا مهمًّا في حياة المدينة.

وتكشف هذه الآثار أن قيمة التراث المعماري تتجاوز الجدران والنقوش؛ فهي تحفظ أيضًا ذاكرة الخدمات التي احتضنتها المدن، والطرق التي استخدمتها المجتمعات لتوفير احتياجاتها الأساسية.

وبينما تحكي الأسبلة صفحات من تاريخ القاهرة، تطرح المحافظة عليها مسئولية تمتد إلى الحاضر؛ وهي مسئولية تعكسها الغاية 11.4 من الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالمدن والمجتمعات المحلية المستدامة، التي تدعو إلى تعزيز الجهود الرامية إلى حماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي.

وفي أسبلة القاهرة ما يكشف المعنى الإنساني لهذه الغاية؛ فالحفاظ على شبابيكها النحاسية وصهاريجها وقاعات التعليم فيها يصون أيضًا ذاكرة مدينة عرفت كيف تجعل من منشآتها العمرانية وسيلة لخدمة أهلها.

وتجد هذه الفكرة امتدادًا معاصرًا في مشروعات صون التراث وإبرازه، ومنها المتحف المصري الكبير بوصفه نموذجًا لالتقاء الذاكرة الحضارية بالاستدامة الثقافية، حيث تتجدد العلاقة بين الحفاظ على آثار الماضي وتوظيف التراث في إثراء الحياة الثقافية للمجتمع.

ومن منظور مؤسسة حماة الأرض، تتيح قراءة تاريخ الأسبلة فرصة لفهم العلاقة بين البناء والإنسان؛ فالمنشآت التي خدمت السكان بالماء والتعليم تذكّر بأن ازدهار المدن يرتبط كذلك بقدرتها على تلبية الاحتياجات الاجتماعية وحفظ تراثها للأجيال المقبلة.

وتبقى الاستفادة من هذه التجارب مرتبطة بفهم سياقها التاريخي، لا بنقل حلول الماضي كما هي إلى الحاضر؛ فشبكات المياه الحديثة ومعايير السلامة والاحتياجات السكانية تختلف جذريًا عما عرفته القاهرة القديمة.

وحين يتأمل الزائر شبابيك الأسبلة وصهاريجها وكتاتيبها، فإنه يقرأ صفحات من تاريخ مدينة صاغت عمرانها على مقاس حاجات أهلها. ففي القاهرة القديمة، كان للحجر جماله، وللماء سبيله، وللعلم مكانه؛ وحين اجتمعت هذه العناصر، تركت العمارة أثرًا بقي بعد أن تبدلت الأزمنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى