هل تنقذ المكافآت المالية الغابات؟ هولندا تتعهد بـ 500 مليون دولار لدعم حماية الغابات

هل تنقذ المكافآت المالية الغابات؟ هولندا تتعهد بـ 500 مليون دولار لدعم حماية الغابات
ماذا لو أصبحت الأشجار القائمة مصدرًا لعوائد مالية تدفع الدول إلى الحفاظ عليها؟ تفتح هولندا بابًا جديدًا أمام هذه الفكرة، بعدما أعلنت، في 26 أكتوبر 2026، تعهدها بتقديم ما يصل إلى 500 مليون دولار خلال عشر سنوات لصندوق دولي يهدف إلى حماية الغابات الاستوائية، وذلك عبر تقديم مبالغ مالية سنوية للدول مقابل الحفاظ على غاباتها.
ويسعى الصندوق إلى تشجيع الدول على حماية الغابات من خلال توفير عوائد مالية تساعدها على مواصلة جهود الحفاظ عليها. ويفتح هذا التوجه مجالًا جديدًا للاستثمار في الطبيعة، حيث يمكن توظيف الأموال لتحقيق عوائد تدعم حماية الموارد البيئية، بما يعزز دور التمويل في صون التنوع البيولوجي وتحقيق التنمية المستدامة.
صندوق بـ 125 مليار دولار
يأتي الإسهام الهولندي لدعم إنشاء صندوق الغابات الاستوائية إلى الأبد”Tropical Forest Forever Facility” (TFFF)، وهو صندوق استثماري جديد يجمع التمويل الحكومي والخاص، ويستهدف توفير موارد مالية مستمرة للدول التي تعمل على الحفاظ على غاباتها الاستوائية.
ووفقًا للحكومة الهولندية، يسعى الصندوق إلى جمع 125 مليار دولار، منها نحو 100 مليار دولار من استثمارات القطاع الخاص، بما يعكس الدور المتوقع لرؤوس الأموال الاستثمارية في تمويل جهود حماية الموارد الطبيعية.
وتقوم الفكرة على استثمار الأموال المجمعة، ثم استخدام صافي العوائد لتقديم مكافآت منتظمة للدول التي تحقق متطلبات الحفاظ على الغابات. وبذلك ترتبط استمرارية التمويل بالعائد الاستثماري وقدرة الدول المشاركة على صون غطائها الغابي.
ويتولى البنك الدولي تطوير الصندوق، مع توقع بدء تشغيله بحلول منتصف عام 2027، ما يعني أن المبادرة لا تزال في مرحلة الإعداد، وأن الوصول إلى حجم التمويل المستهدف يعتمد على المساهمات والاستثمارات التي سيتم جمعها.
كيف تتحول الأشجار إلى عوائد مالية؟
تعتمد آلية الصندوق على مكافأة الدول مقابل المساحات التي تحافظ عليها من الغابات الاستوائية، بقيمة استرشادية تبلغ نحو 4 دولارات سنويًّا لكل هكتار.
وللتحقق من الالتزام بالحماية، ستستخدم صور الأقمار الصناعية لمراقبة غطاء الغابات، بما يتيح ربط المكافآت بالحفاظ الفعلي على المساحات المستهدفة.

وتتوقع الحكومة الهولندية أن تساعد هذه الآلية في حماية ما يصل إلى 900 مليون هكتار من الغابات الاستوائية، إذا تمكن الصندوق من تحقيق أهدافه التمويلية والتشغيلية.
لكن ما الذي يتغير عندما تصبح حماية الغابات مصدرًا لعائد اقتصادي مستمر؟
تكمن أهمية الفكرة في محاولة معالجة أحد التحديات المرتبطة بالحفاظ على الطبيعة؛ إذ تواجه الغابات ضغوطًا ناتجة عن الاستخدامات الاقتصادية البديلة للأراضي، بينما توفر حمايتها فوائد بيئية تمتد إلى تخزين الكربون وصون التنوع البيولوجي وتنظيم الموارد المائية.
ومن خلال تقديم مقابل مالي للحفاظ عليها، يمكن للصندوق أن يدعم قدرة الدول على إدخال القيمة البيئية للغابات ضمن حساباتها الاقتصادية، ويمنح جهود الحماية مصدرًا محتملًا للتمويل طويل الأجل.
تحالف دولي لحماية الطبيعة
انضمت هولندا إلى تحالف دولي يضم البرازيل وإندونيسيا وبريطانيا والنرويج وفرنسا وألمانيا، وهي دول أعلنت بالفعل تعهدات بالمساهمة في المبادرة.
ويبرز هذا التحالف أهمية التعاون الدولي في مواجهة التحديات البيئية التي تتجاوز الحدود الوطنية؛ فالغابات الاستوائية تقع داخل أراضي دول محددة، بينما تمتد فوائد الحفاظ عليها إلى المناخ العالمي والتنوع البيولوجي.

وتكتسب مشاركة القطاع الخاص أهمية خاصة في هذا النموذج، بالنظر إلى استهداف جمع نحو 100 مليار دولار من الاستثمارات، وهو ما يجعل نجاح المبادرة مرتبطًا بقدرتها على جمع رؤوس الأموال وتحقيق عوائد تسمح باستمرار المكافآت.
وهكذا تتحول الشراكات إلى أداة عملية لدعم حماية الغابات، حيث يلتقي التمويل الحكومي والاستثماري حول هدف بيئي مشترك، في تطبيق لفكرة التعاون التي يدعمها الهدف السابع عشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني بعقد الشراكات لتحقيق الأهداف.
هل تصبح حماية الغابات استثمارًا مستدامًا؟
تطرح المبادرة تصورًا اقتصاديًّا يربط بين استدامة التمويل واستمرار غطاء الغابات؛ فكل مساحة تُحافظ عليها تمثل موردًا طبيعيًا يؤدي وظائف بيئية متعددة، ويمكن أن تصبح أساسًا للحصول على مكافآت مالية متكررة.
غير أن نجاح هذا النموذج سيعتمد على حجم التمويل الذي يستطيع الصندوق جمعه، وكفاءة استثماراته، ودقة مراقبة الغابات، وقدرته على تحويل العوائد المتوقعة إلى مدفوعات مستمرة للدول المستفيدة.
وتتصل هذه الجهود بالغاية 15.2 من الهدف الخامس عشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالحياة في البر، التي تدعو إلى تعزيز الإدارة المستدامة للغابات، ووقف إزالتها، واستعادة الغابات المتدهورة.
وتمنح هذه الغاية المبادرة بُعدًا أوسع؛ إذ يصبح توفير الموارد المالية وسيلة لدعم حماية النظم البيئية التي تعتمد عليها الحياة والتوازنات الطبيعية، مع ضرورة قياس النتائج الفعلية بعد بدء تشغيل الصندوق.
قيمة الطبيعة في ميزان الاقتصاد
يفتح التعهد الهولندي فصلًا جديدًا في النقاش حول تمويل حماية الغابات، من خلال نموذج يحاول تحويل العوائد الاستثمارية إلى حوافز للحفاظ على الأشجار، في وقت تحتاج فيه الجهود البيئية إلى موارد مستقرة والتزامات طويلة الأجل.
وتبرز هذه المبادرة قضية تتصل باهتمام مؤسسة حماة الأرض بتعزيز التنمية المستدامة وصون الموارد الطبيعية؛ فالحفاظ على الغابات يدعم التوازن البيئي، بينما يتيح التمويل المستمر فرصة لترجمة التعهدات الدولية إلى إجراءات حماية قابلة للقياس.
ويبقى الاختبار الحقيقي مع بدء تشغيل الصندوق ومدى قدرته على تحقيق أهدافه؛ فالمبلغ الذي تتعهد به الدول اليوم قد يتحول إلى قيمة بيئية مستمرة غدًا، إذا نجحت الاستثمارات في مكافأة الحفاظ على الغابات.
وربما تكمن الفكرة الأهم في هذه التجربة في إعادة اكتشاف قيمة الشجرة وهي قائمة، قبل أن تتحول إلى مورد اقتصادي يُستخرج من الأرض.




