أمريكا تدفع لتخفيف قيود الذكاء الاصطناعي في اجتماعات مجموعة العشرين G20

أمريكا تدفع لتخفيف قيود الذكاء الاصطناعي في اجتماعات مجموعة العشرين G20
تدفع الولايات المتحدة باتجاه نهج أقل تشددًا في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، في وقت تتصاعد فيه المنافسة العالمية على تطوير هذه التكنولوجيا وتزداد المخاوف بشأن سرعتها وتأثيراتها الأمنية والمجتمعية.
وخلال اجتماع وزراء التكنولوجيا والابتكار في مجموعة العشرين “Group of Twenty” (G20)، الذي انعقد خلال يومي 1 و2 سبتمبر في ولاية نورث كارولاينا الأمريكية، وقد سعت واشنطن نحو الدعوة إلى تجنب فرض قواعد جديدة مع كل تطور في الذكاء الاصطناعي.
ويأتي هذا التوجه في لحظة حساسة، إذ تحاول الشركات الأمريكية الحفاظ على تفوقها، بينما تتطور النماذج الصينية بسرعة، وفي المقابل تحذِّر جهات دولية من أن قدرات الذكاء الاصطناعي تتحرك أسرع من قدرة الحكومات والعلماء على فهم آثارها ووضع الضوابط المناسبة لها.
ولا ينفصل هذا النقاش عن مسار التنمية المستدامة، التي تضع الابتكار والتقدم التكنولوجي ضمن أدوات دعم النمو وتحسين جودة الحياة، مع ضرورة وجود مؤسسات قادرة على إدارة مخاطره. ومن هنا يبرز ارتباط القضية بالهدف 9 من أهداف التنمية المستدامة، الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، إلى جانب الهدف 16، السلام والعدل والمؤسسات القوية، بما يطرح سؤالًا أساسيًّا حول كيفية تحقيق التوازن بين تسريع الابتكار وضمان تطويره في إطار مسؤول.
أمريكا تريد قواعد أخف
طرح المستشار التكنولوجي الأمريكي مايكل كراتسيوس ما يعرف بمبادئ كارولاينا خلال الاجتماع، وهي مجموعة من المبادئ التي تشجع الدول على التعامل بحذر مع إضافة قواعد جديدة لتنظيم التكنولوجيا.
وتقوم الفكرة على أن صانعي السياسات لا يحتاجون إلى اعتبار كل ابتكار جديد مشكلة مستقلة تتطلب إطارًا تنظيميًّا جديدًا. كما تدعو المبادئ إلى زيادة الاستثمار في الأبحاث الأساسية التي يمكن أن تسرع الاكتشافات، وفتح فرص تجارية أكبر أمام التقنيات الجديدة.
وبالنسبة إلى واشنطن، فإن هذا النهج يمكن أن يمنح شركات الذكاء الاصطناعي مساحة أكبر لتطوير منتجاتها وإطلاق نماذج جديدة بوتيرة أسرع.
ويتقاطع دعم البحث والابتكار مع الهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة المعني بالصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، والذي يشجع على تطوير التكنولوجيا وتعزيز قدرات البحث ودعم الابتكار باعتباره عنصرًا أساسيًّا للنمو الاقتصادي.

لماذا تخشى واشنطن القيود؟
ترى الإدارة الأمريكية أن زيادة القواعد قد تؤثر في سرعة تطور الصناعة، فمتطلبات حكومية جديدة قد تجبر شركات مثل OpenAI وAnthropic على تأخير إطلاق بعض النماذج أو تعديل طريقة عملها لمعالجة مخاوف تتعلق بالأمن والسلامة.
وبالنسبة إلى قطاع يتحرك بسرعة كبيرة، يمكن لأي تأخير في إطلاق المنتجات أو زيادة في تكاليف الامتثال أن يؤثر في المنافسة والأرباح. ولهذا يمثل تنظيم الذكاء الاصطناعي قضية اقتصادية إلى جانب كونه قضية تتعلق بالسلامة، فالشركات الأمريكية تخوض سباقًا عالميًّا على تطوير النماذج الأكثر قدرة، وتقديمها للشركات والحكومات والمستخدمين حول العالم.
الصين تدخل الحسابات
يزداد هذا السباق تعقيدًا مع تقدم الشركات والمطورين الصينيين.
فالنماذج الصينية مفتوحة الأوزان، التي تتيح الوصول إلى بعض مكوناتها الأساسية بصورة أكبر من النماذج المغلقة، أصبحت أكثر قدرة مقارنة بالسنوات السابقة، كما بدأت هذه النماذج تكتسب استخدامًا داخل بعض الشركات الأمريكية، ما يضيف بُعدًا جديدًا للمنافسة.
ويرى محللون أن الإدارة الأمريكية تريد الحفاظ على الدول والشركات داخل المنظومة التكنولوجية الأمريكية، وتقليل اعتمادها على بدائل صينية.
ومن هنا يصبح النقاش حول الذكاء الاصطناعي مرتبطًا أيضًا بالنفوذ الاقتصادي والتكنولوجي والأمني، وليس فقط بمسألة كيفية كتابة القوانين.

المخاطر لا تختفي
في المقابل، تستمر التحذيرات بشأن سرعة تطور التكنولوجيا، حيث حذرت لجنة تابعة للأمم المتحدة مؤخرًا من أن قدرات الذكاء الاصطناعي تتقدم بوتيرة أسرع من قدرة العلم والحكومات على فهم تأثيراتها ووضع السياسات المناسبة لها.
كما زادت حادثة اختراق حديثة مرتبطة بوكيل ذكاء اصطناعي من المخاوف بشأن مدى رقابة الشركات على منتجاتها في أثناء الاختبارات. ويُقصد بوكلاء الذكاء الاصطناعي برامج يمكنها تنفيذ مهام بدرجة كبيرة من الاستقلال، مع تدخل بشري محدود.
ومع ازدياد قدرة هذه الأنظمة على اتخاذ خطوات وتنفيذ أوامر بشكل مستقل، تصبح عمليات الاختبار والرقابة أكثر أهمية، خاصة عندما تتعامل مع بيانات أو أنظمة رقمية حساسة.
وهنا يظهر التحدي الأساسي: كيف يمكن دعم الابتكار دون أن تتطور التكنولوجيا بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات على مراقبتها؟
عمالقة التكنولوجيا على الطاولة
عكس مستوى المشاركين في اجتماع مجموعة العشرين حجم الرهانات المرتبطة بهذا النقاش، إذ شارك عدد من أبرز قادة صناعة التكنولوجيا، بينهم الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI سام ألتمان، والرئيس التنفيذي لشركة Nvidia جينسن هوانغ.
كما شارك مارك زوكربيرج من Meta، وديميس هاسابيس من Google DeepMind، إلى جانب إيلون ماسك وديفيد ساكس، ويعني حضور هذه الأسماء أن النقاش حول مستقبل الذكاء الاصطناعي يجمع الحكومات والشركات التي تطور التكنولوجيا نفسها في مساحة واحدة.
فضلًا عن أنه قد كشف حجم المصالح الاقتصادية المرتبطة بأي قواعد جديدة، خاصة أن قرارات الحكومات قد تؤثر مباشرة في طريقة تطوير المنتجات وتسويقها واستخدامها.
كندا تطلب التوازن
وسط الدفع الأمريكي نحو قواعد أخف، تبنت كندا موقفًا أكثر توازنًا. ومن المنتظر أن تدعو ممثلي الدول إلى الجمع بين الابتكار والثقة العامة والسلامة.
ويعكس هذا الموقف اتجاهًا يرى أن حماية التطور التكنولوجي لا تتطلب بالضرورة غياب القواعد، كما أن وضع الضوابط لا يعني بالضرورة إيقاف الابتكار.
فالقضية الأساسية هي تصميم قواعد تمنع المخاطر الجسيمة وتحافظ في الوقت نفسه على قدرة الشركات والباحثين على تطوير التكنولوجيا.
ويرتبط هذا النقاش بالهدف 16 من أهداف التنمية المستدامة المعني بالسلام والعدل والمؤسسات القوية، إذ تحتاج إدارة التقنيات شديدة التأثير إلى مؤسسات قادرة على بناء الثقة ووضع قواعد واضحة وتعزيز المسؤولية والمساءلة.
سباق على قواعد المستقبل
إن اجتماع نورث كارولاينا جزء من سلسلة اجتماعات سبقت قمة قادة مجموعة العشرين المقرر عقدها في ميامي خلال ديسمبر. ولهذا قد تمتد أهمية النقاش إلى ما هو أبعد من الاجتماع نفسه، خاصة إذا نجحت الولايات المتحدة في حشد دعم دولي لمبادئها الجديدة.
فالدولة أو المجموعة التي تستطيع التأثير في شكل القواعد قد تؤثر أيضًا في اتجاه سوق الذكاء الاصطناعي عالميًا، وفي الطريقة التي تستخدم بها الشركات والحكومات هذه التكنولوجيا خلال السنوات المقبلة.
وبناءً على ما سبق، تسلط Earth Guards Foundation الضوء على أن مستقبل الذكاء الاصطناعي سيعتمد على القدرة على تحقيق توازن بين سرعة الابتكار وحماية المجتمع من المخاطر التي قد تنتج عن استخدامات غير آمنة أو غير خاضعة للمساءلة. فالتقدم التكنولوجي يصبح أكثر استدامة عندما تصاحبه مؤسسات قادرة على بناء الثقة، وتشجيع البحث، ووضع قواعد تواكب التطور دون أن تعرقل الفوائد التي يمكن أن تقدمها التكنولوجيا للاقتصاد والمجتمع.




