نهر ينحسر ومحاصيل تتكدس.. ظاهرة النينيو تُربك صناعة زيت النخيل في إندونيسيا

نهر ينحسر ومحاصيل تتكدس.. ظاهرة النينيو تُربك صناعة زيت النخيل في إندونيسيا
أربعة أيام قضاها المزارع الإندونيسي سوبيندي أمام أحد مصانع زيت النخيل في مدينة سانجاو، محاولًا تسليم سبعة أطنان من الثمار الطازجة التي جمعها من مزرعته ومزارع مجاورة. لكن الانتظار انتهى برفض المصنع استقبال المحصول بعدما امتلأت خزاناته، ليجد المزارع البالغ من العمر 33 عامًا نفسه أمام أزمة بدأت في حقله، عندما نهر انحسرت مياهه بفعل الجفاف المرتبط بتأثيرات ظاهرة النينيو.
وفي مقاطعة كاليمانتان الغربية، كشفت الأزمة كيف يمكن لانخفاض منسوب نهر أن يعطل سلسلة اقتصادية كاملة؛ فالسفن التي اعتادت نقل زيت النخيل توقفت أو تعثرت، وامتلأت خزانات المصانع، وتراجعت مشترياتها من المحاصيل، بينما واجه آلاف المزارعين خطر تلف ثمارهم قبل بيعها.
وفي هذه المسافة بين الحقول والأسواق، تكشف ظاهرة النينيو وجهًا آخر للجفاف في إندونيسيا؛ إذ يمكن لمحصول نضج في موعده أن يصبح عبئًا على صاحبه، حين تتعطل الطرق التي اعتاد أن يسلكها إلى المشترين.
أربعة أيام من الانتظار
كان سوبيندي يأمل أن ينتهي مشواره إلى مصنع مولتي بريما إنتاكاي بمدينة سانجاو ببيع الثمار قبل تراجع جودتها. غير أن المصنع كان يواجه أزمة من نوع آخر؛ فالزيت المنتج تكدس في خزاناته، والشحنات المنتظرة لم تجد طريقها إلى خارج المنطقة.

ومع استمرار الانتظار، أصبح مصير المحصول الذي جاء به المزارع مرتبطًا بمخزون لا يستطيع المصنع تصريفه. وبعد رفض استلام الثمار، تجلَّى مأزق سوبيندي في سؤال مؤلم ببساطته: ما قيمة حصاد اكتمل، إن لم يجد من يشتريه؟
ولم تكن معاناته حالة منفردة؛ إذ وجد آلاف المزارعين الصغار في كاليمانتان الغربية أنفسهم أمام محاصيل سريعة التلف ومشترين قلَّصوا الكميات التي يستطيعون استقبالها، لكن كيف وصلت أزمة مياه النهر إلى محصول جرى حصاده بالفعل؟
نهر تنحسر مياهه
يمتد نهر كابواس لمسافة 1143 كيلومترًا، ليكون أطول أنهار إندونيسيا وأحد الشرايين Home لحركة البضائع في كاليمانتان الغربية.
ولسنوات، حملت مياهه الصنادل النهرية الناقلة لزيت النخيل من المصانع إلى وجهاتها التجارية. لكن مع استمرار موجة الجفاف، تراجعت المياه وظهرت ضفاف رملية أعاقت الملاحة، حتى جنحت بعض الصنادل والقاطرات النهرية.

وترتبط هذه الظروف بتأثيرات ظاهرة النينيو، التي تنشأ مع ارتفاع حرارة مياه أجزاء من المحيط الهادئ الاستوائي، وتؤثر في أنماط الرياح والأمطار بمناطق مختلفة من العالم، ومنها جنوب شرق آسيا.
وفي إندونيسيا، صاحب الجفافَ اشتدادُ حرائق الغابات في بورنيو وسومطرة، بينما امتد الدخان إلى مناطق خارج البلاد، منها ماليزيا وسنغافورة.
وبحسب هيئة الأرصاد الجوية الإندونيسية، كان من المتوقع تأخر بداية موسم الأمطار إلى نوفمبر بدلًا من أكتوبر، ما يعني استمرار الضغوط على النهر والأنشطة المعتمدة عليه.
ولفهم الخلفية المناخية لهذه التطورات، تناولت Earth Guards Foundation في مقال سابق: هل تدفع ظاهرة النينيو العالم نحو موجة جديدة من الجفاف والحرائق؟، وهي تأثيرات تختلف شدتها من منطقة إلى أخرى.
مصانع تختنق بالمخزون
تكمن خصوصية أزمة كاليمانتان الغربية في اعتماد صناعة زيت النخيل على النقل النهري؛ إذ يمر نحو 40% من إنتاج المقاطعة عبر نهر كابواس، وفق بيانات الجمعية الإندونيسية لزيت النخيل.
ومع استمرار موجة الجفاف الناتجة عن ظاهرة النينو، تعطلت حركة الشحن، وتراكم الزيت داخل خزانات المصانع، فلم تعد قادرة على مواصلة شراء ثمار جديدة بالمعدلات المعتادة.
وبحسب أريس سوبراتمان، رئيس فرع الجمعية الإندونيسية لزيت النخيل في كاليمانتان الغربية، فقد تضرر 13 مصنعًا من أصل 50 مصنعًا في المقاطعة جراء تعطل النقل النهري.

وتكتسب هذه الأضرار أهمية خاصة لأن المصانع المتضررة تستحوذ مجتمعةً على نحو نصف الطاقة الإنتاجية المخصصة لمعالجة ثمار النخيل في المقاطعة.
وفي مصنع مولتي بريما إنتاكاي الذي قصدَه سوبيندي، بلغ مخزون زيت النخيل الخام نحو 8200 طن مطلع أكتوبر، مقتربًا من السعة القصوى للخزانات البالغة 8500 طن. كما تراجعت مشتريات المصنع من الثمار الطازجة إلى 10 آلاف طن في سبتمبر، بعدما عالج نحو 30 ألف طن في يوليو.
وهكذا، بينما بقيت ثمار المزارعين تنتظر من يشتريها، بقي الزيت حبيس خزانات المصانع؛ وبين المحصول والمخزون، كان النهر المنحسر يعطل حركة الجميع.
المزارعون يدفعون الثمن
امتدت الأزمة إلى مزارعين حاولوا الSearch For مشترين في مناطق أبعد، حتى لو اضطروا إلى قطع مسافات أطول وقبول أسعار أقل.
ومن بينهم رحمت ويونو، البالغ من العمر 63 عامًا، الذي واجه صعوبات في بيع محصوله على مدار شهرين. وبعدما كان يقطع ثلاث ساعات للوصول إلى المصنع الذي اعتاد بيع محصوله إليه مقابل 3400 روبية إندونيسية للكيلوجرام، اضطر أحيانًا إلى القيادة ست ساعات بحثًا عن مشترٍ آخر، ليجد نفسه أمام سعر أقل يبلغ 2650 روبية للكيلوجرام.
ولم تكن خسارة البيع نهاية المتاعب بالنسبة إلى الأسر الزراعية؛ فثمن المحصول الذي ينتظره المزارع اليوم هو نفسه المال الذي يحتاج إليه غدًا لشراء الأسمدة والعناية بالأشجار والاستعداد لحصاد جديد.
ويقول إندرا روستاندي، أحد ممثلي صغار المزارعين في كاليمانتان الغربية، إن تراجع الإيرادات دفع بعضهم إلى تقليص استخدام الأسمدة بنسب وصلت إلى 70% لتوفير النفقات.
واضطرت أسر أخرى إلى الSearch For مصادر دخل إضافية، من بينها إعداد الكعك والمخبوزات وبيعها. لتكشف لنا كل هذه التفاصيل أن الجفاف قد يترك أثرًا اقتصاديًا ممتدًا حتى بعد عودة الأمطار؛ لأن تعثر بيع المحاصيل يضعف قدرة المزارعين على تمويل إنتاجهم اللاحق.
الطريق البديل أكثر كلفة
لجأت بعض المصانع إلى الشاحنات بوصفها بديلًا للنقل النهري، لكن الطريق البري لم يكن قادرًا على تعويض الصنادل النهرية بالكامل.
فالشاحنات تنقل كميات أصغر، وأعدادها المتاحة محدودة، فضلًا عن ارتفاع تكلفتها. ووفق مدير مصنع “مولتي بريما إنتاكاي” ديان كورنياوان، كانت المنشأة تستطيع نقل نحو 2000 طن خلال أربعة أيام باستخدام المسار المعتاد، بينما قد لا يتجاوز النقل بالشاحنات 100 طن يوميًا.

كما أشار أيضًا إلى أن تكلفة الشحن البري تبلغ نحو ثلاثة أضعاف تكلفة النقل عبر النهر.
وهنا تظهر قيمة البنية التحتية القادرة على الصمود، وهي إحدى القضايا التي تتناولها الغاية 9.1 من الهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، إذ تدعو إلى تطوير بنية تحتية موثوقة ومستدامة وقادرة على الصمود.
وهكذا امتد أثر ظاهرة النينيو من النهر إلى دخل الأسر الزراعية؛ فتعثّر بيع المحاصيل يقلص الأموال المتاحة للعناية بالأشجار، وقد يترك آثارًا تتجاوز موسم الجفاف نفسه.
أزمة تتجاوز المقاطعة
تنتج كاليمانتان الغربية نحو 11% من زيت النخيل الإندونيسي، في بلد يُعد أكبر منتج لهذا الزيت في العالم.
ومع استمرار تأثيرات ظاهرة النينيو، توقع محللون انخفاض إنتاج زيت النخيل في بورنيو الإندونيسية خلال الربع الأخير من عام 2026 بنسبة تتراوح بين 12% و15%.
كما خفضت الجمعية الإندونيسية لزيت النخيل توقعاتها للإنتاج الوطني خلال العام بنسبة 2.9%، في ضوء تأثير الظروف الجافة على نضج الثمار والأنشطة المرتبطة بإنتاجها.
وتشير هذه التقديرات إلى أن الأزمة التي بدأت بتعثر الشحن على نهر كابواس قد تمتد إلى إنتاج زيت النخيل على نطاق أوسع، لتكشف هشاشة سلاسل الإمداد حين تعتمد على مسارات نقل تتأثر بشدة بتقلبات المناخ.
حين يصبح التكيف ضرورة
إذا كانت ظاهرة النينيو قادرة على إعاقة وصول المحاصيل إلى الأسواق، فكيف يمكن للمجتمعات الزراعية الاستعداد لمواسم الجفاف قبل أن تجد أرزاقها رهينة لتقلبات الطقس؟
يفتح هذا السؤال مجالًا للنظر في الغاية 13.1 من الهدف الثالث عشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالعمل المناخي، التي تستهدف تعزيز القدرة على الصمود أمام الأخطار المرتبطة بالمناخ والكوارث الطبيعية.
وفي كاليمانتان الغربية، توضح الأزمة أهمية تحسين الاستعداد لتقلبات الأمطار، وتطوير خطط النقل البديلة، ومراعاة أوضاع المزارعين الصغار الذين يصعب عليهم تحمل فترات طويلة من توقف الشراء.
وتبرز هذه الأزمة أهمية النظرة التي تتبناها Earth Guards Foundation للاستدامة، بوصفها مسارًا يجمع بين حماية البيئة وصون سبل العيش. فالتكيف مع المخاطر المناخية يتطلب إدارة الموارد الطبيعية، إلى جانب تعزيز قدرة المزارعين على إيصال محاصيلهم إلى الأسواق، وضمان استمرارية الإنتاج عبر بنية تحتية أكثر قدرة على مواجهة فترات الجفاف.
وتبقى ظاهرة النينيو اضطرابًا مناخيًّا طبيعيًّا تتفاوت تأثيراته من عام إلى آخر؛ لذلك فإن الاستعداد لها يتطلب فهم المخاطر المحلية، دون افتراض أن كل أزمة جفاف تحمل الأسباب أو النتائج نفسها.
أما سوبيندي، الذي قضى أربعة أيام أمام المصنع قبل أن يعود دون بيع محصوله، فقد وجد نفسه في نهاية الأزمة أمام سؤال أبسط من حسابات الإنتاج والشحن: أين يبيع ثمارًا نجح في زراعتها وحصادها؟
فحين ينحسر النهر، قد تتوقف السفن عن الحركة، لكن الخسارة الحقيقية تبدأ عندما تتوقف معها قدرة المزارع على كسب رزقه.




