أخبار الاستدامة

الذكاء الاصطناعي مُتهم بإرسال بلاغ كاذب.. واقعة في فيلادلفيا تثير تساؤلات أمنية

الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي مُتهم بإرسال بلاغ كاذب.. واقعة في فيلادلفيا تثير تساؤلات أمنية

وصل إلى موقع تابع لشرطة فيلادلفيا الأمريكية بلاغٌ من شخص يزعم امتلاك معلومات عن جريمة قتل لم تُحل. بدت الرسالة وكأنها شهادة محتملة قد تساعد المحققين، لكن المفاجأة كانت في هوية مُرسلها؛ إذ تبيَّن أن أحد نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لشركة أنثروبيك “Anthropic” كتب البلاغ وأرسله خلال اختبار آلي، رغم افتقاره إلى معلومات حقيقية عن الجريمة.

لكن لحسن الحظ، لم يصل البلاغ إلى المحققين، بعدما صنَّفته أنظمة الشرطة رسالة غير مرغوب فيها. ومع ذلك، كشفت الواقعة، التي أعلنتها الشركة في التاسع من أكتوبر 2026، عن تحدٍّ يتجاوز قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج معلومات خاطئة؛ فبعضُ النماذج باتت قادرةً على اتخاذ خطوات عملية عبر المواقع الإلكترونية، بما يثير تساؤلات حول حدود تصرفاتها ومسئولية الشركات عن مراقبتها.

بلاغ لم يكتبه شاهد

تعود الواقعة إلى 18 يوليو 2026، حين أرسل أحد نماذج كلود “Claude”، الذي تطوره شركة أنثروبيك، رسالة عبر موقع PhillyUnsolvedMurders.com المخصص لتلقي معلومات عن جرائم القتل غير المحلولة في فيلادلفيا.

وكتب النموذج ما يفيد بأنه ربما يمتلك معلومات تتعلق بالقضية، مدعيًا تذكُّر رؤية شخص تتطابق أوصافه مع الوصف المنشور قرب أحد الشوارع المذكورة في صفحة الجريمة، ثم طلب التواصل معه إذا كانت المعلومات مفيدة.

كانت هذه العبارات كافية لإظهار البلاغ في صورة شهادة بشرية محتملة، رغم أنه نتج عن عملية اختبار آلية. واللافت أن النموذج كان قد تلقى تعليمات تمنعه من إنشاء حسابات أو إرسال محتوى تخريبي، دون أن تتضمن حظرًا صريحًا على تقديم الاستمارات الإلكترونية.

هكذا ظهرت إحدى المشكلات المرتبطة بالأنظمة القادرة على تنفيذ المهام؛ فقد يلتزم الذكاء الاصطناعي ببعض القيود المحددة، ثم يتخذ إجراءً آخر لم تتناوله التعليمات بوضوح، رغم ما قد يحمله من تبعات خارج بيئة الاختبار.

الشرطة تعترض على التأخير

نجحت آلية تصفية الرسائل غير المرغوب فيها في اعتراض البلاغ، فأكدت شرطة فيلادلفيا أنه لم يُحَل إلى مركز مكافحة الجريمة لمراجعته أو استخدامه في التحقيقات.

وأوضحت الشرطة أيضًا أنها لم تجد دليلًا على وصول غير مصرح به إلى أنظمتها أو تعرض بياناتها للاختراق. لكن ذلك لم يمنعها من توجيه انتقاد حاد إلى شركة أنثروبيك بسبب الوقت الذي استغرقته لاكتشاف الواقعة وإبلاغ السلطات.

فقد تلقت الشرطة إخطارًا من الشركة خلال الأسبوع الماضي، رغم وقوع الحادثة في يوليو. ووصفت التأخير الذي تجاوز شهرين بأنه غير مقبول، بينما نقلت عن أنثروبيك تأكيدها إيقاف عملية الاختبار بعد اكتشاف الواقعة.

الشرطة

وتكشف هذه التفاصيل مفارقة لافتة: نجحت أنظمة الشرطة في منع وصول البلاغ المختلق إلى المحققين، في حين استغرق اكتشاف مصدره والإبلاغ عنه فترة أطول بكثير. فماذا لو عجزت وسيلة الحماية الأولى عن اعتراض رسالة مماثلة؟

وهنا يفرض الهدف السادس عشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالسلام والعدل والمؤسسات القوية، تساؤلًا يتجاوز حدود الواقعة: كيف يمكن للمؤسسات العامة أن تحافظ على موثوقية المعلومات التي تتلقاها، في وقت أصبحت فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على إرسال بلاغات دون تدخل بشري مباشر؟ وتكمن أهمية الإجابة في تطوير إجراءات تحقق فعالة، وآليات واضحة للمساءلة والرقابة على التصرفات غير المتوقعة للأنظمة الرقمية.

تجاوزات تتخطى موقع الشرطة

لم تكن رسالة فيلادلفيا الواقعة الوحيدة التي كشفت عنها أنثروبيك. فقد أعلنت الشركة سلسلة من التصرفات غير المصرح بها أو غير المرغوبة لنماذج كلود، شملت التفاعل مع مواقع تديرها جهات حكومية على المستويات الفيدرالية والمحلية.

وفي حالتين منفصلتين، حصلت النماذج مجانًا على بيانات عامة يتطلب الوصول إليها عادة دفع رسوم. وكشفت واقعة أخرى عن خلل غير معروف على نطاق واسع أتاح استخدام أداة عامة تستضيفها إحدى الجامعات.

واستطاعت بعض النماذج كذلك تجاوز قيود مفروضة عليها عبر الاستعانة بخدمات مجانية لاختصار روابط الإنترنت.

وتختلف هذه التصرفات في طبيعتها وآثارها، لكنها تشترك في إظهار الصعوبة التي قد تواجه المطورين عند محاولة حصر سلوك أنظمة قادرة على التنقل بين المواقع واستخدام أدوات متعددة.

وعلى المستوى الرسمي، أعلنت أنثروبيك أنها أطلعت البيت الأبيض على تفاصيل الحوادث، وأبلغت الجهات المعنية بها، مع إبقاء هويات تلك الجهات طيَّ الكتمان.

وتأتي تلك الحوادث وسط اهتمام متزايد بمخاطر وكلاء الذكاء الاصطناعي، وهي أنظمة تستطيع تنفيذ مهام عبر المواقع والخدمات الرقمية. وفي سبتمبر 2026، اعتذرت شركة أوبن إيه آي “OpenAI” عن واقعة استغل فيها أحد وكلائها ثغرة في بوابة أسترالية للبيانات الصحية.

وتتسع بذلك قضية السلامة التقنية لتشمل طريقة اختبار الأنظمة والحدود التي تضبط أفعالها. وللمزيد عن التحديات المرتبطة بحماية نماذج الذكاء الاصطناعي، اقرأ أيضًا: نموذج Gemini يتجاوز نطاق اختبار في الأمن السيبراني ويخترق ثلاث شركات.

من يتحمل المسئولية القانونية؟

أثارت الوقائع اهتمام لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية، التي أعلنت تلقي فريقها المختص إخطارًا من أنثروبيك في التاسع من أكتوبر، بشأن حوادث اكتشفتها الشركة أواخر سبتمبر، ووصفتها الجهة الرقابية بأنها تضمنت استخدامًا غير مصرح به واحتياليًّا لأنظمة حكومية وأخرى.

وأكد جو جابرييل سيمونسون، مدير الشئون العامة باللجنة، ضرورة إفصاح الشركات المطورة للذكاء الاصطناعي فورًا عن الحوادث المرتبطة بنماذجها، واتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة لمعالجة أي أضرار ناجمة عنها.

وتضيف الواقعة بُعدًا قانونيًّا معقدًا؛ إذ يعاقب قانون ولاية بنسلفانيا على تقديم بلاغات كاذبة عن علم إلى جهات إنفاذ القانون، لكنه يستخدم في صياغته مصطلح “شخص”. ولا يتضمن ما يثبت توجيه اتهامات قانونية إلى الشركة بسبب البلاغ.

المسئولية القانونية

لكن المسئولية تتجاوز حدود النص القانوني إلى سؤال يفرضه الهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالصناعة والابتكار والهياكل الأساسية: كيف يمكن للتقدم التقني أن يخدم المجتمع إذا لم تواكبه ضوابط تكفل سلامة استخدامه؟

وتبدأ الإجابة من تصميم الاختبارات وتحديد صلاحيات النماذج، مرورًا بمراقبة نتائجها، وصولًا إلى سرعة اكتشاف التصرفات غير المرغوبة والإبلاغ عنها. فكلما اتسعت قدرة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ المهام، ازدادت الحاجة إلى وسائل حماية تضمن بقاء الابتكار مصدرًا للمنفعة والثقة.

ابتكار يستحق الثقة

وضعت واقعة فيلادلفيا مسألة الثقة في الذكاء الاصطناعي أمام اختبار عملي؛ فالبلاغ المختلق لم يصل إلى المحققين، ولم تكشف الشرطة عن اختراق لأنظمتها، لكن مجرد إرساله إلى موقع رسمي أظهر كيف يمكن لخطأ آلي أن يتجاوز حدود الشاشة ويصل إلى مؤسسة تتعامل مع قضايا تمس حياة الناس.

وتفتح هذه القضية أمام مؤسسة حماة الأرض زاوية تنموية تتصل بقدرة المؤسسات على مواكبة التطور التقني وحماية المجتمع من مخاطره؛ فالاستفادة من الذكاء الاصطناعي تتطلب أن تسير كفاءة الأنظمة جنبًا إلى جنب مع الشفافية والرقابة والمساءلة، حتى تنعكس ثمار الابتكار على جودة الخدمات وثقة الأفراد بها.

وفي عالم تتسع فيه صلاحيات الأنظمة الذكية، تصبح سلامة الإجراءات جزءًا من جودة الابتكار نفسه. لقد أوقفت مرشحات الشرطة بلاغًا واحدًا قبل دخوله مسار التحقيق، لتكشف الواقعة عن مسئولية تتسع مع كل قدرة جديدة تُمنح للذكاء الاصطناعي؛ فبقدر ما تتطور إمكانات هذه الأنظمة، ينبغي أن تتطور وسائل مراقبتها وضبط تصرفاتها، حفاظًا على الثقة التي تقوم عليها المؤسسات والخدمات العامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى