علوم مستدامة

بعد الهجوم الإلكتروني والتضخم الاقتصادي المكتبة البريطانية تعرض قاعاتها للتأجير

التضخم الاقتصادي

بعد الهجوم الإلكتروني والتضخم الاقتصادي المكتبة البريطانية تعرض قاعاتها للتأجير

التضخم الاقتصادي هو ارتفاع مستمر في الأسعار، يُضْعف القوة الشرائية للمال، وأزمة المكتبة البريطانية مثال حي عليه على هذا: منحة حكومية ثابتة تشتري كل عام أقل من سابقه؛ فتتراجع احتياطيات المكتبة من حوالي 63 مليون دولار إلى 41 مليون دولار.

وبسبب ذلك التضخم الاقتصادي قررت المكتبة البريطانية تأجير ثلاث قاعات من قاعاتها المعدة للاطلاع والبحث، لتكون مساحة عمل مدفوعة بدءًا من عام 2028. وذلك ما تناقشه معكم مؤسسة حماة الأرض في هذا المقال، وسوف تقرأ هذه الخبر بعين الاقتصاد العالمي، ووفق أهداف التنمية المستدامة؛ فتابعوا القراءة.

ما هو التضخم الاقتصادي؟

إنَّ التضخم الاقتصادي قوة تعيد تشكيل ما تستطيع المدارس والمستشفيات والمكتبات تقديمه إلى جميع أفراد المجتمعات، أو هو الارتفاع العام والمستمر في أسعار السلع والخدمات؛ إذْ يشتري المبلغ نفسه كمية أقل مما اشتراه قبل عام. وغالبًا ما يصيب التضخم الاقتصادي المؤسسات، وكذلك يصيب الأسر، حين يتباطأ النمو الاقتصادي.

ماذا أعلنت المكتبة البريطانية بالضبط؟

في هذا الصدد أعلنت المكتبة البريطانية منذ أيامٍ عن خطة لتحويل قاعات القراءة المخصصة للعلوم التطبيقية والعلوم الاجتماعية إلى مساحة عمل مدفوعة. وهي ثلاث قاعات من أصل 11 قاعة في مقرها اللندني، وستُفتح أمام الشركات والعاملين المستقلين عام 2028.

ماذا أعلنت المكتبة البريطانية بالضبط؟

وقد جاء الإعلان في رسالة إلكترونية دورية إلى القرَّاء، بين أخبار تحديث الخدمات وإعادة تشغيل الأنظمة. وفي سطر واحد منها كشفت المكتبة عن أنها ستبدأ خلال عامٍ تقريبًا بإتاحة مساحة عمل مرنة تولِّد مصدرَ دخلٍ جديدًا.

تفاصيل المساحة الجديدة

ستكون المساحة مجهزة تقنيًّا ومتاحة للإيجار للعمل المشترك والتعاون والاجتماعات. ولتبرير الخطوة الجديدة قال متحدث باسم المكتبة: «إنَّ الخطوة جزء من استراتيجية تنمية المعرفة، وهي برنامج يمتد ستةَ أعوامٍ؛ لوضع المكتبة على أساس مالي أكثر استدامة».

أين يظهر أثر التضخم هنا؟

لقد خلُص مجلسُ إدارةِ المكتبة البريطانية إلى أنَّ ضغطَ التكلفة المتزايدة وتراجعَ المنحة الحكومية يفرضانِ -على المدى الطويل- الانتقال سريعًا إلى نموذج مالي يقلص الاعتماد على التمويل العام؛ أي أنَّ المطلوب هو زيادة التمويل التجاري والخيري والبحثي، حتى يمكن مواصلة تقديم الخدمات الأساسية مجانًا.

الهجوم الإلكتروني

وبالرجوع إلى الوراء قليلًا نجد أنَّ المكتبة البريطانية قد عانت تبعاتِ الهجوم الإلكتروني، الذي أصاب كثيرًا من مواردها البحثية الرقمية عامَ 2023، حيث أضرَّ الاختراقُ -بحسَب بيانات الأكاديمية البريطانية- من احتياطيات المكتبة ومن قاعدة مستخدميها.

الهجوم الإلكتروني

نزاع الأجور وتغيير القيادة

ثم جاء نزاع الأجور، حين شارك 292 موظفًا في الإضراب، قبل التوصل إلى تسوية مع النقابات المختصة في يناير الماضي، وذلك إلى جانب مغادرة الرئيسة التنفيذية “ريبيكا لورانس” منصبها بعد أقل من عام؛ في منتصف الإضراب تقريبًا.

الأصوات المعترضة

حول ذلك التحول في المكتبة البريطانية التاريخية عبَّر “سايمون هارلي” الزميل المشارك في الجمعية الملكية للتاريخ، عن قلقه من أنَّ المكتبة تشرع في خطة طويلة الأمد، فيما لم تعد خدماتها بعدُ إلى مستواها الذي كان موجودًا قبل الهجوم الإلكتروني.

وأمَّا “جون مورز جيمس كروسلاند” أستاذ التاريخ الدولي في جامعة ليفربول، فقد رأى أنَّ المكتبة تسير منذ الهجوم في طريقِ تَرَدٍّ متواصل للخدمة. وكذلك وصف “جورجي كانتور” -زميل التاريخ القديم في جامعة أكسفورد- خططَ فرض الرسوم بأنها خطة مروعة تمامًا.

الأصوات المعترضة

الأصوات المتفهمة

في الجهة المقابلة ذهبت “مارجو فين” نائبة رئيس الأكاديمية البريطانية لشئون البحث وسياسات التعليم العالي، إلى أنَّ المشكلة الجوهرية هي تكلفة الاختراق الإلكتروني وتبعاته. وهي التي قالت: «إنَّ السعي إلى دخل من قاعة واحدة قد يكون ضروريًّا للبقاء، ما دام الموظفون المتخصصون ينقلون إلى قاعات قائمة».

ولم يشارك “بيتر ماندلر” -أستاذ التاريخ الثقافي الحديث الفخري في جامعة كامبريدج- المعترضين مخاوفهم؛ فقد قال: «إنه لم يفهم يومًا حاجة العلوم الاجتماعية إلى قاعة مستقلة، وإنَّ القاعة -عادة- قليلة الرواد».

ماذا يعني هذا تنمويًّا؟

إنَّ هذه القصة -قصة تأجير قاعات المكتبة البريطانية- تمس عددًا من أهداف التنمية المستدامة، وأوضحها الهدفانِ 4 (التعليم الجيد) و10 (الحد من أوجه عدم المساواة)؛ لأنَّ نقل قاعات مجانية إلى الاستخدام المدفوع قد يضيِّق الوصول إلى المعرفة. وكذلك يمكن أنْ يتأثر الهدفانِ 8 و9 بضغط الأجور وتكلفة الهجوم الإلكتروني.

ماذا نتعلم من هذا الربط؟

وعلى ذلك فإنَّ الدرس الأول الذي يجب أنْ نتعلمه هنا، هو أنَّ التمويل المستدام جزء من الاستدامة نفسها؛ فالمكتبة البريطانية تتحرك لتقليص الاعتماد على التمويل العام، لكنها تفعل ذلك بين نارين:

  • حمايةُ مجانيةِ الخدمات
  • الاعتماد على مسار تجاري

والدرس الثاني الذي علينا أنْ ننتبه له، هو أنَّ تنويع الدخل ليس شرًّا في ذاته، وهو تنويع قد يصبح مقبولًا حين تُحمى الوظيفة العامة بضمانات معلنة، وشفافية مطلقة، دون التعرض لمعايير المساواة بين فئات المجتمع، لا سيما في قطاع معرفي تنتمي إليه المكتبة البريطانية العريقة.

في الختام فإنَّ هذا القصة تُظهر -بحسَب رأي مؤسسة حماة الأرض– مفارقة تستحق التأمل؛ فالمكتبة البريطانية تُسعِّر ما كان يجري مجانًا في ردهاتها، ولهذا يبدو القرار منطقيًّا ومقلقًا في آنٍ معًا؛ فمن ناحية يعكس محاولةً لتحقيق الاستدامة المالية للمؤسسات العلمية، ومن ناحية أخرى يطرح تساؤلًا حول قدرة المعرفة على البقاء متاحةً للجميع؛ وهو ما يستدعي التطبيق العادل للهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة: التعليم الجيد، الذي يؤكد أهميةَ الوصول إلى مصادر المعرفة والتعلُّم مدى الحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى