فيضانات إسطنبول تحصد 4 أرواح.. أمطار غزيرة تكشف تحديات المدن الكبرى

فيضانات إسطنبول تحصد 4 أرواح.. أمطار غزيرة تكشف تحديات المدن الكبرى
جرفت المياه السيارات إلى أسفل المنحدرات، وغمرت المنازل والمتاجر والطرق، بعدما تعرضت مدينة إسطنبول التركية لأمطار استثنائية خلَّفت أربعة قتلى وأضرارًا واسعة. وفي مدينة يسكنها نحو 16 مليون شخص، اجتاحت فيضانات إسطنبول الشوارع خلال ساعات، فحولتها إلى مسارات للسيول، بينما انشغلت فرق الطوارئ بإزالة آثار الكارثة ومساعدة السكان.
ووصفت السلطات تلك الفيضانات بأنها الأسوأ منذ عام 1942، بعدما تجاوزت كمية الأمطار التي هطلت خلال 48 ساعة المتوسطين التاريخيين لشهري سبتمبر وأكتوبر مجتمعين، وفقًا لما نقلته وكالة الأناضول التركية.
لكن الكارثة أثارت تساؤلات تتجاوز شدة الأمطار نفسها، لتشمل تأثير البناء قرب المجاري المائية، وقدرة البنية التحتية على استيعاب الهطول الغزير للأمطار، ومدى استعداد المدن الكبرى لمواجهة الظواهر الجوية المتطرفة، قبل أسابيع من استضافة تركيا مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ COP31.
فيضانات إسطنبول الأسوأ منذ 1942
شهدت إسطنبول أمطارًا غزيرة مساء الأربعاء 14 أكتوبر 2026، أدت إلى غمر مساحات من الشوارع والحدائق والمناطق السكنية، وجرف سيارات تراكم بعضها عند أسفل المنحدرات، وسط جهود واسعة للتعامل مع الأضرار.
وارتفعت حصيلة الوفيات إلى أربعة أشخاص بعد العثور، يوم الجمعة، على جثمان رجل يبلغ من العمر 66 عامًا أسفل جسر في منطقة ساريير، شمالي المدينة. وقد جاء هذا في أعقاب وفاة ثلاثة أشخاص لقو حتفهم في وقت سابق، بينهم مراهق توفي نتيجة صعق كهربائي خلال العاصفة.
وخلال زيارته حي أيازاغا، أحد المناطق المتضررة في ساريير، قال وزير الداخلية التركي مصطفى تشفتشي إن البلاد تواجه أكبر كارثة فيضانات تشهدها إسطنبول منذ عام 1942.
وبحسب الوزير، تلقت السلطات 9850 بلاغًا عن أضرار ومشكلات مرتبطة بالفيضانات، فيما شارك نحو 46 ألف فرد في إزالة المخلفات ومساعدة المتضررين والتعامل مع آثار الأمطار.

وتوضح حصيلة فيضانات إسطنبول أهمية الغاية 11.5 من الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالمدن والمجتمعات المحلية المستدامة، والتي تستهدف الحد من الوفيات وأعداد المتضررين والخسائر الاقتصادية المباشرة الناجمة عن الكوارث، ومنها الكوارث المرتبطة بالمياه. فهذه الأرقام تعكس مدى شدة الأمطار وحجم الأعباء التي يمكن أن تفرضها الكارثة على السكان والخدمات العامة.
وكان تشفتشي قد أعلن وجود أربعة مفقودين قبل العثور على الجثمان يوم الجمعة، ولذلك لا تمثل تلك الحصيلة بالضرورة العدد النهائي للمفقودين.
واستمرت المخاوف مع تحذير المديرية العامة للأرصاد الجوية من أمطار غزيرة وشديدة على إسطنبول وأربع محافظات مجاورة خلال عطلة نهاية الأسبوع، ما وضع فرق الاستجابة أمام احتمال استمرار الضغوط على المناطق المتضررة.
البناء قرب المجاري المائية
أعادت فيضانات إسطنبول تسليط الضوء على علاقة التخطيط العمراني بمخاطر الكوارث، خصوصًا بعد إثارة مخاوف بشأن التوسع في البناء بالقرب من المجاري المائية.
وخلال تفقد المناطق المتضررة، أكد وزير البيئة والتخطيط العمراني وتغير المناخ التركي مراد كوروم أهمية معالجة مشكلة البناء قرب المجاري، في إشارة إلى أحد التحديات التي تواجه المدن عند هطول أمطار شديدة.
وتزداد احتمالات تجمع مياه الأمطار عندما تتوسع الطرق والمباني والأسطح الخرسانية على حساب الأراضي القادرة على امتصاصها. ففي المناطق الطبيعية، يتسرب جزء من المياه إلى التربة، بينما يندفع قدر أكبر منها فوق الأسطح غير المنفذة نحو الشوارع والمناطق المنخفضة.
وإذا تزامن هذا التدفق مع محدودية قدرة شبكات التصريف أو وجود مبانٍ في مسارات المياه، فقد تتزايد أخطار الغمر والأضرار التي تصيب الممتلكات والبنية التحتية.
لكن هذه العلاقة العامة لا تعني أن التوسع العمراني كان السبب المثبت لكل الأضرار التي نتجت عن فيضانات إسطنبول؛ إذ يتطلب تحديد إسهام البناء وشبكات التصريف والتضاريس في الكارثة دراسات فنية تفصيلية.
ومن وسائل تقليل هذه المخاطر الحفاظ على المساحات الطبيعية التي تسمح بتسرب المياه، وتخصيص مناطق لاحتجاز مياه الأمطار، وتطوير البنية التحتية بما يتناسب مع طبيعة الأحياء المعرضة للغمر.
أين يظهر دور تغير المناخ؟
ربط الوزير مراد كوروم الفيضانات بتأثيرات تغير المناخ، مشددًا على ضرورة مواجهته، في وقت يتزايد فيه الاهتمام الدولي بالعلاقة بين ارتفاع درجات الحرارة والظواهر الجوية المتطرفة.
وعلميًّا، يستطيع الهواء الأكثر دفئًا حمل كميات أكبر من بخار الماء، ما قد يهيئ ظروفًا لهطول أمطار أشد كثافة عندما تتوافر العوامل الجوية المناسبة. غير أن تأثير الاحترار العالمي في الأمطار يختلف باختلاف المناطق والفصول والأنظمة المناخية.
ولهذا، لا يمكن الجزم بأن تغير المناخ تسبب مباشرة في فيضانات إسطنبول اعتمادًا على حجم الأمطار أو تصريحات المسئولين وحدها؛ فتحديد دوره في حدث معين يتطلب تحليلًا علميًّا يقارن احتمالات وقوع الحدث وشدته في ظروف مناخية مختلفة.
وتبرز هنا الغاية 13.1 من الهدف الثالث عشر من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالعمل المناخي، والمتعلقة بتعزيز القدرة على الصمود أمام الأخطار المرتبطة بالمناخ والكوارث الطبيعية. فحتى مع اختلاف أسباب الفيضانات من حدث إلى آخر، تستطيع المدن تقليل آثارها عبر نظم الإنذار المبكر وخطط الطوارئ وتطوير الخدمات الأساسية.
أسابيع تفصلنا عنCOP31
تكتسب الكارثة بُعدًا دوليًّا إضافيًّا مع استعداد تركيا لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ COP31 بمدينة أنطاليا، خلال الفترة من 9 إلى 20 نوفمبر 2026، برئاسة وزير البيئة مراد كوروم.
ويأتي المؤتمر بعد أسابيع من الفيضانات التي اجتاحت أكبر مدن البلاد، في توقيت يبرز الفجوة التي قد تفصل بين مناقشة أخطار المناخ على المستوى الدولي والاستعداد العملي لها داخل الأحياء والشوارع.

ولا تعني استضافة مؤتمر المناخ أن الدولة تستطيع منع الكوارث الطبيعية، لكنها تضع قضايا التكيف وتقليل الخسائر في دائرة اهتمام أكبر، خصوصًا في المدن ذات الكثافة السكانية المرتفعة.
وتوضح فيضانات إسطنبول أن حماية السكان من الأمطار الاستثنائية تتطلب إجراءات تمتد من مراقبة الطقس والإنذار المبكر إلى إدارة استخدامات الأراضي وصيانة البنية التحتية.
كيف تستعد المدن؟
تبدأ حماية المدن من الفيضانات بتحديد المناطق الأكثر عرضة لتجمع المياه، وتحديث خرائط المخاطر، ومراجعة أنماط البناء بالقرب من المجاري المائية والمنخفضات الطبيعية.
وتشمل الإجراءات المهمة كذلك صيانة شبكات تصريف مياه الأمطار، وإزالة العوائق التي تحد من تدفق المياه، وتوفير أنظمة إنذار مبكر تصل إلى السكان في الوقت المناسب، مع تحديد مسارات إخلاء واضحة للمناطق شديدة التعرض للخطر.
وتوفر تقنيات الاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجغرافية أدوات لرسم خرائط دقيقة لمخاطر الفيضانات، ومتابعة التغيرات في انتشار المياه، بما يدعم قرارات التخطيط والاستجابة المبكرة.
وهو ما تناوله بحث نشرته مؤسسة حماة الأرض بعنوان: استخدام تكنولوجيا الاستشعار من البعد ونظم المعلومات الجغرافية لتقييم خطر الفيضانات بجنوب جمهورية مصر العربية.
ولا تقل أهمية إدارة الاستجابة بعد وقوع الكارثة عن الوقاية منها؛ فسرعة وصول فرق الإنقاذ، واستمرار خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات، وتوفير المعلومات الدقيقة للسكان، كلها عوامل قد تحد من الخسائر عندما تتجاوز الأمطار قدرة البنية التحتية على الاستيعاب.
وختامًا، تطرح كارثة إسطنبول قضية تنموية تحظى باهتمام مؤسسة حماة الأرض في تغطيتها للمدن المستدامة والعمل المناخي؛ فحماية السكان تعتمد على قدرة المدن على الجمع بين التخطيط العمراني وإدارة المخاطر والاستجابة الفعالة للطوارئ.
فقد كشفت الأمطار الاستثنائية حجم الأضرار التي يمكن أن تصيب مدينة كبرى خلال وقت قصير، لكن الدرس الأهم يمتد إلى ما قبل العاصفة التالية. فكل قرار يتعلق بموقع بناء أو مسار للمياه أو شبكة تصريف يمكن أن يؤثر في قدرة المدينة على الصمود، ويحدد حجم الخسائر عندما تهطل الأمطار من جديد.




