هل تستطيع إدارة ترامب وقف أموال أقرها الكونجرس؟ 7 ولايات تلجأ للقضاء لحسم النزاع

هل تستطيع إدارة ترامب وقف أموال أقرها الكونجرس؟ 7 ولايات تلجأ للقضاء لحسم النزاع
تحول نحو 810 ملايين دولار من التمويل الفيدرالي إلى محور نزاع قضائي جديد في الولايات المتحدة، بعدما رفعت كاليفورنيا وست ولايات أخرى دعوى ضد إدارة ترامب، متهمة إياها بمحاولة وقف أموال سبق أن وافق الكونجرس على إنفاقها في برامج مرتبطة بالهجرة والتعليم وقضايا أخرى.
وتبدأ القضية من نقطة بسيطة: الكونجرس خصص الأموال وحدد أوجه إنفاقها، ثم تحركت الإدارة قبل أيام قليلة من نهاية السنة المالية لطلب إلغائها، مع حجب المبلغ لحين نظر الكونجرس في طلب الإلغاء.
وترى الولايات أن الرئيس تجاوز بذلك حدود سلطته وتدخل في قرار إنفاق يعود للكونجرس، بينما قال البيت الأبيض إن البرامج محل الاعتراض تدعم سياسات يرفضها في ملفات الهجرة والعرق والبيئة، وما زالت القضية أمام المحكمة، ولم يصدر حكم يحسم ما إذا كان تحرك الإدارة قانونيًّا.
كيف بدأت أزمة التمويل؟
كان الكونجرس قد وافق على الأموال ضمن اعتمادات فيدرالية مخصصة لبرامج محددة تشمل ملفات مثل البيئة والهجرة وغيرها. وموافقة الكونجرس هنا تعني منح الوكالات الحكومية سلطة قانونية لاستخدام تلك الأموال خلال الفترة المحددة لها.
وفي 25 سبتمبر الماضي، مع اقتراب نهاية السنة المالية -وهي مدة صلاحية الأموال- تحركت إدارة ترامب لطلب إلغاء هذا الجزء من التمويل، وهو ما أدى إلى حجبه خلال الفترة التي ينظر فيها الكونجرس في الطلب.
ومن هنا بدأ النزاع؛ فالولايات تقول إن الأموال كانت قد حصلت بالفعل على موافقة الكونجرس، وإن الإدارة لا تملك وقفها بمفردها قبل أن يقرر المشرعون ما إذا كانوا سيوافقون على إلغائها، خاصة أن الأموال كانت لا تزال صالحة للاستخدام حتى نهاية السنة المالية.
ماذا فعلت إدارة ترامب؟
استخدم البيت الأبيض آلية تعرف باسم الإلغاء في اللحظة Latest “Pocket Rescission”، وفكرتها ببساطة أن الرئيس يرسل إلى الكونجرس طلبًا لإلغاء أموال سبق أن أقرها الأخير، لكن الطلب يأتي في توقيت قريب جدًا من انتهاء صلاحية تلك الأموال.
وفي الحالة الحالية، كان موعد انتهاء صلاحية الأموال هو نهاية السنة المالية في 30 سبتمبر، بينما أرسلت الإدارة طلب الإلغاء في 25 سبتمبر، أي قبل الموعد بخمسة أيام فقط. وخلال هذه الأيام حُجبت الأموال، ما منع الجهات الفيدرالية من استخدامها قبل انتهاء صلاحيتها.

فإذا انتهت فترة صلاحية الأموال وهي ما تزال غير مرتبطة بمنحة أو عقد أو التزام قانوني، فلا يمكن استخدامها بعد ذلك لإنشاء التزامات جديدة. وهكذا يصبح التوقيت نفسه جزءًا من النزاع: قد تنتهي صلاحية الأموال قبل أن يحصل الكونجرس على الوقت الكافي لحسم طلب إلغائها.
وأوضح مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي “Government Accountability Office” (GAO) أن فترة نظر الكونجرس في طلب سبتمبر كانت ستمتد إلى 9 نوفمبر 2026 على الأقل، أي بعد انتهاء صلاحية الأموال في 30 سبتمبر. كما خلص إلى أن القانون لا يسمح للرئيس باستخدام طلب الإلغاء لإبقاء الأموال محجوبة حتى تنتهي صلاحيتها إذا لم يوافق الكونجرس على إلغائها.
لماذا تعترض الولايات؟
تقود كاليفورنيا الدعوى التي رُفعت أمام المحكمة الفيدرالية للمنطقة الشمالية من الولاية، وتقول الولايات إن الدستور يمنح الكونجرس ما يعرف بـ “سلطة الإنفاق”، أي إن المشرعين هم الذين يقررون تخصيص الأموال الفيدرالية والأغراض التي ستستخدم فيها.
ومن هذا المنطلق، ترى الدعوى أن حجب إدارة ترامب أموالًا خصصها الكونجرس يمس توزيع الصلاحيات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وقال المدعي العام في كاليفورنيا روب بونتا إن اعتراض الرئيس على برنامج معين لا يمنحه، من وجهة نظر الولاية، سلطة سحب التمويل الذي أقره الكونجرس. وتؤكد الدعوى أن النزاع يتعلق كذلك بالطريقة التي تُنفذ بها القوانين المالية بعد إقرارها.
ماذا يقول البيت الأبيض؟
قدم البيت الأبيض مبررًا مختلفًا لقرار إلغاء الأموال، قائلًا إن البرامج المستهدفة تدعم الهجرة غير القانونية، وتفاقم التوترات العرقية، وتروج ما وصفه بمقاربات مبالغ فيها تجاه القضايا البيئية.
وبذلك يختلف الطرفان على مستويين: مضمون البرامج نفسها، ومن يملك سلطة وقف الأموال التي سبق أن أقرها الكونجرس.
لماذا تتجاوز القضية 810 ملايين دولار؟
قيمة الأموال مهمة، لكن النزاع يطرح سؤالًا مؤسسيًّا أوسع: ماذا يحدث عندما يقرر الكونجرس تمويل برنامج، ثم ترفض السلطة التنفيذية الاستمرار في صرف الأموال المخصصة له؟
الإجابة ستحددها المحاكم في إطار القضية الحالية، لكن النقاش يعكس أهمية القواعد التي تنظم استخدام المال العام وتحدد المسؤولية بين المؤسسات.

ومن هنا يمنح الهدف السادس عشر للتنمية المستدامة، المعني بالسلام والعدل والمؤسسات القوية، القضية بعدًا يتجاوز السياسة الأمريكية اليومية؛ فالمؤسسات الفاعلة تحتاج إلى وضوح الصلاحيات، والمساءلة، وقدرة القرارات العامة على المرور عبر القنوات التي يحددها القانون.
فكيف تستقر البرامج التعليمية والاجتماعية والبيئية إذا أصبح الخلاف قائمًا حول الجهة التي تملك الكلمة النهائية في تمويلها؟
ولمعرفة كيف يرتبط التمويل بكفاءة المؤسسات والشفافية في إدارة الموارد، اقرأ: بين أزمة التمويل وضعف الحوكمة.. ما التحدي الحقيقي أمام التنمية المستدامة؟.
التمويل يحتاج قواعد مستقرة
تكشف القضية أن التمويل الفيدرالي يمثل أكثر من رقم في الموازنة؛ فأثره يظهر في البرامج والخدمات التي خصص الكونجرس الأموال لتنفيذها، وبالتالي تصبح منحًا وعقودًا والتزامات قابلة للتنفيذ.
ولهذا يصبح وضوح العلاقة بين الكونجرس والإدارة عنصرًا أساسيًّا في قدرة هذه البرامج على الاستمرار. فحين يخصص المشرعون الأموال ثم ينشأ خلاف حول تنفيذ القرار، تنتقل المسألة سريعًا من الموازنة إلى الحوكمة.
وتضع Earth Guards Foundation هذه القضية ضمن نقاش أوسع حول إدارة الموارد العامة؛ فالتنمية المستدامة تحتاج إلى تمويل، كما تحتاج إلى مؤسسات واضحة الصلاحيات وقواعد تضمن استخدام الأموال وفق القرارات المعتمدة وخضوع تلك القرارات للمساءلة.
ويبقى الحسم الآن أمام القضاء، بينما يضع النزاع سؤالًا واضحًا على الطاولة: إلى أي مدى تستطيع السلطة التنفيذية وقف أموال وافق الكونجرس بالفعل على إنفاقها؟




