الاستثمار الأجنبي يتجه نحو صناعات المستقبل ويهدد بتهميش الاقتصادات النامية

الاستثمار الأجنبي يتجه نحو صناعات المستقبل ويهدد بتهميش الاقتصادات النامية
ارتفع الاستثمار الأجنبي عالميًّا خلال عام 2025، لكن الزيادة تخفي تحولًا أكثر أهمية في حركة رؤوس الأموال، إذ أصبحت التدفقات أكثر تركُّزًا وانتقائية وارتباطًا بالصناعات التي ستحدد شكل النمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.
وتتجه الاستثمارات بصورة متزايدة إلى الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وأشباه الموصلات والمعادن الحرجة وتقنيات التحول في الطاقة والتصنيع المتقدم، بعد أن تحولت هذه القطاعات إلى بنية أساسية للتنافسية الاقتصادية والأمن الصناعي وسلاسل الإمداد.
ويمنح هذا الاتجاه أفضلية للدول التي تمتلك التكنولوجيا والمهارات والأسواق الكبيرة والبنية التحتية الموثوقة، بينما تواجه اقتصادات نامية كثيرة خطر الحصول على حصة محدودة من الاستثمارات أو الابتعاد عن سلاسل القيمة التي ستقود الإنتاج والتجارة والتنمية مستقبلًا.
ارتفاع الاستثمار الأجنبي يخفي تعافيًا غير متوازن
بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عالميًّا نحو 1.6 تريليون دولار خلال عام 2025، وفقًا لتقرير الاستثمار العالمي 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، لكن التعافي ظل هشًا ومتركزًا في الاقتصادات المتقدمة وعدد محدود من القطاعات كثيفة رأس المال والتكنولوجيا.
وقادت مراكز البيانات المشروعات الاستثمارية المعلنة، تلتها قطاعات النفط والغاز وأشباه الموصلات، في الوقت الذي سجلت فيه أجزاء من التصنيع والبنية التحتية والطاقة المتجددة نشاطًا أضعف.
وارتفعت قيمة مشروعات الاستثمار الجديدة المعلنة في القطاعات الاستراتيجية من 109 مليارات دولار عام 2020 إلى 576 مليار دولار عام 2025، بينما زادت حصتها من إجمالي الاستثمار الجديد عالميًّا من 16% إلى 44% خلال الفترة نفسها.
وتكشف هذه الأرقام أن النمو يتجه إلى الصناعات المرتبطة بالحوسبة والبيانات والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة، وهي مجالات تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة وقدرات فنية ومؤسسية يصعب توفيرها في عدد من الاقتصادات النامية.
رأس المال يتجه إلى قطاعات المستقبل
تحتاج تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى مراكز بيانات وقدرات حوسبية وبنية رقمية وشبكات طاقة مستقرة، بينما يعتمد التحول في الطاقة على المعادن الحرجة والبطاريات والشبكات الكهربائية والتقنيات النظيفة.
كما تتطلب صناعات أشباه الموصلات والمركبات الكهربائية والتصنيع المتقدم سلاسل إمداد أكثر أمانًا ومرونة، ما يدفع الحكومات والشركات إلى توجيه الاستثمار الأجنبي نحو الدول التي تمتلك الأسواق والمهارات والموارد الطبيعية والبنية الأساسية المناسبة.
ويأتي هذا التوجه متوافقًا مع الهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة المعني بالصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، وتحديدًا الغاية 9.2 الداعية إلى تعزيز التصنيع الشامل والمستدام، بما يعكس قدرة الاقتصادات على تحويل الاستثمارات إلى إنتاج وقيمة محلية.
لكن الاقتصادات منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا تستحوذ على نحو 10% فقط من الاستثمار الجديد في القطاعات الاستراتيجية، مقارنة بأكثر من 20% في القطاعات الأخرى، ما يشير إلى اتساع الفجوة بين الدول في الوصول إلى الصناعات المستقبلية.
السياسات الحكومية تمنح الاقتصادات الكبرى أفضلية
أصبح دور الحكومات أكثر تأثيرًا في تحديد المواقع التي تتجه إليها رؤوس الأموال، من خلال الحوافز والإعانات وشروط المحتوى المحلي وفحص الاستثمارات والترويج الموجه للمشروعات الاستراتيجية.
وسجل عام 2025 عددًا قياسيًّا من التدابير المرتبطة بسياسات الاستثمار، وظلت غالبية الإجراءات داعمة للمستثمرين، لكنها أصبحت أكثر تركيزًا على قطاعات وتقنيات ومشروعات بعينها. كما شكلت الحوافز نصف التدابير الإيجابية، بالتزامن مع توسع القيود المرتبطة بالأمن القومي وزيادة القيمة المحلية.
ويعكس هذا التحول انتقال السياسات من التركيز العام على انفتاح الأسواق إلى إدارة الاستثمار الأجنبي باعتباره أداة لتحقيق أهداف صناعية وتكنولوجية وأمنية محددة.

وتستطيع الاقتصادات الكبرى تقديم حزم تمويل ودعم واسعة لأشباه الموصلات والتكنولوجيا النظيفة والبنية الرقمية، اعتمادًا على قدراتها المالية وحجم أسواقها ومؤسساتها. أما الدول النامية، فتواجه قيودًا تجعل منافسة هذه الإعانات بصورة مباشرة خيارًا مرتفع التكلفة ومحدود النتائج.
وقد يؤدي استمرار السباق بهذه الصورة إلى جذب المشروعات نحو الاقتصادات التي تتمتع بالفعل بمزايا قوية، ما يعزز الفوارق Menu في التكنولوجيا والتصنيع والمهارات.
المسارات التقليدية للدول النامية تضيق
اعتمدت اقتصادات نامية كثيرة خلال العقود الماضية على التصنيع كثيف العمالة باعتباره نقطة دخول إلى سلاسل القيمة العالمية، مستفيدة من انخفاض تكاليف الإنتاج وتوفر القوى العاملة.
لكن هذا المسار أصبح أكثر صعوبة مع توسع الأتمتة، وزيادة أهمية القدرات الرقمية، وارتفاع متطلبات أمن سلاسل الإمداد، والقرب من الأسواق Home، والتوافق مع المعايير والقواعد التنظيمية.

وبذلك لم تعد العمالة منخفضة التكلفة وحدها كافية لجذب الاستثمار الأجنبي، إذ ينظر المستثمرون كذلك إلى استقرار إمدادات الطاقة وجودة البنية التحتية وتوفر المهارات وسرعة الإجراءات وشبكات الموردين المحليين.
ويرتبط تفاوت فرص الدول في جذب هذه التدفقات بـالهدف العاشر من أهداف التنمية المستدامة المعني بالحد من أوجه عدم المساواة، وخاصة الغاية 10.b التي تدعو إلى تشجيع التدفقات المالية، ومنها الاستثمار الأجنبي المباشر، نحو الدول الأكثر احتياجًا. ويقيس المؤشر 10b.1 إجمالي تدفقات الموارد من أجل التنمية بحسب الدول المستفيدة وأنواع التدفقات.
فرص واقعية داخل سلاسل القيمة الجديدة
لا يعني اتساع الفجوة غياب الفرص أمام الدول النامية، فإن كثيرًا منها يمتلك أصولًا مهمة تشمل المعادن الحرجة والطاقة المتجددة والقوى العاملة الشابة والأسواق الرقمية المتنامية والمنصات التجارية الإقليمية والقدرات الصناعية الناشئة.
لكن تحويل هذه الأصول إلى فرص قابلة للاستثمار يحتاج إلى أهداف واقعية. فليس مطلوبًا من كل اقتصاد بناء صناعة متكاملة لأشباه الموصلات أو استضافة أكبر مراكز البيانات، بينما يمكنه المشاركة في حلقات محددة من سلاسل القيمة.
وتشمل نقاط الدخول الممكنة معالجة المعادن، وتصنيع المكونات، والخدمات الرقمية، وصيانة البنية التحتية، وإنتاج معدات الطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، وإعادة التدوير، وإنشاء بنية تحتية قادرة على مواجهة آثار تغير المناخ.
كما يمكن ربط الحوافز المقدمة لجذب الاستثمار الأجنبي بنتائج تنموية واضحة، مثل تدريب العمال، ونقل التكنولوجيا، وتطوير الموردين المحليين، وزيادة القيمة المضافة، وتحسين الأداء البيئي.
ويتصل ذلك بـالهدف التاسع المعني بالصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، وتحديدًا الغاية 9.b المتعلقة بدعم التطور التكنولوجي والبحث والابتكار في الدول النامية.
التعاون يمنع تحول السباق إلى فجوة تنموية
تحتاج الدول إلى قواعد واضحة وإجراءات إدارية سريعة وآليات شفافة لإدارة المخاطر المتعلقة بالأمن والموارد والتقنيات الحساسة. ويمكن لنظم المراجعة Menu على تقييم المخاطر أن تحمي المصلحة العامة، مع الحفاظ على الوضوح والاستقرار أمام المستثمرين.
كما يساعد التعاون الإقليمي على تجاوز قيود حجم الأسواق، من خلال بناء بنية تحتية مشتركة وتوحيد المعايير وإنشاء ممرات صناعية وتجارية عابرة للحدود.
ويرتبط هذا المسار بـالهدف السابع عشر من أهداف التنمية المستدامة المرتبط بعقد Partnerships لتحقيق الأهداف، وخاصة الغاية 17.5 المتعلقة بتبني نظم تشجع الاستثمار في الدول النامية. ويرصد المؤشر 17.5.1 عدد الدول التي تعتمد وتنفذ أنظمة لتشجيع الاستثمار لصالح الدول النامية، ومنها الدول الأقل نموًا.
وفي هذا السياق، تشير Earth Guards Foundation إلى أن نجاح الاستثمار الأجنبي في دعم التنمية يعتمد على قدرته على بناء المهارات ونقل التكنولوجيا وتوسيع قاعدة الموردين وخلق قيمة اقتصادية محلية. فتوزيع الاستثمارات الاستراتيجية على عدد أكبر من الدول يعزز تنوع الاقتصاد العالمي ومرونته، ويمنح الاقتصادات النامية فرصة حقيقية للمشاركة في سلاسل القيمة التي ستقود النمو مستقبلًا.




