التصميم المستدام.. مسار جديد لمواجهة التلوث البلاستيكي

التصميم المستدام.. مسار جديد لمواجهة التلوث البلاستيكي
تتزايد أزمة التلوث البلاستيكي عالميًّا بوتيرة غير مسبوقة، في ظل استمرار تدفق ملايين الأطنان من النفايات إلى جميع الأنظمة البيئية، خاصة المحيطات. وبالرغم من الجهود المبذولة في مجالات إعادة التدوير وإدارة النفايات فإنَّ هذه الحلول لا تزال غير كافية للحد من حجم المشكلة.
لذا برزت في الآونة Latest دعوات إلى إعادة النظر في جذور الأزمة، من خلال التركيز على تصميم المنتجات البلاستيكية منذ أُولى مراحل تصنيعها حتى وجودها بين أيدي المستهلكين، بما يضمن تقليل آثارها البيئية على المدى الطويل، ويحقق هدفَي الصحة الجيدة والاستهلاك والإنتاج المسئولين.
وهذا توجه جذري في طريقة التعامل مع التلوث البلاستيكي، فقد صار العالم ينظر إلى هذه الأزمة على أنها مشكلة ذات أبعاد متشابكة ومرتبطة بكيفية إنتاج البلاستيك وطرق استخدامه؛ ولذلك يتناول هذا المقال تحديات هذه الأزمة، ودور “تصميم المنتجات” في مكافحة التلوث البلاستيكي.
تحديات الحلول التقليدية
تعتمد معظم الجهود الحالية لمواجهة التلوث البلاستيكي على تحسين إدارة النفايات وزيادة معدلات إعادة التدوير، إلا أنَّ هذه الحلول تواجه تحديات كبرى؛ إذْ لا تشمل عملياتُ إعادة التدوير سوى نسبة محدودة من البلاستيك على مستوى العالم، فيما يتم التخلص من الجزء الأكبر منه عبر الحرق أو الطمر، وذلك يؤدي إلى آثار بيئية وصحية خطيرة، خاصة في ظل ارتباط عمليات الحرق بانبعاثات ضارة.
كما أنَّ اختلاف أنظمة إدارة النفايات بين الدول يعمِّق من المشكلة، حيث تفتقر دول كثيرة إلى بنية تحتية قادرة على التعامل مع النفايات البلاستيكية بشكل فعال؛ أي أنَّ الاعتماد على الحلول التقليدية وحدها لنْ يكون كافيًا لمعالجة الأزمة؛ مما يستدعي الSearch For حلول أكثر شمولًا.

التصميم يكافح التلوث البلاستيكي
يُعد التصميم أحد أهم العوامل المؤثرة في مسار التلوث البلاستيكي؛ لأنه يمكن أنْ يحدد منذ البدء مدى قابلية المنتج لإعادة الاستخدام أو التدوير. ويكون هذا المفهوم -مفهوم تصميم المنتجات- على وفق معايير مهمة، هي:
- الضرورة
- السلامة
- الاستدامة
وهذه المعايير الثلاثة تضمن أنْ يكون إنتاج البلاستيك في الحالات الضرورية لا غير، وبطريقة تضمن سلامة الإنسان وبيئته، مع مراعاة كيفية التخلص منه في نهاية عمره الافتراضي؛ وحينئذٍ يمكن تحقيق الهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة، وهو الاستهلاك والإنتاج المسئولان.
وهذا الأسلوب المبتكر يكافح المشكلة وآثارها من جذورها بتصميم منتجات أقل تعقيدًا، وأكثر قابلية لإعادة التدوير؛ فيسهم هذا الأسلوب في تقليل حجم النفايات البلاستيكية بشكل ملحوظ.
إطارات السيارات ونموذج الميكروبلاستيك
من هذا المنطلق تبرز أمثلة من المنتجات التي يمكن أنْ نُطبِّقَ عليها عمليًّا أسلوب التصميم، وفي مقدمتها إطارات السيارات التي هي المصدر الرئيسي من مصادر الميكروبلاستيك (جسيمات صغيرة من البلاستيك).
وبما أنَّ إطارات السيارات مصدر واسع النطاق من مصادر الميكروبلاستيك فإنها مثال واضح على تلك التحديات المتشابكة مع ملف التلوث البلاستيكي وآثاره التي تصيب المحيطات والبحار بنحو 1.2 مليون طن سنويًّا، وهو أمر يعوق من تحقيق الهدف الرابع عشر: الحياة تحت الماء.

وبالرغم من أهمية إطارات السيارات في الحياة المعاصرة -خاصة مع غياب بدائل فعالة حتى الآن- فإنَّ تصميمها الحالي يسهم في انبعاث جزيئات دقيقة تؤثر سلبًا في البيئة. كما أنَّ الاختلاف الأشد يظهر في طريقة كل شركة من شركات التصنيع عند تركيب هذه الإطارات كيميائيًّا؛ فإنَّ مكوناتها لا تخضع لمعايير موحدة من حيث السلامة أو التأثير البيئي.
ومما سبق يظهر لنا أنَّ أمام أسلوب تصميم المنتجات بابًا واسعًا لتقليل هذا التأثير البيئي الخطير، عبر استخدام مواد أقل ضررًا، وتحسين خصائص الإطارات لتقليل تآكلها، وزيادة عمرها الافتراضي، بما يسهم في الحد من انبعاث الميكروبلاستيك، وذلك بالإضافة إلى ضرورة فرض معايير واضحة تتعلق بسلامة المواد المستخدمة؛ الأمر الذي يمكن أنْ يقلل من الأخطار الصحية والبيئية المرتبطة بها.
تصميم يراعي نهاية عمر المنتج
كذلك يتطلب الالتزام بمعايير الضرورة والسلامة والاستدامة تبني نهج ابتكاري في تصميم المنتجات البلاستيكية بمراعاة عمرها الافتراضي؛ فالأسلوب التقليدي هو أنَّ المصممين يطوِّرون منتجات تُصنع باستخدام عدد أقل من المواد الكيميائية، مع ضمان إمكانية إعادة تدويرها، غير أنهم لا يفكرون في مصير المنتجات أحادية الاستخدام بعد انتهاء عمرها الافتراضي؛ أي أنَّ دورهم منحصر في ضمان كفاءة المنتج وجاذبيته للمستهلك، فليس من الغريب في هذه الحالة أنْ نجد أنفسنا اليومَ أمام أزمة عالمية ناجمة عن التلوث البلاستيكي!
تحديات التوافق الدولي
ما سبق بيانه من تحديات يظل منحصرًا في عمليات التصنيع، فماذا عن السياسات الدولية؟ ذلك لأنَّ بعض الدول تدعو إلى تبني معايير صارمة، فيما تواجه هذه الجهود معارضة دول أخرى؛ وبسبب هذا تكون عملية التوصل إلى توافق عالمي شديدة التعقيد.

وفي هذا السياق نؤكد مدى أهمية أنْ تكون هناك آليات واضحة وفعَّالة لتطبيق معايير الاستدامة ذات الصلة، مثل:
- تصنيف المواد الضارة
- تحديد جداول زمنية للتخلص منها
- الاعتماد على توصيات علمية مستقلة
كما يمكن أنْ تسهم الاتفاقيات العالمية في تعزيز جهود مكافحة التلوث البلاستيكي، وهو ما سعت إليه الأمم المتحدة العامَ الماضي في مفاوضات جنيف، حيث أيدت أكثر من 100 دولة فرض قيود قانونية على إنتاج البلاستيك، فيما دعت دول نفطية إلى التركيز على مفهومَي “إعادة التدوير” و”تصميم المنتجات” بدلًا من تقييد الإنتاج نفسه.
وفي الختام، تعكس أزمة التلوث البلاستيكي مدى حاجتنا إلى إعادة التفكير في الطريقة التي يُنتَجُ بها البلاستيك وكذلك طريقة استخدامه، وهو ما يطرح على عمليات التصنيع والمؤسسات والدول ضرورة مراعاة أسلوب “تصميم المنتجات”؛ ذلك الأسلوب الذي يمكنه معالجة المشكلة من جذورها، بدلًا من التعامل مع آثارها فقط.
لذلك تؤكد Earth Guards Foundation أنَّ تحقيق تقدم حقيقي في مواجهة التلوث البلاستيكي يتطلب مزيجًا من ابتكار التصميم، وتطوير السياسات، وتعزيز التعاون الدولي، بما يسهم في بناء نظام أكثر استدامة لإدارة الموارد، ويحد من التأثيرات البيئية على المدى الطويل.




