العمل اللائق.. كيف يمكن كسر حلقة الفقر في سلاسل الإمداد العالمية؟
في السنوات Latest توسعت التجارة الدولية وازداد الترابط بين الاقتصادات العالمية، غير أن تحقيق العمل اللائق يمثل تحديًا أمام ملايين العمال المشاركين في سلاسل الإمداد العالمية. فبالرغم من إسهام هؤلاء العمال في إنتاج سلع وخدمات تحقق عوائد كبيرة في الأسواق الدولية، تشير التقديرات إلى أن نحو واحد من كل خمسة أشخاص يعملون حول العالم لا يزال يعيش في دائرة الفقر، وهو ما يسلط الضوء على التحديات المرتبطة بتوزيع القيمة داخل سلاسل الإمداد العالمية.
وقد أعاد هذا الواقع تسليط الضوء على ضرورة توفير أجور وظروف عمل تمكن العمال وأسرهم من العيش بمستوى كريم. وفي هذا السياق، اعتمدت منظمة العمل الدولية عام 2024 مجموعة من المبادئ العامة لتحديد الأجور المعيشية اللائقة واحتسابها في مختلف الدول، في خطوة تعكس تزايد الاهتمام العالمي بتحسين أوضاع العمال وربط النمو الاقتصادي بالعدالة الاجتماعية.
ويرى باحثون أن التحدي كان في السابق يتمثل في الاعتراف بحق العمال في الحصول على دخل يكفل حياة كريمة، أما الآن فقد أصبح يتمحور حول إيجاد الآليات العملية التي تضمن تحقيق ذلك داخل سلاسل الإمداد العالمية التي تمتد عبر قارات متعددة وتضم أطرافًا اقتصادية ذات قدرات تفاوضية متفاوتة.
ويتسق هذا التوجه مع مستهدفات الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة، التي تؤكد أن توفير فرص العمل ينبغي أن يقترن بأجور عادلة وظروف عمل تكفل حياة كريمة للعاملين وأسرهم.
تُظهر الدراسات أن أحد الأسباب Home لاستمرار الفقر بين العاملين يتمثل في الطريقة التي تُنظم بها سلاسل الإمداد العالمية. فالكثير من المنتجات الزراعية والصناعية والخدمية يتم إنتاجها في دول منخفضة ومتوسطة الدخل، بينما تُباع في أسواق أكثر ثراءً تحقق فيها الشركات الكبرى الجزء الأكبر من الأرباح.
وتعتمد هذه السلاسل على شبكة معقدة من الموردين والمنتجين والمشترين الدوليين. وفي كثير من الأحيان، تمتلك الشركات العالمية الكبرى، مثل سلاسل المتاجر والعلامات التجارية الدولية، قدرة كبيرة على تحديد الأسعار وشروط الشراء والمعايير المطلوبة، ما يمنحها نفوذًا واسعًا داخل السلسلة الإنتاجية.
ويؤدي هذا التفاوت في القوة التفاوضية إلى حصول الموردين والعمال على جزء محدود من القيمة النهائية للمنتج، بينما تستحوذ الجهات الأقوى اقتصاديًّا على الحصة الكبرى من العوائد. وللحفاظ على قدرتها التنافسية، تجد الشركات الموردة نفسها تحت ضغط مستمر لخفض التكاليف، وغالبًا ما تكون الأجور على رأس البنود التي تتأثر بهذه الضغوط.
وينتج عن ذلك ما يعرف أحيانًا بـ “سباق خفض التكاليف”، حيث تتنافس بعض الشركات أو الأسواق على تقليل تكاليف العمالة للحفاظ على العقود والأسواق، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار الفقر حتى بين الأشخاص الذين يمتلكون وظائف منتظمة.
عندما لا تحقق المعايير النتائج المطلوبة
خلال العقدين الماضيين، سعت العديد من الحكومات والشركات إلى تحسين ظروف العمل من خلال أنظمة الاعتماد والشهادات ومعايير الجودة والاستدامة. وشملت هذه المبادرات متطلبات تتعلق بظروف العمل والصحة والسلامة المهنية، وفي بعض الحالات تحسين مستويات الأجور.
وبالرغم من أهمية هذه الجهود فإنَّ عددًا من الدراسات يشير إلى أنَّ تحقُّقَ النتائج المرجوة يحتاج إلى أكثر من المعايير الرقابية؛ حتى لا تحدث آثار سلبية غير مقصودة. ومن بين أمثلة ذلك المتاجرُ الكبرى في أوروبا والمملكة المتحدة، التي تفرض على قطاع تصدير الفاكهة في جنوب إفريقيا معاييرَ صارمة تتعلق بجودة المنتجات وظروف العمل، غير أنها تستورد الفاكهة بأسعار زهيدة؛ ومِن ثَمَّ يتحمل مصدِّرو الفاكهة تكاليفَ إضافية حتى يستطيعوا الالتزام بهذه المعايير.
وفي محاولة للحفاظ على قدرتهم التنافسية، يلجأ بعض المنتجين إلى تقليل تكاليف العمالة عبر التوسع في تشغيل العمال الموسميين بدلًا من العمالة الدائمة، أو زيادة أعباء العمل وتقليص بعض المزايا. وهكذا قد تسهم المعايير التي صُممت لتحسين ظروف العمل في زيادة هشاشة بعض الوظائف بدلًا من تحسينها، وهو ما يبرز أن الالتزام الشكلي بالمعايير غير كافٍ لتحقيق الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة، إذ يتطلب العمل اللائق معالجة الاختلالات الاقتصادية التي تؤثر في توزيع القيمة داخل سلاسل الإمداد، وليس الاكتفاء بفرض متطلبات رقابية على المنتجين.
نماذج واعدة لتعزيز العمل اللائق
في المقابل، أظهرت بعض المبادرات نتائج أكثر إيجابية؛ لأنها اعتمدت على التعاون وPartnerships طويلة الأجل، بدلًا من الاقتصار على الرقابة والامتثال للمعايير.
زراعة الفلفل الحار في جنوب إفريقيا
تُعد مبادرة PERi Farms التابعة لسلسلة مطاعم “ناندوز” مثالًا على هذا النهج. إذ تعمل المبادرة مع صغار مزارعي الفلفل الحار في مالاوي وموزمبيق وزيمبابوي، من خلال توفير الدعم الفني والمدخلات الزراعية وضمان شراء المحصول.
وساعد هذا النموذج العديد من المزارعين على زيادة دخولهم وتحسين ظروفهم المعيشية، كما أتاح لهم الاستثمار في التعليم والإسكان وتحسين مستوى المعيشة لأسرهم.
القهوة في أوغندا
في أوغندا أيضًا، تتبع مؤسسة Mountain Harvest نهجًا مختلفًا يقوم على التعامل المباشر مع مزارعي القهوة ودفع أسعار أعلى مقابل المحصول، بما يتيح للمزارعين الحصول على حصة أكبر من القيمة الاقتصادية للمنتج.
كما تدعم المؤسسة تنويع مصادر الدخل من خلال تشجيع زراعة محاصيل إضافية مثل الأفوكادو والمكاديميا، ما يقلل من الاعتماد الكامل على محصول واحد ويعزز الاستقرار الاقتصادي للأسر الزراعية.
وأظهرت التجربة أيضًا أهمية فهم الظروف المحلية، خاصة فيما يتعلق بالعاملات الموسميات في فرز حبوب القهوة، وهن فئة غالبًا ما تكون أقل استفادة من التحسينات الاقتصادية داخل سلاسل الإمداد.
السياحة في جنوب إفريقيا
أما في قطاع السياحة، فقد طورت منظمة Fair Trade in Tourism في جنوب إفريقيا نموذجًا يعتمد على أكثر من مجرد الالتزام بالمعايير التقليدية. ويجمع هذا النموذج بين متطلبات الأجور الكافية وبرامج الإرشاد والتدريب وتبادل الخبرات ودعم المؤسسات المشاركة.
وأشارت المؤسسات المشاركة إلى تحسن ظروف العمل وارتفاع معدلات الاحتفاظ بالموظفين وتحسن جودة الخدمات المقدمة، وهو ما يعكس الفوائد الاقتصادية والاجتماعية للعمل اللائق على حد سواء.
لماذا نجحت هذه التجارب؟
تكشف دراسات الحالة الثلاث عن مجموعة من العوامل المشتركة التي أسهمت في تحقيق نتائج أفضل للعمال والموردين.
أولًا: اعترفت هذه المبادرات بأن تحسين أوضاع العمال يتطلب إعادة النظر في كيفية توزيع القيمة على امتداد سلسلة الإمداد، بما يشمل دفع أسعار أكثر عدالة للموردين والمنتجين.
ثانيًا: اعتمدت هذه التجارب على بناء علاقات طويلة الأجل بين المشترين والموردين بدلًا من المعاملات قصيرة المدى، وهو ما وفر قدرًا أكبر من الاستقرار وشجع الموردين على الاستثمار في العاملين لديهم.
ثالثًا: قامت هذه النماذج على التعاون بين الشركات والمؤسسات غير الربحية والجهات المحلية، ما ساعد على تصميم حلول أكثر ارتباطًا بالواقع المحلي واحتياجات المجتمعات المستهدفة.
وأخيرًا: تعاملت هذه المبادرات مع العمال باعتبارهم عنصرًا أساسيًّا في نجاح الأعمال واستدامتها، وليس مجرد تكلفة إنتاجية يمكن تقليصها كلما اشتدت الضغوط الاقتصادية.
العمل اللائق والتنمية المستدامة
وإذا كان الخبراء يرون أنَّ تحقيق العمل اللائق داخل سلاسل الإمداد العالمية يتطلب تغييرات أعمق من فرض معايير أو إصدار لوائح تنظيمية؛ فإنَّ الشركات مطالبة بإعادة النظر في سياسات التسعير والمشتريات وعلاقاتها مع الموردين، بما يضمن توزيعًا أكثر عدالة للعوائد الاقتصادية.
كما يقع على الحكومات والمؤسسات الدولية دور مهم في دعم بيئات الأعمال التي تشجع الممارسات التجارية العادلة وتربط بين التنمية الاقتصادية وتحسين أوضاع العاملين. وفي الوقت نفسه، يمكن للمستهلكين الإسهام في هذا التغيير من خلال دعم الشركات التي تمنح أولوية لحقوق العمال والأجور العادلة.
وفي الختام، تؤكد Earth Guards Foundation أهمية تعزيز العمل اللائق باعتباره أحد الركائز الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة والحد من الفقر وعدم المساواة. كما تؤكد أن بناء سلاسل إمداد أكثر عدالة واستدامة يتطلب تعاونًا بين جميع الأطراف المعنية، بما يضمن حصول العمال على نصيب أكثر إنصافًا من القيمة التي يسهمون في إنتاجها، ويدعم سبل العيش الكريمة للأفراد والمجتمعات.