كيف تطور التأمين الصحي الشامل في مصر وفق مبادئ العدالة الصحية؟

كيف تطور التأمين الصحي الشامل في مصر وفق مبادئ العدالة الصحية؟
تتجاوز العدالة الصحية حدود إتاحة العلاج داخل المستشفيات، لتصبح اختبارًا لقدرة السياسات العامة على حماية الإنسان من المرض وتبعاته الاقتصادية. ومن هذا المنطلق يبرز تطور الإصلاح الصحي في مصر بوصفه مسارًا ممتدًّا أصبح عبْر عقود منظومةً تستهدف الجمع بين جودة الرعاية وتكافؤ فرص الحصول عليها والحماية من أعباء الإنفاق العلاجي.
وفي هذا السياق شارك الدكتور/ أحمد السبكي “رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للرعاية الصحية”، في جلسة “صحة المواطن” ضمن فعاليات منتدى مصر 2026، المقام تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وهناك استعرض الدكتور/ أحمد السبكي المحطات التاريخية للإصلاح الصحي المصري، وصولًا إلى منظومة التأمين الصحي الشامل، وما يرتبط بها من تحولات في تمويل الخدمات، وتطوير المنشآت الصحية وتوسيع نطاق التغطية التأمينية.
تاريخ الإصلاح الصحي في مصر
يرتبط تطور النظام الصحي المصري بتحولات ديموجرافية ومؤسسية متعاقبة، فرضت على الدولة إعادة النظر في قدرات المؤسسات الصحية ونطاق الخدمات التي تقدمها، وصولًا إلى صيغة أكثر شمولًا للتغطية الصحية.
وقد أوضح الدكتور/ أحمد السبكي أنَّ مسار الإصلاح الصحي شهد ثلاث محطات رئيسية، تعكس انتقالًا تدريجيًّا من بناء الهياكل المؤسسية إلى توسيع التأمين الصحي، ثم إعادة تنظيم المنظومة بأبعادها التمويلية والخدمية والمجتمعية.

تأسيس قاعدة للرعاية الصحية
وبالرجوع إلى الوراء فقد شهد عام 1936 -وفق البيانات التي استعرضها رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية – إنشاء وزارة الصحة العمومية في عهد الملك فؤاد الأول، عندما بلغ عدد سكان مصر نحو 15 مليونًا و624 ألف نسمة.
ومثلت هذه الخطوة مرحلة مهمة في تنظيم المسئولية الحكومية عن الشأن الصحي، وتأسيس إطار مؤسسي يمكن البناء عليه في تطوير الخدمات الصحية، وتوسيع نطاقها.
توسيع مسار التأمين الصحي
ثم انتقل الإصلاح الصحي إلى محطة جديدة عام 1964، مع إنشاء الهيئة العامة للتأمين الصحي في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، بالتزامن مع وصول عدد السكان إلى نحو 31 مليونًا و242 ألف نسمة.
وعكست هذه المرحلة توجهًا نحو تطوير آليات التأمين الصحي وتمويل الخدمات المقدمة إلى فئات من المواطنين، بما يمهد للانتقال من الاعتماد على تقديم الخدمة وحده إلى الاهتمام كذلك بكيفية تمويلها وإتاحة الاستفادة منها.
إعادة تشكيل مسار الإصلاح
وبعد ذلك مثلت منظومة التأمين الصحي الشامل، التي بدأ إطلاقها عام 2018 في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، المحطة الثالثة في هذا المسار، بالتزامن مع وصول عدد السكان إلى نحو 109 ملايين نسمة وفق البيانات المعروضة خلال الجلسة.
وتستهدف المنظومة إحداث تحول في بنية النظام الصحي، من خلال تطوير البنية التحتية والمنشآت الطبية، وإعادة تنظيم التمويل والحوكمة، وتوسيع نطاق التغطية التأمينية، بما يعزز فرص حصول المواطنين على خدمات صحية متكاملة.
جوهر التأمين الصحي الشامل
وإكمالًا لهذه المسارات فقد عمل التأمين الصحي الشامل على تقليص الأعباء المالية، وهي الأعباء التي تتحملها الأسر عند المرض، لتكون إحدى القضايا الأساسية المرتبطة بتحقيق التنمية البشرية والعدالة الاجتماعية.
ولذا أشار الدكتور أحمد/ السبكي في كلمته إلى أنَّ الإنفاق الصحي المباشر من جيوب المواطنين كان يتجاوز 70% من إجمالي الإنفاق على الصحة، قبل أنْ تنخفض هذه النسبة إلى أقل من 47% خلال العام الأول من تطبيق المنظومة، وفق الأرقام الواردة في البيان.

التحول الرقمي وتطوير الكوادر
وكذلك تابع الدكتور/ أحمد السبكي إلقاء الضوء على جهود تطوير نظم الإدارة والتشغيل داخل، ورفع كفاءة الكوادر الطبية والإدارية، وتطبيق معايير الجودة والاعتماد، إلى جانب تعزيز التحول الرقمي وتطوير قدرات المنشآت الصحية.
ووفقًا لكلمة الدكتور/ أحمد السبكي فإنه يُجرى الآن تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل في سبع محافظات، هي:
- بورسعيد
- الأقصر
- الإسماعيلية
- جنوب سيناء
- السويس
- أسوان
- المنيا
ويمثل هذا التوسع الجغرافي خطوة ضمن مسار إتاحة الخدمات الصحية المتكاملة لمزيد من المواطنين، لكنه يطرح في الوقت نفسه مجموعة من المتطلبات المرتبطة بكفاءة التنفيذ، واستعداد المنشآت، وتوافر الكوادر الطبية، واستدامة التمويل، بما يحقق أهداف التنمية المستدامة، لا سيما الهدف الثالث: الصحة الجيدة.
ومن أبرز الأولويات التي ترتبط بنجاح هذا التوسع:
- ضمان جودة الخدمة: ألا يتراجع مستوى الرعاية مع زيادة أعداد المنتفعين، واتساع نطاق التغطية.
- استدامة التمويل: توفير الموارد اللازمة لتغطية الاحتياجات العلاجية والتشغيلية على المدى الطويل.
- تطوير الموارد البشرية: دعم الكوادر الطبية والتمريضية والإدارية بالتدريب والتأهيل المستمرين.
- تقليص الفوارق الجغرافية :تعزيز إتاحة الخدمات التخصصية، بحيث لا تتحول المسافة أو نقص الإمكانات المحلية إلى عائق أمام العلاج.
- تعزيز الحوكمة والمساءلة: متابعة الأداء وجودة الخدمات وقياس النتائج الفعلية التي يلمسها المواطن.
ومما سبقت الإشارة إليه تنظر Earth Guards Foundation إلى تطوير التأمين الصحي الشامل باعتباره أحد المسارات الأساسية لبناء الإنسان وتعزيز قدرته على المشاركة في التنمية وفق مبادئ العدالة الصحية؛ لأنَّ الصحة عنصر تتقاطع معه فرص التعليم والعمل والاستقرار الاجتماعي وجودة الحياة.
وترى المؤسسة أنَّ المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الربط بين مؤشرات التغطية التأمينية والنتائج الصحية الفعلية، مع نشر بيانات واضحة عن جودة الخدمات وتوزيعها الجغرافي، ومستويات الإنفاق الشخصي، ومدى استفادة الفئات الأكثر احتياجًا.




