طرق فوق الماء.. كيف أصبح النقل النهري شريانًا للغذاء والتجارة في الكونغو؟

طرق فوق الماء.. كيف أصبح النقل النهري شريانًا للغذاء والتجارة في الكونغو؟
في أجزاء واسعة من جمهورية الكونغو الديمقراطية، قد يكون الطريق الأساسي الموصل إلى المدينة فوق الماء. حيث تتحرك قوارب خشبية طويلة بين الغابات والمراكز الحضرية، تحمل الغذاء والسلع والركاب، وتؤدي أدوارًا تتجاوز النقل النهري لتصبح في الوقت نفسه وسيلة للتجارة ومصدرًا للدخل وجسرًا يربط مناطق يصعب الوصول إليها عبر الطرق البرية.
وتكشف هذه القوارب جانبًا مهمًّا من الحياة الاقتصادية في بلد تمتد داخله شبكة ضخمة من الممرات المائية، إذ يُصنف نحو 25 ألف كيلومتر منها باعتبارها صالحة للملاحة. ومع ضعف الاتصال البري بين مناطق عديدة، أصبحت المراكب الصغيرة والمتوسطة عنصرًا أساسيًّا في حركة الغذاء والبضائع، خاصة بالنسبة إلى مدن كبرى مثل كينشاسا وكيسانغاني ومبانداكا.
ومن أبرز هذه الوسائل قوارب خشبية تعرف باسم “باليينيير”، يتراوح طولها من 20 إلى 40 مترًا، وقد تطورت محليًّا لتربط المدن المتنامية بالمجتمعات الزراعية المنتشرة على ضفاف الأنهار البعيدة.
طريق فوق الماء
تؤدي هذه القوارب دورًا يتجاوز مجرد نقل الركاب، إذ تساعد على إبقاء المدن متصلة بالمناطق المنتجة للغذاء في الداخل، وهو ما يمنحها أهمية مباشرة بالنسبة إلى الأمن الغذائي وحركة التجارة اليومية.
وفي مدينة كيسانغاني، التي يبلغ عدد سكانها نحو مليوني نسمة وتقع عند الجزء الأعلى من نهر الكونغو الصالح للملاحة، يصل إلى الموانئ الثانوية الخاصة نحو 80 قاربًا من هذا النوع كل شهر.
ويحمل كل قارب في المتوسط نحو 150 طنًا من البضائع، إلى جانب قرابة 150 راكبًا. أما كينشاسا، التي يبلغ عدد سكانها نحو 17 مليون نسمة، فيُقدر أنها تستقبل مئات القوارب شهريًّا.
وتوضح هذه الأرقام حجم الاعتماد على النقل النهري في بلد تعاني أجزاء واسعة منه ضعف شبكات الطرق وصعوبة الربط بين المدن والمناطق الداخلية.

اقتصاد فوق القوارب
تحمل القوارب إلى المدن منتجات تأتي من المجتمعات الزراعية والريفية، من بينها الأرز والكسافا وزيت النخيل والدواجن والأسماك والماشية وغيرها من السلع الغذائية.
وفي الاتجاه المعاكس، تعود إلى القرى محملة بمنتجات مصنعة تشمل ألواح الأسقف والأثاث والدراجات النارية والأدوية، والناموسيات، والهواتف، والملابس.
ويصعد التجار أنفسهم على متن القوارب إلى جانب بضائعهم، لأن هوامش الربح في هذا النوع من التجارة محدودة، ما يدفع الكثيرين إلى متابعة السلع بأنفسهم منذ مغادرتها وحتى بيعها.
ويعكس هذا النمط ما يصفه الباحثون باقتصاد البقاء، إذ يعتمد عدد كبير من السكان على تجارة صغيرة توفر دخلًا يوميًّا أو محدودًا، وتحتاج إلى حركة مستمرة للبضائع حتى تظل مجدية.
ومن هنا يظهر سبب استمرار الرحلات ليلًا رغم المخاطر. فالتوقف عن الإبحار خلال ساعات الظلام يعني تقليص عدد الرحلات الممكنة، وهو ما قد يؤثر مباشرة في قدرة التجار والأطقم على تحقيق دخل يغطي تكاليفهم.
صناعة محلية
بدأت النماذج الخشبية الحديثة لهذه القوارب في الظهور منذ أوائل ستينيات القرن الماضي، عندما طوّر الحرفي الكونغولي أندريه بيبيي تصميمات تجمع بين مهارات النجارة المكتسبة في الفترة الاستعمارية 1885 – 1960 والمعرفة المحلية المتوارثة.
واستخدم في بناء القوارب أخشابًا محلية، إلى جانب البيتومين (مادة بترولية لزجة سوداء اللون) وأوراق نباتية وشرائح من الألومنيوم المعاد استخدامه، بما أتاح صناعة قوارب منخفضة التكلفة وقادرة على العمل في بيئة نهرية صعبة.
وخلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، انتشرت ورش بناء هذه القوارب على عدد من الممرات المائية Home، قبل أن تدخل عليها تحسينات جديدة في السنوات التالية.
وفي أواخر العقد الأول من الألفية، بدأ الحرفيون في الاستعانة بمحركات ديزل صينية منخفضة التكلفة لتطوير نظام دفع جديد، ثم عدل الميكانيكيون المحليون أنظمة التبريد وأضافوا أكثر من محرك إلى القارب الواحد.
وساعد هذا الأسلوب على زيادة الاعتمادية؛ فإذا احتاج أحد المحركات إلى إصلاح، تستطيع المحركات الأخرى الاستمرار في العمل. ومع الوقت، تحول ما بدأ كحل بسيط للرحلات المتقطعة إلى نظام أكثر انتظامًا لخدمة النقل النهري.
كما امتدت الخبرة الكونغولية أيضًا خارج حدود البلاد، إذ أنشأ بناة القوارب ورشًا متنقلة في جمهورية الكونغو وإفريقيا الوسطى والكاميرون، ما يجعل هذه القوارب واحدة من التقنيات المحلية القليلة التي طورتها الكونغو وانتقلت إلى دول مجاورة.
ميناء متنقل
تظهر مرونة هذه المنظومة بصورة واضحة عند تحميل البضائع وتفريغها في أماكن تفتقر إلى الأرصفة والأوناش والموانئ المجهزة.
حيث يعتمد العاملون على أساليب محلية تتكيف مع تغير مستويات المياه وظروف النهر. ومن بينها طريقة تعرف باسم “كوتينديكا”، حيث ينزل الحمالون إلى المياه لدفع القارب المحمل عندما يستقر على قاع النهر، حتى يصل إلى منطقة أعمق تسمح له بالحركة.
كما تحمل القوارب معها زوارق صغيرة تُعتبر ممرات متنقلة للتحميل والتفريغ، وهو ما يمنحها قدرة على العمل في مواقع متعددة من دون الاعتماد على بنية تحتية ثابتة.
وبهذا المعنى، يحمل القارب جزءًا من “مينائه” معه، ويجمع بين القوة العضلية والخبرة المحلية والمواد المتاحة لتجاوز القيود التي يفرضها نقص البنية التحتية.
ويتقاطع هذا النموذج مع الهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة المعني بالصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، حيث يعكس قدرة المجتمعات على تطوير حلول محلية للتنقل والتجارة في بيئات تفتقر إلى منشآت نقل تقليدية واسعة.
حل يحمل مخاطره
تأتي هذه المرونة بتكلفة مرتفعة، إذ تشتهر هذه القوارب بتكرار الحوادث التي قد تكون مدمرة. وتشير التقديرات إلى أن مئات وربما آلاف الأشخاص يفقدون حياتهم سنويًّا في حوادث مرتبطة بالنقل عبر الأنهار.
وترتبط المخاطر بعدة عوامل، من بينها ضعف الهياكل في بعض القوارب، وقلة التدريب المهني، وضغط التشغيل المستمر، إلى جانب محدودية الوقت والموارد المخصصة للصيانة والراحة.
كما تزيد الحاجة الاقتصادية من تعقيد المشكلة، إذ تعمل الأطقم والتجار وفق إيقاع سريع تفرضه حركة الأسواق والرحلات، ما يجعل تحسين معايير السلامة أكثر صعوبة من مجرد فرض قواعد جديدة.
وقد حاولت بعض المبادرات تنظيم تصميم السفن وبنائها وفق معايير خارجية، لكن تأثيرها ظل محدودًا عندما لم تأخذ في الاعتبار طبيعة التشغيل المحلية والطرق التي تعتمد عليها المجتمعات في ممارسة هذه الأنشطة.
ويكشف هذا الواقع مفارقة أساسية في النقل النهري بالكونغو؛ فالمنظومة توفر الغذاء والعمل والاتصال لملايين السكان، وفي الوقت نفسه تعمل وسط مخاطر كبيرة وضعف في الحماية والتنظيم.
وفي هذا السياق، تسلط Earth Guards Foundation الضوء على أهمية تطوير هذه المنظومة انطلاقًا من واقعها المحلي، عبر تحسين التدريب والصيانة والسلامة مع الحفاظ على المرونة التي جعلتها قادرة على خدمة المجتمعات البعيدة، بما يدعم الوصول الآمن إلى الغذاء والأسواق والخدمات ويحافظ على دور الأنهار بوصفها شريانًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا رئيسيًّا.




