ارتفاع تكلفة المعيشة في ناميبيا ترهق كبار السن وتدفعهم إلى الاقتراض

ارتفاع تكلفة المعيشة في ناميبيا ترهق كبار السن وتدفعهم إلى الاقتراض
قد تبدأ الأزمة في ناميبيا بموقف يبدو بسيطًا: شخص مسن يحتاج إلى سيارة إسعاف، لكن الخدمة العامة قد تستغرق أكثر من 24 ساعة للوصول، وربما لا تصل إلى بعض المناطق أصلًا. عندها تلجأ الأسرة إلى خدمة الإسعاف التابعة لمدينة ويندهوك، التي تصل بسرعة أكبر، لكنها تفرض رسومًا تبلغ 800 دولار ناميبي، أي نحو 50 دولارًا أمريكيًّا، لتتحول الطوارئ الصحية إلى عبء جديد يضاف إلى ضغوط تكلفة المعيشة التي تواجهها الأسر.
وحين تعجز الأسرة عن دفع المبلغ فورًا، تُضاف الرسوم إلى حساب الخدمات البلدية بجانب المياه والكهرباء، ما يحول الطوارئ الصحية إلى التزام مالي جديد. ومع تراكم الفواتير، قد تواجه الأسرة قطع المياه أو الكهرباء، فتضطر إلى الاقتراض للحفاظ على الخدمات الأساسية.
وتكشف هذه الصورة كيف أصبحت تكلفة المعيشة بالنسبة إلى كثير من كبار السن في ناميبيا مرتبطة بدائرة من الديون تبدأ من العلاج والطوارئ وتمتد إلى الغذاء والخدمات والاحتياجات اليومية.
رحلة إسعاف تتحول إلى دين
تشير نتائج تقرير “رعاية كبار السن في ناميبيا” (Family Caregiving of Older Persons in Namibia) إلى أن الاقتراض لتغطية النفقات الأساسية أصبح نمطًا متكررًا داخل عدد من الأسر.
واعتمد التقرير على تجارب 80 أسرة تضم كبار سن ومقدمي رعاية من أفراد العائلة، وخلص إلى أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بالشيخوخة قد تجعل حالات صحية يمكن التعامل معها أكثر صعوبة بسبب ضعف السكن، وغياب خدمات الصرف الصحي، وارتفاع تكلفة الأدوات المساعدة، وعدم استقرار الدخل.
ويمثل الاقتراض أحد أكثر مظاهر هذه الضغوط وضوحًا. فنحو واحد من كل عشرة من كبار السن في ناميبيا يحمل قرضًا شخصيًا من NamPost، المؤسسة البريدية الوطنية التي تقدم أيضًا خدمات مالية، وغالبًا ما يكون القرض مضمونًا بمنحة الشيخوخة.
وقد يصل قرض بقيمة 13 ألف دولار ناميبي إلى تكلفة سداد تقارب 25 ألفًا، مع دفع نحو 420 دولارًا شهريًّا لمدة خمس سنوات. وهكذا تتحول تكلفة المعيشة والطوارئ الصحية إلى التزام طويل الأجل يستهلك جزءًا من دخل صُمم أساسًا لتغطية الاحتياجات اليومية.
المعاش لا يكفي الأسرة
تقع منحة الشيخوخة في قلب ميزانية كثير من الأسر التي شملتها الدراسة. وبلغت قيمتها 1,400 دولار ناميبي في أثناء جمع البيانات، ثم ارتفعت لاحقًا إلى نحو 1,700 دولار ناميبي.
لكن هذه المنحة لا تخدم شخصًا واحدًا دائمًا، إذ وجد الباحثون أنها تُستخدم في كثير من الحالات لدعم أسر متعددة الأجيال يبلغ متوسط عدد أفرادها نحو 6.5 أشخاص.
وتستهلك النفقات الأساسية الدخل بسرعة، خاصة في المناطق الريفية التي تسجل مستويات دخل أقل، ما يجعل ارتفاع تكلفة المعيشة أكثر ضغطًا على كبار السن وأسرهم مع مرور الشهر.
وتظهر محدودية المعاش بصورة أوضح عند الانتقال من قيمة الدخل نفسها إلى الطريقة التي يتوزع بها بين احتياجات أساسية يصعب تأجيلها.
أين يتركز الضغط الأكبر على ميزانية الأسر؟
وتكشف بيانات التقرير أن الجزء الأكبر من الضغط المالي يأتي من مجموعة محددة من النفقات التي تستنزف الدخل بسرعة، من أبرزها:
- استهلاك المياه والكهرباء بين 25% و40% من دخل بعض الأسر.
- سداد القروض بمتوسط يقارب 15% من دخل الأسرة.
- ارتفاع أقساط الديون إلى 27%–29% في مناطق مثل Mashare وWindhoek Rural.
- شراء الأدوية من الصيدليات الخاصة عند نفادها من المرافق العامة، بتكاليف تتراوح بين 1,000 و4,500 دولار ناميبي خلال ثلاثة أشهر.
- الإنفاق على الغذاء ومصاريف المدارس والنقل إلى جانب الاحتياجات اليومية الأخرى.
وتوضح هذه الأرقام أن المشكلة تتعلق بتراكم التزامات صغيرة وكبيرة تستهلك الدخل قبل نهاية الشهر.
وللتعرف على دور المعاشات في تعزيز الحماية المالية والاستقرار الاقتصادي لكبار السن، اقرأ أيضًا: زيادة المعاشات تحقق الاستدامة المالية وتعزز حقوق الأجيال القادمة.
السكن يزيد عبء الرعاية
لا تتوقف الضغوط عند حدود الدخل، إذ يبين التقرير أن البيئة المادية المحيطة بكبار السن يمكن أن تزيد احتياجاتهم الصحية والرعائية، حيث يعيش بعض كبار السن في مساكن ذات أسقف من الزنك والحديد المموج، ترتفع حرارتها بشدة في الصيف وتتسرب إليها المياه خلال موسم الأمطار، كما أن بعض المداخل لا تسمح بمرور الكراسي المتحركة، فيما تقع دورات المياه على مسافات بعيدة أو تغيب تمامًا.

وتشير بيانات التقرير أيضًا إلى أن 63% من أسر كبار السن تفتقر إلى مرافق صحية قريبة، ما يدفع مقدمي الرعاية إلى التعامل مع التخلص من الفضلات بأنفسهم.
كما تتداخل هذه الظروف مع مشكلات صحية منتشرة بين كبار السن؛ إذ يعاني نحو نصفهم من ارتفاع ضغط الدم، ويواجه واحد من كل خمسة تقريبًا صعوبات في الحركة، بينما تصيب مشكلات العين نحو الثلث.
وهكذا تصبح تكلفة المعيشة مرتبطة أيضًا بجودة السكن والبنية الأساسية، لأن البيئة غير المهيأة قد تزيد الاحتياج إلى الرعاية والعلاج والمساعدة اليومية.
أسر تحمل عبء الرعاية
وجد الباحثون أن الرعاية في ناميبيا تعتمد بدرجة كبيرة على أفراد الأسرة، خاصة النساء والشباب، إذ وجدوا أن 72 من أصل 80 أسرة تقريبًا، كان مقدم الرعاية الرئيسي يعيش في المنزل نفسه مع الشخص المسن، بينما استطاعت ثلاث أسر فقط تحمل تكلفة مساعدة مدفوعة الأجر.
ومثلت النساء 59 من أصل 80 مقدم رعاية رئيسيًّا، كما كانت نسبة كبيرة منهن في الفئة العمرية بين 18 و39 عامًا، ونصفهن على الأقل يربين أطفالًا في الوقت نفسه.
وتشمل مهام الرعاية إطعام كبار السن ومساعدتهم على الاستحمام واستخدام المرحاض وتناول الأدوية، إلى جانب جلب المياه والحطب وتوفير الصحبة.
ليكشف هذا الواقع أن ضغوط تكلفة المعيشة على الأسر تتجاوز المال المباشر، إذ تتحول ساعات الرعاية غير المدفوعة إلى عبء إضافي على أفراد قد يواجهون هم أنفسهم البطالة أو مسؤوليات أسرية أخرى.
ويتقاطع ذلك مع الهدف العاشر من أهداف التنمية المستدامة، الذي يدعو إلى الحد من أوجه عدم المساواة وتعزيز الحماية للفئات الأكثر هشاشة.
الريف يواجه ضغطًا أكبر
تختلف طبيعة الأزمة بين المدن والمناطق الريفية، لكن الضغوط تظهر في الحالتين بأشكال مختلفة، ففي المناطق الحضرية، تعاني الأسر من ضيق المساحات والازدحام، ما يصعب تخصيص مكان مناسب لشخص طريح الفراش أو يستخدم كرسيًّا متحركًا.
أما في المناطق الريفية، فقد تتوافر مساحات أكبر وأراضٍ زراعية، لكن ضعف البنية الأساسية يفرض تكاليف أخرى، مثل الحاجة إلى جلب المياه والحطب من مسافات بعيدة.
كما أن انخفاض الدخل في الريف يجعل أي نفقة على الطعام أو النقل أو الديون تستهلك نسبة أكبر من الميزانية، وهو ما يزيد أثر تكلفة المعيشة على الأسر التي تعتمد بدرجة كبيرة على المعاش أو مصادر دخل غير منتظمة.
وتلجأ بعض الأسر إلى الزراعة للاكتفاء الذاتي، وجمع الثمار البرية، والتجارة غير الرسمية، وتقنين الاستهلاك، بينما تصل المساعدات الغذائية والإعانات إلى جزء محدود فقط من الأسر.
ما الذي تحتاج إليه الأسر؟
وللتعامل مع هذه الأزمة، فقد أفاد التقرير إلى سياسات تجمع بين الحماية الاجتماعية والصحة والسكن والبنية الأساسية والتكيف مع الظروف المناخية.
وعندما سُئل مقدمو الرعاية وكبار السن عن الأولويات التي يمكن أن تحسن أوضاعهم، تكررت مطالب واضحة: زيادة المعاشات، تخصيص بدل لمقدمي الرعاية، تعزيز الأمن الغذائي، تحسين المياه والكهرباء، والاعتراف بعمل أفراد الأسرة الذين يقدمون الرعاية من دون مقابل.
ويرتبط ذلك بالهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة، الذي يركز على القضاء على الفقر وتعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية، خاصة للفئات التي تعتمد على دخول محدودة أو غير مستقرة.
وتكشف تجربة ناميبيا أن تكلفة المعيشة بالنسبة إلى كبار السن هي نتيجة تفاعل بين المعاشات المحدودة، والديون، والرعاية الصحية، وضعف البنية الأساسية، والاعتماد الكبير على أفراد الأسرة.
وانطلاقًا من ذلك، تسلط Earth Guards Foundation الضوء على ضرورة تعزيز الحماية الاقتصادية لكبار السن ضمن رؤية تتجاوز زيادة الدخل، لتشمل تحسين الخدمات الأساسية، وتخفيف تكلفة الرعاية، ودعم الأسر التي تتحمل جانبًا كبيرًا من أعبائها. فغياب هذه الشبكة المتكاملة قد يحول أي طارئ صحي أو فاتورة خدمات إلى بداية دورة جديدة من الديون.




