هل تنقذ ملحمة الأوديسة التنوع البيولوجي في البحر المتوسط من خلال شاشات السينما؟

هل تنقذ ملحمة الأوديسة التنوع البيولوجي في البحر المتوسط من خلال شاشات السينما؟
يضم البحر الأبيض المتوسط عالمًا واسعًا من التنوع البيولوجي، وفيه ما يصل إلى 18% من الأنواع البحرية المعروفة، مع أنه لا يغطي سوى 1% من مساحة محيطات العالم! وهذا التنوع البيولوجي مهدد اليوم بالتلوث وتغير المناخ؛ لذا تكمن هنا أهمية الهدف 13 (العمل المناخي) والهدف 14 (الحياة تحت الماء) من بين أهداف التنمية المستدامة كلها.
مِن هنا تتابع معكم Earth Guards Foundation قراءة هذا المقال؛ كي ترى كيف تتحول رحلة أوديسيوس القديمة في ملحمة الأوديسة إلى خريطة أخطار للبحر الأبيض المتوسط، وكيف يمكن للسينما العمل على المزيد من الجهود لدعم التنوع البيولوجي في هذا البحر؛ فتابعوا القراءة.
من هو أوديسيوس؟
تخيل رجلًا يقف على سفينة خشبية بعد عشر سنوات من حرب أنهكته، أمامه بحر لا يعرف رحمة، ووراءه بيت ينتظره في “جزيرة إيثاكا”؛ هذا هو أوديسيوس بطل الملحمة التي نسبها الإغريق إلى الشاعر هوميروس. ومن هنا نفهم ما هي ملحمة الأوديسة؛ إذْ إنها قصيدة طويلة تروي عودته من حرب طروادة وسط العواصف والوحوش والحوريات والآلهة، وهي ضمن تراث يوناني عالمي يضم أيضًا ما يسمَّى بالإلياذة.

ما الفرق بين الإلياذة والأوديسة؟
تحكي الإلياذة الحرب نفسها عند أسوار طروادة، أما الأوديسة فتبدأ حين تنتهي الحرب، وتتتبع رحلة العودة، فكأنها الجزء الثاني من الحكاية؛ ولهذا يبحث كثيرون عن ملخص ملحمة الأوديسة والإلياذة معًا. وقد نقلها إلى العربية مترجمون عدة.
هل قصة أوديسيوس حقيقية؟
إنَّ الشخصيات والوحوش من نسج الأسطورة، فالقصة عمل أدبي، لكن المسرح حقيقي تمامًا: إنه البحر الأبيض المتوسط بجزره وسواحله. وبعد أكثر من 2,500 عام على أول سرد لها عادت الأوديسة إلى الواجهة حين قدمها المخرج كريستوفر نولان في فيلم ضخم وفق رؤيته السينمائية.
ومن منطلق هذه الرؤية السينمائية أعلن الملياردير الأمريكي إيلون ماسك “مالك شركة تسلا ومنصة إكس”، عن إطلاق مشروع سينمائي لإنتاج نسخة سينمائية جديدة من هذه الملحمة العالمية، باستخدام الذكاء الاصطناعي؛ الأمر الذي يطرح أسئلة حول مدى ارتباط الرؤية الجديدة المزمع إنتاجها بعالم البحر الأبيض المتوسط وما فيه من تنوع بيولوجي، وكيف سيبدو هذا البحر وبيئاته الطبيعية من خلال الذكاء الاصطناعي.
أين يبدأ هذا البحر وأين ينتهي؟
لو أراد أوديسيوس أنْ يرسم خريطة لرحلته اليوم، فمن أين يبدأ؟ سوف يبدأ المتوسط غربًا عند مضيق جبل طارق الذي يصله بالمحيط الأطلسي، ثم يمتد شرقًا حتى سواحل الشام، ويتصل بالبحر الأحمر عبر قناة السويس في مصر.

الدول التي تقع على البحر المتوسط
من هذا الزاوية الجغرافية فإنَّ 21 دولة تتشارك مسئولية هذا البحر مع الاتحاد الأوروبي في إطار اتفاقية برشلونة، ومن بين هذه الدول:
- مصر
- قبرص
- اليونان
- إيطاليا
وعلى سواحل هذه البلدان يعيش أكثر من 500 مليون نسمة، وتقع نحو 25 منطقة حضرية ساحلية كبرى، حيث كانت هذه المياه طريقًا يربط إفريقيا وآسيا وأوروبا بتجارة العالم وأفكاره وثقافته.
ماذا يخبئ المتوسط من التنوع البيولوجي؟
حين ينظر الصياد من سفينته إلى الماء يرى زرقة البحر الصافية، ويرى أيضًا:
- 1% من مساحة محيطات العالم.
- 18% من الأنواع البحرية المعروفة.
- نحو 46 ألف كيلومتر من السواحل.
مروج بوسيدون تحت الموج
لقد سمَّى الإغريقُ إلههم بوسيدون سيدَ البحر، وسُمِّيت باسمه “نبتة بوسيدون المحيطية” (الاسم العلمي: Posidonia oceanica) ، التي تغطي مروجها حوالي 12 ألف كيلومتر مربع من البحر الأبيض المتوسط، وهي تلك المروج التي توفر موائل لأعداد هائلة من الكائنات، وتحتجز الكربون؛ وبذلك تخدم الهدف رقم 13 العمل المناخي، أحد أهم أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر.

من يهدد التنوع البيولوجي اليوم؟
لقد واجه أوديسيوس وحوشه واحدًا تلو الآخر، أمَّا وحوش اليوم فتهجم معًا، وسنقابل كل واحد منها في السطور الآتية كما قابل أوديسيوس وحوشه، محطة بعد محطة.

المحطة الأولى: الوحش ذو الرؤوس الستة والبلاستيك
في الأسطورة يوجد وحش بستة رؤوس يلتهم البحارة، وفي الواقع الآن يدخل يوميًّا نحو 730 طنًّا من النفايات البلاستيكية، وهذه الأطنان -بحق- وحش جديد يهدد البحر الأبيض المتوسط وما فيه من التنوع البيولوجي.
المحطة الثانية: غناء الحوريات وضجيج السفن
كانت الحوريات في الملحمة الأسطورية تغري البحارة بصوتها فتحطم سفنهم، أمَّا اليوم فالصوت الذي يؤذي الكائنات البحرية هو الضوضاء الصادرة عن محركات السفن تحت الماء. وهي مع الجسيمات البلاستيكية الدقيقة وكل النفايات تهديد حديث واقعي، يجب علينا التصدي له.
المحطة الثالثة: غضب بوسيدون وحرارة لا ترحم
غضب بوسيدون في الأسطورة عاصفة تضرب السفينة، أمَّا اليوم فهناك حرارة مرتفعة، حيث إنَّ منطقة المتوسط ترتفع حرارتها بوتيرة أسرع بنحو 20% من المتوسط العالمي، وكل صيف يؤكد ذلك بموجات حر جديدة.
ويضاف إلى الحرارة تغير الأمطار، وارتفاع مستوى البحر، وتحمُّض المحيطات؛ فتكون النتيجةُ مخاطرَ أشد كالجفاف وحرائق الغابات والفيضانات، وغيرها من الأزمات المناخية.
المحطة الرابعة: أبطال الحكاية الصامتون يتراجعون
في هذا البحر تعيش السلاحف ضخمة الرأس، والدلافين المخططة، وسمك أبو سيف، والأخطبوط، وفقمة الراهب المتوسطية النادرة؛ وكلها تتراجع بسبب التلوث والأنشطة الصناعية التي تضرب موائلها، ومع قلة الأسماك المفترسة الكبيرة يتجه الصيادون إلى الأنواع الأصغر؛ وحينئذٍ يختل الهرم الغذائي.
المحطة الخامسة: حين تتحالف الوحوش
أمَّا أخطر ما في الأمر هو أنَّ هذه الأزمات البيئية تغذي بعضها بعضًا: النظم الساحلية المتضررة تحمي أقل من العواصف والفيضانات، المياه الأدفأ تسهل انتشار الأنواع الغازية، السياحة غير المسئولة تزيد النفايات وتضغط على الموائل الهشة.
وفي الختام يظهر لEarth Guards Foundation أنَّ البحر الأبيض المتوسط يحتضن كنزًا من التنوع البيولوجي، ويقف في وجه وحوش لم يعرفها أوديسيوس؛ إذْ يكشف تاريخ البحر المتوسط من خلال الأوديسة عن مفارقة محددة: أشهر نص يتناول هذا البحر في الذاكرة الإنسانية يعرضه خصمًا، فيما هو اليوم الطرف الأضعف؛ فأوديسيوس يواجه الطبيعة بوصفها قوة تُجتاز، أما الوقائع الراهنة فتقلب العلاقة بحوالي 730 طنًّا من البلاستيك تدخل البحر يوميًّا؛ ليبقى السؤال الأهم: أي نهاية سنكتبها لهذا البحر؟




