التنمية الصناعية تفتح مسارات التعاون الإفريقي عبر منظومة الجودة والتقييس
تحقيق التنمية الصناعية يبدأ من حيث لا يلتفت كثيرون؛ من مواصفة تُكتب بدقة، ومعيار يُطبق بصرامة، وكفاءة فنية تمنح المنتج تصريح عبور إلى الأسواق؛ إذْ إنَّ الصناعة التي تبحث عن موطئ قدم في الاقتصاد العالمي لا يكفيها إلَّا منظومة متكاملة تجعل الجودة جزءًا من بنيتها، وتحول المعرفة الفنية إلى قدرة تنافسية مستدامة.
ومن هذا المنطلق تعمل مصر برؤية وطنية طموحة على دعم التنمية الصناعية وتحقيق التكامل بينها وبين دول الجوار الإفريقي في مجالات التقييس والمواصفات والجودة، باعتبار أنَّ هذا خطوة ذات دلالة في مسار أوسع لبناء القدرات الإفريقية، وتقريب المنظومات الفنية، وتهيئة بيئة أكثر انفتاحًا أمام التجارة والصناعة بين دول القارة.
وتأتي هذه الجهود في وقت تشتد فيه الحاجة إلى منظومات إفريقية متقاربة للمواصفات والجودة، بشرط أنْ تستطيع هذه المنظومات التعامل مع متطلبات الأسواق العالمية، والحد من العوائق الفنية التي قد تعترض حركة السلع بين الدول.
وسبب ذلك هو أنَّ اختلاف المعايير الفنية والإجراءات التنظيمية تحدٍّ فني في مجال التنمية الصناعية قد يتحول إلى تكلفة إضافية على المنتج، وحاجز أمام نفاذه إلى الأسواق، ومانع من موانع استفادة الاقتصادات الإفريقية من إمكاناتها الإنتاجية والتجارية؛ تلك الإمكانات التي تدعو إلى تحفيزها أهدافُ التنمية المستدامة، خاصة الهدف رقم (8)؛ أي العمل اللائق ونمو الاقتصاد.
وبحسب هذه الرؤية الوطنية استضافت الهيئة المصرية العامة للمواصفات والجودة وفدًا رفيع المستوى من هيئة المواصفات الأوغندية، ضمن برنامج دولي متخصص، تناول أسس البنية التحتية لأنشطة التقييس الدولية وسبل تذليل الصعاب أمام التجارة العالمية، وكان ذلك برئاسة الدكتور/ خالد صوفي “رئيس مجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للمواصفات والجودة، ورئيس المنظمة الدولية للتقييس”.
وقد جاء البرنامج في إطار التوجه نحو تعميق التعاون مع دول حوض النيل، عبر تبادل الخبرات في مجالات المواصفات والجودة والتقييس، وبما يدعم بناء قدرات مؤسسية قادرة على مواكبة التحولات التي تشهدها الصناعة والأسواق الدولية.
وفي هذا السياق أكد الدكتور/ خالد صوفي أنَّ التدريبَ وبناءَ القدرات يأتيانِ في صميم التعاون المصري الإفريقي، من خلال الاستناد إلى المواصفات القياسية الدولية والأدلة الإرشادية، الصادرة عن المنظمة الدولية للتقييس وغيرها من المراجع الإقليمية والوطنية؛ بما يحقق الهدف السابع عشر من أهداف التنمية المستدامة: عقد الشراكات لتحقيق الأهداف.
إطار عمل متكامل
وعلى وجه التفصيل تناول البرنامج خلال خمسة أيام متتابعة عددًا من المحاور، وكان من بينها المحاور المرتبطة بالبنية التحتية للتقييس على المستويات الدولية والقارية والإقليمية والوطنية، إلى جانب التعريف بالمواصفات القياسية وآليات إعداد الاستراتيجيات والسياسات والقواعد الفنية، وسبل نشر ثقافة التقييس، وإشراك الأطراف المختلفة في إعداد المواصفات وتطبيقها.
وتكشف هذه المحاور كافةً عن طبيعة التحدي الذي تتعامل معه الدول الراغبة في تعزيز التنمية الصناعية؛ لأنَّ التنافسية الصناعية والإنتاجية تبدأ -في كثير من الأحيان- بالتفاصيل الفنية التي قد لا يراها المستهلِك.
وتتصل هذه الجهود الإقليمية اتصالًا مباشرًا بصورة مباشرة بالهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة، المعني بالصناعة والابتكار والهياكل الأساسية؛ إذْ إنَّ تطوير منظومة التقييس والجودة يمثل أحد المكونات التي تساعد على بناء بنية صناعية أكثر كفاءة وقدرة على الصمود والتطور.
وعلى وفق هذا البرنامج التدريبي وذلك التعاون الإفريقي تنظر مؤسسة حماة الأرض إلى مسار القياسات والجودة على أنه بُعد من أبعاد التنمية المستدامة، التي تتجاوز المؤشرات الاقتصادية المجردة إلى بناء القدرات التي تستمر آثارها على المدى الطويل.
ومِن هنا فإنَّ التعاون بين مصر وأوغندا في مجال التقييس والتنمية الصناعية يمكن أنْ يكون نواة لمسار أوسع تتسع فيه الشراكات الفنية بين دول القارة، خصوصًا أنَّ بناء سوق إفريقي أكثر تكاملًا يحتاج إلى لغة مشتركة في الجودة والمواصفات بقدر حاجته إلى الطرق والموانئ وشبكات النقل.
ذلك لأنه كلما اقتربت المعايير، وتطورت الكفاءات، وتيسرت إجراءات المطابقة؛ أصبحت الصناعة الإفريقية أكثر قدرة على الانتقال من حدود الأسواق المحلية إلى فضاء إقليمي ودولي أرحب؛ لتصبح الجودة جسرًا للتجارة، والتقييس رافعة للتنمية الصناعية، والتعاون الفني أحد مفاتيح التكامل الإفريقي.