الدوري المصري ومبادئ الاستدامة: كيف تتحول كرة القدم نحو مستقبل أكثر توازنًا؟

الدوري المصري ومبادئ الاستدامة: كيف تتحول كرة القدم نحو مستقبل أكثر توازنًا؟
الدوري المصري الذي يتابع من خلاله ملايينُ المصريين لعبةَ كرة القدم، بحماسة ملتهبة وشغف لا ينقطع؛ يشهد مزيدًا من التداخل مع أبعاد ظنَّها بعض المتابعين بعيدة عن مجال كرة القدم خصوصًا والرياضة عمومًا، وهي تلك الأبعاد المتعلقة بنمو الاقتصاد الوطني، وما يترتب عليه من آثار اجتماعية إيجابية.
ذلك لأنَّ الدوري المصري “Egyptian Premier League” منافسة رياضية شعبية، وقد اقتربت هذه المنافسة شيئًا فشيئًا من المنظومة الاقتصادية، لا سيما بعد ما رُفعت راية كرة القدم المصرية في السنوات الأخيرة في إفريقيا، وفي العالم كله حينما حققت نتائج منتخب مصر في كأس العالم 2026 مستوى متقدمًا بوصوله إلى دور الـ16.
| الجولة | المنافس | النتيجة |
| دور المجموعات (المجموعة G) | بلجيكا | تعادل |
| دور المجموعات (المجموعة G) | نيوزيلندا | فوز |
| دور المجموعات (المجموعة G) | إيران | تعادل |
| دور الـ32 | أستراليا | فوز بركلات الترجيح |
| دور الـ16 | الأرجنتين | خروج مشرِّف |
وانطلاقًا من ذلك تسعى الجهات المشرفة على الدوري المصري الممتاز إلى ترسيخ مفاهيم التنمية المستدامة وأهدافها السبعة عشر، بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك البيئية. وهو ما تلقي عليه مؤسسة حماة الأرض الضوء في السطور القادمة؛ موضحة الفرص التي يمكن أنْ يكشف عنها دوري كرة القدم في مجال الاستدامة الشاملة؛ فتابعوا القراءة.

أولًا- الاستدامة الاجتماعية
بعد مشاركة منتخب مصر في كأس العالم 2026 وحصوله على عائد مالي يُقدر بنحو 17.5 مليون دولار، برز نقاش واسع حول كيفية توظيف هذه العوائد بشكل يخدم استدامة الدوري المصري ومنظومة كرة القدم كلها، وذلك عبر:
- تطوير البنية التحتية للملاعب ومراكز التدريب.
- اكتشاف المواهب الشابة، وتأهيل المدربين.
- دعم الأندية الأقل تمويلًا داخل الدوري المصري الممتاز.
كما يشهد الجانب التحكيمي والفني معسكرات تدريبية مكثفة لحكام الدوري الممتاز، إلى جانب دورات تخصصية لتطوير مدربي حراس المرمى، ضمن رؤية تقوم على أنَّ الاستدامة تشمل -بشكل أو بآخر- كلَّ عناصر المنظومة الكروية.
رابطة الأندية المحترفة
كذلك تتولى رابطة الأندية المصرية المحترفة إدارة الدوري المصري الممتاز وكأس الرابطة (كأس رابطة الأندية المصرية المحترفة: بطولة كرة قدم تُقام بين أندية الدوري الممتاز للتنافس بنظام المجموعات)، من خلال:
- إدارة الحقوق التسويقية والتجارية وحقوق البث التلفزيوني.
- توزيع العوائد المالية على الأندية المشاركة وفق آلية محددة.
- الإشراف على لجنة إدارة المسابقة بما يضمن استمرارية تنظيمها موسمًا بعد آخر.
ومثل هذه الخطوات تحقق -بالحوكمة والإدارة المسئولة- البعدَ الاجتماعيَّ من أهداف التنمية المستدامة؛ فإنَّ الاستدامة الاجتماعية في كرة القدم تمتد إلى بناء منظومة أكثر عدالة في توزيع الفرص والموارد، وإتاحة المجال أمام المواهب من مختلف المحافظات والفئات الاجتماعية للوصول إلى التدريب والمنافسة والتطور المهني.
كذلك يرتبط هذا الجانب بالهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة: التعليم الجيد، من خلال الاستثمار في التدريب وبناء المهارات، وبالهدف الثامن: العمل اللائق ونمو الاقتصاد، عبر خلق مسارات مهنية مستدامة للاعبين والمدربين والحكام والعاملين في مختلف القطاعات المرتبطة بصناعة كرة القدم.

ثانيًا- الاستدامة الاقتصادية
أمَّا من الزاوية الاقتصادية فإنَّ الاستدامة المالية أساس بقاء أندية الدوري المصري؛ إذْ يمثل الجانب المالي أكثر محاور الاستدامة إلحاحًا داخل الدوري المصري لكرة القدم، ولذا عملت الهيئات والمؤسسات الرياضية الرسمية على تحقيق الاستقرار المالي، من خلال خطوات مالية وتحفيزية متعددة، نجملها في ما يأتي.
خطوات اتحاد الكرة نحو الانضباط المالي
أول الأمر نجد أنَّ الاتحاد المصري لكرة القدم قد اتخذ عدة إجراءات لتعزيز الاستدامة المالية للأندية المشاركة في الدوري المصري الممتاز، من أبرزها:
- إلزام الأندية -مثل النادي الأهلي ونادي الزمالك- بفتح حساب بنكي مستقل خاص بنشاط كرة القدم، بما يفصل بين إيرادات ومصروفات الفريق الأول وباقي أنشطة النادي.
- تشديد معايير لجنة تراخيص الأندية بما يتوافق مع لوائح الفيفا والكاف؛ لضمان الحياد والشفافية في منح رخص الاحتراف.
- اشتراط تقديم الأندية ما يثبت خلو ذمتها من المستحقات المالية المستحقة للدولة (ضرائب، تأمينات، مرافق) قبل اعتماد الرخصة، وهو ما طالب به النادي الأهلي صراحة بوصفه أحد أبرز أندية الدوري المصري.
- تقييم جدية الأندية في سداد التزاماتها تجاه اللاعبين والأندية الأخرى وأصحاب الحقوق، وليس فقط التحقق الشكلي من وجود مستحقات متأخرة.
دعم أندية الدوري المصري
ثم في خطوة تصب في صالح هذا الاتجاه، فقد اعتمد مجلس إدارة الاتحاد المصري برنامجًا بقيمة 70 مليون جنيه لدعم الأندية الجماهيرية والشعبية في القسمينِ الثاني والثالث من الدور المصري، وقد شمل:
- دعمًا ماليًا مباشرًا لـ120 ناديًا جماهيريًّا في مختلف المحافظات.
- جوائز صعود للأندية المتأهلة إلى مسابقات أعلى.
- تخصيص 10 ملايين جنيه جوائزَ لمسابقات الناشئين والشباب لأول مرَّة على مستوى كل فئة عمرية.
هذه الخطوات تعكس توجهًا نحو بناء قاعدة مستدامة لكرة القدم المصرية، بدلًا من تركيز الموارد فقط على أندية القمة في الدوري المصري، والاهتمام بمشاهدة المباريات دون تدبر أي أثر بيئي، وعدم الاهتمام بثقافة الاستدامة.
ثالثًا: الاستدامة البيئية
على الرغم من أنَّ الاستدامة البيئية لا تزال في مراحلها الأولى داخل قطاع الرياضة المصري مقارنة بدوريات مثل الدوري الإنجليزي الممتاز، فإنَّ هناك مؤشرات على تحول تدريجي، منها:
- توجه حكومي يدفع الأندية وإداراتها في مصر نحو إنارة الملاعب بالطاقة الشمسية؛ بهدف خفض تكاليف التشغيل.
- الاهتمام بتجارب عربية مشابهة يمكن الاستفادة منها، مثل ملعب المدينة الدولي في بغداد، والذي يعتمد كليًّا على الطاقة الشمسية.
ولا تدخر المنشآت الرياضية جهدًا في سبيل ضبط معايير الاستدامة البيئية داخلها، مثل معايير الحفاظ على المياه، ومعايير كفاءة البيئة الداخلية (التهوية – الإضاءة – النفايات -النقل)، فضلًا عن معايير إدارة الموارد إدارة مسئولة.

رابعًا: أبرز محاور الاستدامة
وتلخيصًا لما سبق يمكن أنْ يبرز لنا الجدول الآتي كيف تتشكل مفاهيم الاستدامة داخل الدوري المصري.
| المحور | الإجراءات الحالية | تأثيره في استدامة الدوري |
| الاجتماعي | دعم الأندية الجماهيرية، مسابقات الناشئين | بناء قاعدة كروية واسعة ومتوازنة |
| الاقتصادي | حسابات بنكية مستقلة، لجنة تراخيص، سداد المستحقات | تقليل أخطار الإفلاس، مع ضرورة ضبط الإنفاق |
| البيئي | الطاقة الشمسية لإنارة الملاعب | تقليل الأثر البيئي |
كل هذه المؤشرات تشير إلى أنَّ الدوري المصري يسير في مسار تدريجي نحو تبني مبادئ الاستدامة، بدءًا بدعم الإنسان الرياضي، ثم الانضباط المالي للأندية، حتى الاهتمام بالجانب البيئي عبر التحول إلى الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية.
وختامًا، تكشف تجربة الدوري المصري أنَّ الاستدامة الشاملة في القطاع الرياضي تمثل خطوات مهمة نحو بناء بطولة أكثر قدرة على الاستمرار، إلا أنَّ قيمتها الحقيقية ستتحدد بمدى استمراريتها وارتباطها بإطار مؤسسي واضح، لا بقرارات منفصلة تتغير بتغير الإدارات والمواسم.
ومن منظور مؤسسة حماة الأرض، فإنَّ تقييم استدامة الدوري المصري ينبغي أنْ يمتد إلى سؤال أكثر عمقًا وذي أهمية، هو: هل تُدار كرة القدم المصرية بطريقة تحفظ مواردها البشرية والمالية والبيئية للأجيال المقبلة؟




