صناعات مستدامة

أزمة الغاز تهدد جنوب إفريقيا في 2028.. مخاطر تمتد إلى الصناعة والغذاء

أزمة الغازأزمة الغاز تهدد جنوب إفريقيا في 2028.. مخاطر تمتد إلى الصناعة والغذاء

أزمة الغاز في جنوب إفريقيا ضمن نقطة حرجة في ملف الطاقة؛ بسبب تراجع الإمدادات القادمة من حقلي باندي وتيماني في جنوب موزمبيق بداية من عام 2028. وتصل هذه الإمدادات عبر خط أنابيب “رومبكو” إلى مقاطعة مبومالانجا، حيث تغذي عددًا من أكبر المنشآت الصناعية في البلاد.

ورغم أن الغاز الطبيعي يمثل نحو 2.5% فقط من إجمالي إمدادات الطاقة في جنوب إفريقيا، فإن تأثيره الاقتصادي يتجاوز هذه النسبة بكثير. فهو يدخل في إنتاج الوقود الصناعي والمواد الكيميائية والأسمدة، ويشغل الأفران والمراجل وخطوط الإنتاج في قطاعات الصلب والزجاج والسيراميك والورق والسكر والمشروبات.

وتكشف أزمة الغاز المتوقعة أن قيمة مصدر الطاقة تقاس بحصته في المزيج الوطني، وأيضًا بمدى اعتماد الصناعات الحيوية عليه وصعوبة استبداله. ومع اقتراب عام 2028، تصبح قدرة الحكومة والشركات على توفير بدائل في الوقت المناسب عاملًا حاسمًا في حماية الإنتاج والوظائف والأمن الغذائي.

أزمة الغاز تتجاوز نقص الوقود

يذهب نحو 35% إلى 40% من الغاز القادم من حقلي باندي وتيماني إلى منشآت شركة “ساسول” في سيكوندا، حيث يجري تحويل الفحم والغاز الطبيعي إلى وقود صناعي ومواد أولية تستخدمها الصناعات الكيميائية.

وتتجه نسبة مماثلة إلى مجمع الشركة في ساسولبرج، الذي يستخدم الغاز في إنتاج الشمع والميثانول والأمونيا ومجموعة من المواد الكيميائية الأخرى. أما الجزء المتبقي، فيوزع على المستخدمين الصناعيين والتجاريين، ومن بينهم شركات تعمل في الصلب والسكر والورق ولب الخشب وصناعة المحركات.

ويعتمد عدد كبير من هذه الأنشطة على الغاز بوصفه جزءًا من عملية الإنتاج نفسها، وليس مجرد مصدر للحرارة. ففي صناعة الزجاج والسيراميك والصلب، تحتاج الأفران إلى درجات حرارة مرتفعة وثابتة، بينما تدخل الأمونيا والميثانول في سلاسل قيمة صناعية وزراعية واسعة.

ويوفر الغاز عالميًّا نحو 70% من إنتاج الأمونيا، التي تشكل عنصرًا رئيسيًّا في صناعة الأسمدة، كما يدعم بين 55% و65% من إنتاج الميثانول. وبذلك تمتد أزمة الغاز من قطاع الطاقة إلى الزراعة وإنتاج الغذاء، لأن ارتفاع تكلفة الأسمدة أو نقصها ينعكس على المزارعين وأسعار المحاصيل.

كما أن تحويل المصانع إلى مصادر أخرى يحتاج إلى أكثر من استبدال نوع الوقود. فقد تضطر الشركات إلى إعادة تصميم بعض مراحل الإنتاج، وتركيب أنظمة جديدة للتخزين والمناولة، وتعديل الأفران والمراجل، وتحمل فترات توقف وتكاليف رأسمالية إضافية.

الصناعة والوظائف أمام تكلفة مرتفعة

تقدر رابطة مستخدمي الغاز الصناعي في جنوب إفريقيا أن بدائل مثل غاز البترول المسال والديزل والكهرباء قد تكلف ما بين ضعفين وخمسة أضعاف السعر الذي يدفعه المستخدمون حاليًّا مقابل الغاز، قبل احتساب تكلفة تعديل المصانع.

وقد يؤدي هذا الارتفاع إلى زيادة أسعار المنتجات النهائية، وتراجع قدرة الشركات المحلية على منافسة الواردات، وخفض الإنتاج في بعض القطاعات. كما تواجه المنشآت كثيفة الاستهلاك احتمال إعادة النظر في خطط الاستثمار والتوسع إذا أصبحت تكلفة التشغيل غير قابلة للاستمرار.

وتعتمد على الإمدادات الحالية مجموعة من الصناعات التي توفر ما بين 70 ألفًا و100 ألف وظيفة مباشرة، ما يوضح حجم التأثير المحتمل لأزمة الغاز في سوق العمل. وتتسع المخاطر مع الدور المحوري لشركة “ساسول” في الاقتصاد؛ إذ بلغ إسهامها نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي لجنوب إفريقيا عام 2021، بينما ارتبطت أنشطتها بنحو 500 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة.

ولا تتوقف التداعيات عند عمال المصانع الكبرى، إذ تمتد إلى الموردين وشركات النقل والخدمات والمزارعين والمتاجر والمستهلكين. فارتفاع تكلفة المواد الكيميائية والأسمدة والورق والزجاج والوقود يمكن أن ينتقل تدريجيًّا عبر الاقتصاد، ويضيف مزيدًا من الضغوط على الأسعار.

وتشير التقديرات إلى أن البلاد قد تحتاج إلى ما بين 300 و400 بيتاجول من الغاز سنويًّا (وحدة لقياس الإحصاءات الكبيرة من الطاقة للدول أو القطاعات الكبرى مثل الصناعة والنقل)، بما يعادل نحو 6 إلى 8 ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال، لتلبية احتياجات التدفئة الصناعية وتوليد الكهرباء باستخدام الغاز.

ويعني ذلك أن الإمدادات الحالية لا تكفي لتلبية الطلب المستقبلي، بينما يؤدي تأخير القرارات إلى زيادة احتمالات ارتفاع الأسعار وتراجع النشاط الصناعي واتساع حالة عدم اليقين. ومن ثم، تتحول أزمة الغاز إلى ملف يرتبط بالسياسة الصناعية وحماية الوظائف بقدر ارتباطه بأمن الطاقة.

الغاز الطبيعي المسال يسابق موعد الأزمة

ترى دراسة أعدتها مؤسسة “Trade & Industrial Policy Strategies” في مارس 2026 أن استيراد الغاز الطبيعي المسال يمثل الخيار الأكثر واقعية على المدى القصير والمتوسط، لأن الموارد المحلية والإقليمية الجديدة تحتاج إلى وقت أطول قبل أن تصبح جاهزة للاستخدام التجاري.

وتتقدم خطط لإنشاء محطات استيراد في خليج ريتشاردز داخل جنوب إفريقيا، إلى جانب خيارات إقليمية في ميناء ماتولا بموزمبيق. كما يمكن لميناء ديربان أداء دور في استقبال الغاز الطبيعي المسال، غير أن البنية الحالية لخطوط الأنابيب لا تكفي لتوصيل الإمدادات الساحلية إلى المناطق الصناعية الداخلية.

ولهذا يقترح التقرير استراتيجية تقوم على مسارين متكاملين؛ الأول عبر محطة في موزمبيق تتصل بخط “رومبكو” وتخدم السوق الداخلية، والثاني عبر محطة في مقاطعة كوازولو ناتال لتلبية احتياجات الصناعات الساحلية ومشروعات توليد الكهرباء.

الغازات الدفيئة

فجوة زمنية ترفع تكلفة البدائل

ويستهدف التصور تشغيل المحطتين بحلول منتصف عام 2030، لكن تراجع الإمدادات يبدأ في 2028، ما يترك فجوة زمنية تحتاج إلى ترتيبات انتقالية واضحة. وقد تشمل هذه الترتيبات استخدام غاز البترول المسال والديزل والكهرباء والغاز الطبيعي المسال المنقول بالشاحنات والغاز الطبيعي المضغوط.

وتوجد بدائل أخرى مثل الميثان الحيوي والهيدروجين الأخضر وتوسيع الاعتماد على الكهرباء، لكنها تواجه قيودًا تتعلق بالتكلفة والنضج التقني والبنية الأساسية. كما أن بعض الحلول السريعة قد يؤدي إلى انبعاثات أعلى، ما يضع جنوب إفريقيا أمام معادلة تجمع بين استمرار الصناعة والحفاظ على مسار التحول منخفض الكربون.

وهنا ترتبط الاستجابة لأزمة الغاز بالهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بتوفير طاقة موثوقة وبأسعار معقولة، لأن تأمين الإمدادات البديلة ضروري لاستمرار الصناعة وتجنب ارتفاع تكاليف الإنتاج. كما تتصل بالهدف التاسع المعني بالصناعة والابتكار والبنية التحتية، إذ يعتمد نجاح المرحلة الانتقالية على تطوير محطات الاستيراد وخطوط الأنابيب وبناء منظومة طاقة أكثر مرونة، يمكنها استيعاب البدائل الأنظف مستقبلًا.

القرارات الحالية تحسم ما بعد 2030

نشرت جنوب إفريقيا مسودة الخطة الرئيسية للغاز، وحددت خليج ريتشاردز موقعًا رئيسيًّا للاستيراد، كما درست خيار ماتولا بوصفه مسارًا إقليميًّا. وتقدمت بعض المشروعات في إجراءات التراخيص والموافقات البيئية، وبدأت مناقشات مع المشترين المحتملين، لكن كل خطوة ما زالت تحتاج إلى سنوات من العمل.

وتتوقع الخطة احتمال وصول الطلب إلى نحو 400 بيتاجول سنويًّا في المناطق الداخلية بحلول عام 2050، إضافة إلى 350 بيتاجول في المناطق الساحلية. وتحتاج هذه الأرقام إلى التحول من تقديرات تخطيطية إلى عقود شراء ومشروعات تخزين وخطوط أنابيب ومرافق استيراد قابلة للتنفيذ.

كما تتطلب المرحلة المقبلة وضع استراتيجية واضحة تربط الغاز بتوليد الكهرباء والصناعة، وتحدد حجم الإمدادات المطلوبة والجهات التي ستشتريها وآليات التسعير والتخزين وتوزيع المخاطر بين الحكومة والمستثمرين.

وتحتاج جنوب إفريقيا إلى تطوير القوانين والإجراءات المنظمة لمشروعات النفط والغاز، خاصة ما يتعلق بسرعة إصدار التراخيص البيئية ووضوح متطلبات التقييم قبل بدء المشروعات البحرية. كما يتطلب الأمر إنشاء آليات متخصصة لحسم النزاعات، إلى جانب استخدام التخطيط المكاني البحري لتنظيم استغلال السواحل والمياه بين مشروعات الطاقة وأنشطة الصيد والنقل وحماية البيئة.

وفي الختام، يظل التنسيق العامل الأكثر أهمية، لأن تأخر التراخيص أو التعاقدات أو تطوير المحطات أو مشروعات الإنتاج المحلي يمكن أن يؤثر في قدرة البلاد على تأمين الإمدادات البديلة. ويقترح التقرير إنشاء هيكل تنفيذي مخصص يجمع الجهات الحكومية والشركات والمستثمرين تحت قيادة واحدة تتابع القرارات ومواعيد التنفيذ.

وتعرف جنوب إفريقيا موعد الخطر والقطاعات المعرضة له والحلول الممكنة، ما يجعل سرعة التنفيذ هي العامل الحاسم. فالقرارات التي تتخذ خلال السنوات القليلة المقبلة ستحدد ما إذا كانت البلاد ستعبر تراجع الإمدادات بأقل الخسائر، أم ستواجه بعد 2030 أزمة صناعية واقتصادية أوسع من نقص الغاز نفسه.

وفي هذا الصدد، تلفت مؤسسة حماة الأرض إلى أن التعامل مع أزمة الغاز يتطلب رؤية توازن بين حماية الوظائف واستمرار الصناعة وتسريع الانتقال نحو مصادر أكثر استدامة. فالاستجابة العاجلة ينبغي أن تعزز أمن الطاقة من دون تحويل الحلول المؤقتة إلى التزامات طويلة الأمد ومرتفعة التكلفة والانبعاثات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى