علوم مستدامة

صخرة الجوع تعود للظهور.. كيف كشف نهر الدانوب أزمة المياه والغذاء والطاقة؟

نهر الدانوب

صخرة الجوع تعود للظهور.. كيف كشف نهر الدانوب أزمة المياه والغذاء والطاقة؟

لقرون طويلة، ارتبط ظهور صخرة ضخمة أسفل تل جيليرت في بودابست بتحذير مخيف؛ فعندما كان منسوب نهر الدانوب ينخفض إلى درجة تكشف الصخرة، كانت الطواحين العائمة تتوقف، والمحاصيل تدخل مرحلة الخطر، ويصبح الجوع احتمالًا قريبًا. ولهذا عرفها سكان العاصمة المجرية باسم “صخرة الجوع”.

وفي صيف 2026، ظهرت الصخرة من جديد، وهذه المرة بصورة شبه كاملة، بعدما تراجع منسوب المياه إلى مستويات قياسية. ومع انكشاف أجزاء واسعة من قاع النهر، بدأت آثار الجفاف تمتد من الزراعة ومياه الشرب إلى الطاقة والمحميات الطبيعية، لتتحول الصخرة التاريخية من رمز قديم إلى علامة على أزمة يعيشها السكان بالفعل.

نصف المحصول يضيع

على ضفاف نهر الدانوب في قرية بوتشميجير، يقف المزارع إستفان سوموغي أمام أرض تغير شكلها تحت وطأة الحرارة والجفاف. إذ يقدر المزارع البالغ من العمر 56 عامًا أنه فقد قرابة 50% من محصوله خلال العام، بينما قد ترتفع الخسائر إلى نحو 70%. كما صرح بأنه لم يشهد كارثة زراعية بالحجم نفسه منذ أن بدأ العمل في هذه الأرض بعد نهاية الحكم الشيوعي.

كما ظهرت مؤشرات الخطر خلال السنوات السابقة مع تكرار موجات الحر ومواسم الجفاف. ففي العام الماضي، ساعد ارتفاع منسوب النهر على الاحتفاظ بقدر من الرطوبة داخل التربة، أما هذا العام فتراجعت المياه بصورة جعلت إنقاذ كثير من المحاصيل أكثر صعوبة.

وتكشف هذه الخسائر جانبًا من الصلة بين تغير المناخ والأمن الغذائي، وهو ما يرتبط بالغاية 2.4 من أهداف التنمية المستدامة، التي تركز على بناء نظم زراعية أكثر قدرة على الصمود أمام الجفاف والظواهر المناخية المتطرفة.

نصف المحصول يضيع

مدن تبحث عن المياه

على الضفة المقابلة، ظهرت آثار الأزمة بصورة مختلفة في مدينة سانت أندريه، حيث واجه آلاف السكان اضطرابات في إمدادات مياه الشرب.

وخلال أشد أيام موجة الحر، تُرك ما بين 4 آلاف و5 آلاف أسرة من دون مياه، واضطرت السلطات إلى توزيع نحو 25 طنًا من المياه على السكان، خاصة كبار السن والفئات الأكثر احتياجًا.

كما سجلت خدمات الطوارئ نحو 100 اتصال يوميًّا، بينما وصف نائب عمدة المدينة مشاهد لسيدات مسنات يحتضنَّ موظفي الإغاثة عند وصول المياه إليهن ويبكين من شدة التأثر.

وفي هذا السياق، يكشف انخفاض نهر الدانوب هنا كيف يمكن لأزمة مناخية أن تنتقل بسرعة من البيئة إلى الخدمات الأساسية داخل المدن، وهو ما يجعل ضمان الوصول المستدام إلى مياه الشرب، قضيةً ترتبط مباشرة بقدرة المجتمعات على مواجهة موجات الجفاف الطويلة، كما يستهدف الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة: المياه النظيفة والنظافة الصحية.

مدن تبحث عن المياه

قاع النهر يتحول إلى طريق للمارة

في بودابست، أصبح حجم التراجع أكثر وضوحًا، فعادة ما يتراوح متوسط ارتفاع مياه نهر الدانوب في العاصمة بين مترين وثلاثة أمتار، وقد يصل في بعض الظروف إلى 8 أمتار. لكن في 4 أغسطس، تراجع المنسوب إلى مستوى قياسي تراوح بين 14 و19 سنتيمترًا فقط.

ومع انحسار المياه، ظهرت مساحات واسعة من قاع النهر، إلى جانب بقايا ظلت مخفية لعقود، من بينها آثار جسر دمر بعد الحرب العالمية الثانية وحطام سفينة حربية قديمة.

أيضًا وصل المشهد إلى درجة دفعت غابور كورتي، رئيس نادي الدراجين المجري، إلى ركوب دراجته لمسافة نحو 30 كيلومترًا فوق أجزاء من قاع النهر المكشوف.

بالنسبة للبعض بدت الرحلة مغامرة غير معتادة، لكنها حملت له معنى مختلفًا؛ فقد مر بأماكن كان يسبح أو يجدف فيها خلال طفولته، ثم وجد نفسه بعد سنوات يعبرها على دراجة. ووصف التجربة بأنها مشهد مؤلم يكشف حجم التحول الذي أصاب النهر.

قاع النهر يتحول إلى طريق للمارة

الطبيعة تحت الضغط

لم تتوقف الأزمة عند المدن والمزارع، ففي منطقة ناجيتيتيني، أصبحت أراضٍ كانت تغمرها مياه نهر الدانوب قبل أشهر قليلة مكشوفة أمام المارة، فيما تراجعت المياه عن أجزاء من غابات السهول الفيضية التي تمثل موطنًا للنباتات البرية وحيوانات من بينها القندس الأوروبي.

كما أصبحت بعض قنوات النهر ضحلة إلى درجة تعوق حركة قوارب الكاياك، ما يدفع مستخدميها أحيانًا إلى حمل القوارب والسير بها على اليابسة.

ومع استمرار الجفاف، بدأت السلطات المجرية ضخ المياه إلى عدد من المحميات الطبيعية والأراضي الرطبة بهدف منعها من الجفاف الكامل، في محاولة للحفاظ على الأنظمة البيئية التي تعتمد على استمرار تدفق المياه.

الطبيعة تحت الضغط

الطاقة تدخل الأزمة

يمثل قطاع الطاقة أحد أكثر جوانب الأزمة حساسية. فالمجر تعتمد على مياه نهر الدانوب في تبريد مفاعلات نووية، ومع انخفاض مستوى المياه وتفاقم أزمة الطاقة، اضطرت البلاد إلى إغلاق جميع المفاعلات المبردة بمياه النهر باستثناء واحد.

وكانت هذه المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك منذ 44 عامًا.

وتوضح هذه التطورات كيف يمكن للجفاف أن يؤثر في قطاعات تبدو بعيدة عن الزراعة أو مياه الشرب. فالنهر هنا يؤدي أدوارًا متعددة في الوقت نفسه، ويؤدي اضطراب تدفقه إلى ضغوط تمتد إلى الكهرباء والاقتصاد والخدمات.

الأزمة تضرب الأضعف

تزداد صعوبة الوضع في المناطق الأكثر فقرًا وتهميشًا، حيث دخل الجفاف على مشكلات قائمة أصلًا في الوصول إلى المياه وشبكات الصرف. وتظهر هذه الفجوة بوضوح في قصة جيزا أورشوش ريناتا، التي تعيش مع أطفالها الأربعة في منزل صغير على أطراف مدينة باكس.

لم تكن الأسرة تمتلك مصدرًا للمياه الجارية حتى قبل أزمة الجفاف، وكانت تعتمد على المياه التي تحصل عليها من أحد الجيران. ومع تصاعد الأزمة، أصبح أحد أصدقائها يجلب لها المياه مرة واحدة أسبوعيًّا.

وفي الوقت نفسه، تعمل ريناتا نفسها في ري المساحات الخضراء العامة التي تكافح البلدية للحفاظ عليها، في مفارقة تكشف كيف يمكن لشخص أن يشارك في مواجهة آثار الجفاف داخل مدينته بينما يواجه نقص المياه داخل منزله.

وفي باكس أيضًا، يعمل الموظفون خلال عطلات نهاية الأسبوع للحفاظ على أكثر من 700 شجرة مهددة، بينما أصبح استخدام مياه الصنبور في ري الحدائق مقيدًا، واتجه السكان إلى جمع المياه المستخدمة وإعادة الاستفادة منها في الري.

تحذير يعود كل عام

في طريق العودة إلى بودابست، كانت السحب تتجمع أحيانًا في السماء وكأنها تحمل وعدًا بالمطر، ثم تتبدد قبل المساء، لتترك السكان أمام انتظار جديد. ويبقى الأمل معلقًا بأن ترتفع مياه نهر الدانوب مرة أخرى، فتختفي صخرة الجوع تحت السطح وتعود إلى مكانها في الذاكرة والتاريخ.

لكن المزارعين الذين يعيشون الأزمة على الأرض يرون اتجاهًا أكثر قلقًا. فبالنسبة إلى سوموغي، أصبحت موجات الجفاف المتكررة جزءًا من نمط يزداد وضوحًا عامًا بعد عام.

وفي هذا الصدد، تشير مؤسسة حماة الأرض إلى أن ما يحدث على ضفاف نهر الدانوب يكشف طبيعة مترابطة للأزمات المناخية؛ فتراجع المياه يضغط على الغذاء والطاقة والنظم الطبيعية والخدمات الأساسية في الوقت نفسه.

وبعد قرون من اعتبار “صخرة الجوع” علامة تحذير من زمن مضى، تعيد الأزمة الحالية منحها معنى جديدًا؛ إذ أصبحت شاهدة على مستقبل يحتاج إلى إدارة أكثر كفاءة للمياه، وزراعة أكثر قدرة على التكيف، وبنية أساسية تستطيع الصمود أمام مناخ يتغير بسرعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى