علوم مستدامة

الحياة البرية والبحرية.. كيف تشكل العلاقة بين الإنسان والطبيعة مستقبل كوكبنا؟

الحياة البرية

الحياة البرية والبحرية.. كيف تشكل العلاقة بين الإنسان والطبيعة مستقبل كوكبنا؟

أصبحت علاقة الإنسان مع الحياة البرية والبحرية أشد تعقيدًا من أي وقت مضى، وهذا في ظل التوسع العمراني وزيادة الأنشطة الاقتصادية والسياحية. وبينما كانت جهود الحفاظ على البيئة تركز في الماضي على حماية الحيوانات وبيئاتها الطبيعية من التأثيرات البشرية نجد ضوءًا مسلَّطًا على أهمية فهم التفاعلات المتبادلة بين البشر وهذه البيئات؛ سعيًا وراء الحفاظ على التنوع البيولوجي.

وذلك ما قامت به دراسة حديثة تناولت عددًا من الأمثلة في جنوب إفريقيا، تُظهر أنَّ العلاقة بين الإنسان والحياتينِ البرية والبحرية تتشكل بفعل التغيرات البيئية، وتتأثر بسلوك الحيوانات وتصورات المجتمعات والممارسات البشرية وقوانين التعامل مع الطبيعة، وهو ما يجعل التعايش مع جميع الكائنات الحية قضية متغيرة تتطلب فهمًا مستمرًّا لمختلف العوامل المؤثرة فيها.

وتشير هذه التوجهات إلى أنه بالرغم من أنَّ التعايش مع الحياة البرية والبحرية يقوم على حماية الأنواع المهددة أو إنشاء المحميات الطبيعية، فإنه يشمل أيضًا -وهذا هو الأكثر أهمية- فهم العوامل التي تؤثر في نظرة المجتمعات إلى الحيوانات وكيفية تعاملها معها.

لماذا التعايش مع الحياة البرية مهم؟

مما أظهرته الدراسة التي نشرتها “مجلة People and Nature” البريطانية، أنَّ العقود الأخيرة قد شهدت تحولًا ملحوظًا في مفهوم الحفاظ على البيئة، حينما كانت السياسات التقليدية تقوم على الفصل بين الإنسان ومَواطن الحيوانات، انطلاقًا من فكرة مفادها أنَّ الحيوانات تحتاج إلى الحماية من البشر أو أنَّ البشر يحتاجون إلى حمايتهم من الحيوانات، ثم مع زيادة التداخل بين الأنشطة البشرية والموائل الطبيعية أصبح هذا النهج أقل قدرة على التعامل مع التحديات الجديدة.

وفي المقابل برز مفهوم التعايش مع الحياة البرية والبحرية باعتباره نهجًا أكثر شمولًا، نهجًا يقوم على فهم العلاقات المتغيرة بين البشر والحيوانات وكيفية تأثرها بالأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. وعلى ذلك توضح الدراسة أنَّ نجاحَ جهود الحفاظ على البيئة معتمِدٌ في جانب كبير منه على حماية الأنواع، وكذلك مرتبِطٌ بفهم الطريقة التي ينظر بها الناس إلى الحياة البرية والبحرية وقيمتها العملية.

كذلك أظهرت الدراسة أنَّ العلاقة بين الإنسان وبيئة الأنواع الحية تتغير باستمرار؛ بسبب تغير سلوك الحيوانات أو تطور القوانين أو تغير الممارسات المجتمعية، وهو ما يجعل فهم هذه العلاقات عنصرًا مهمًّا في تصميم سياسات حماية أكثر فاعلية واستدامة.

كيف يؤثر سلوك الحيوانات في الإنسان؟

يمكن للتغيرات التي تطرأ على الحيوانات أنْ تؤثر تأثيرًا مباشرًا في الأنشطة البشرية والاقتصادات المحلية؛ ففي بعض المناطق الساحلية بجنوب إفريقيا -على سبيل المثال- أدى تغير سلوك القروش البيضاء وانتقالها بعيدًا عن بعض مواقعها المعتادة إلى تغير أنماط استخدام الشواطئ والأنشطة البحرية، حيث اشتد إقبال بعض السائحين على السباحة والأنشطة المائية بعد تراجع مخاوفهم بشأن وجود قروش.

كما تسبب ظهور حالات إصابة بداء الكلب بين فقمات الفراء في تغيير نظرة السكان والزوار إليها، وأدى إلى تعليق بعض الأنشطة السياحية المرتبطة بالغوص والسباحة؛ وهو ما انعكس على مكاسب الشركات العاملة في هذا المجال.

وهذانِ المثالانِ -وغيرهما- يوضحانِ كيف يمكن لتغيرات محدودة في سلوك الحيوانات أو انتشار الأمراض بينها أنْ تكون سببًا في تحول طبيعة العلاقة بين الإنسان والحيوان، وهو أمر ذو علاقة بالهدف الرابع عشر: الحياة تحت الماء، والهدف الخامس عشر: الحياة في البر.

كيف يغير البشر علاقتهم بالمواطن الطبيعية؟

إنَّ العلاقة بين الإنسان والمواطن الطبيعية الخاصة بالحيوانات تتأثر في الأساس بالأفكار والثقافة والإعلام والممارسات اليومية؛ فإنَّ الأفلام الوثائقية والقصص الإعلامية -على سبيل المثال- قادرة على إعادة تشكيل نظرة الناس إلى الطبيعة وإثارة اهتمامهم بأنواع معينة من الحيوانات أو البيئات الطبيعية.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك الفيلم الوثائقي”My Octopus Teacher”، الذي أسهم في زيادة الاهتمام بالغوص واستكشاف غابات الأعشاب البحرية في جنوب إفريقيا، وهو الذي شجَّع شركات سياحية على تطوير أنشطة مستوحاة من التجربة التي عرضها الفيلم.

ومن جانب آخر أظهرت حادثة مقتل الأسد الشهير “سيسيل” في زيمبابوي عام 2015، كيف يمكن لحادث واحد أنْ يثير ردود فعل عالمية واسعة، ويحول قضية محلية إلى نقاش دولي حول أخلاقيات الصيد وحماية الحياة البرية.

ما دور قوانين التعايش مع بيئة الحيوانات؟

تؤدي القوانين والسياسات العامة دورها المحوري في تشكيل العلاقة بين الإنسان والبيئات الطبيعية؛ لأنَّ قرارات مثل تنظيم الصيد أو إدارة المحميات أو وضع قوانين لحماية الأنواع قادرة على التأثير في نظرة المجتمعات إلى الحيوانات البرية والبحرية، وعلى مدى استعدادها للمشاركة في جهود الحفاظ على البيئة.

وفي بعض الدول ساعدت التشريعات -تلك التشريعات التي تمنح المجتمعات المحلية أو ملاك الأراضي منافع اقتصادية مرتبطة بالحياة البرية والبحرية- على تعزيز اهتمام الإنسان بالبيئات الطبيعية ، وأيضًا أسهمت مبادرات أخرى في رفع العبء عن بعض الأنواع، مثل التوسع في استخدام بدائل صناعية للمنتجات الحيوانية التي كانت تعتمد سابقًا على الحيوانات.

وتوضح هذه التجارب أنَّ السياسات الفعالة تسعى -مع دورها في حماية الحيوانات- إلى بناء توازن بين احتياجات المجتمعات المحلية وأهداف الحفاظ على البيئة، بما يدعم التعايش مع المواطن الطبيعية للحيوانات على المدى الطويل.

مستقبل الحفاظ على البيئة

مع اشتداد تأثير تغير المناخ وفقدان الموائل الطبيعية والتوسع العمراني صارت هناك ضرورة إلى اقتراح حلول قادرة على تحقيق التوازن بين احتياجات الإنسان ومتطلبات حماية الطبيعة؛ ولهذا يشير كثير من الباحثين إلى أنَّ مستقبل الحفاظ على البيئة يعتمد على مدى فهم العلاقات المتغيرة بين البشر والكائنات الحية.

ذلك لأنَّ مشاعر الخوف أو الإعجاب أو المسئولية أو التقدير تجاه الحيوانات لها تأثيرها الإيجابي في القرارات والسلوكيات التي يتخذها الأفراد والمجتمعات تجاه الطبيعة؛ مِنْ ثَمَّ فإنَّ بناء علاقة إيجابية ومتوازنة بين الإنسان وبيئات الحيوانات في البر والبحر يسهم في تقليل النزاعات، ويعزز جهود الحماية، ويحقق نتائج أكثر استدامة.

التنمية الزراعية

وفي الختام، كانت تلك قراءة موضوعية قدَّمتها مؤسسة حماة الأرض من خلال أحدث الدراسات العلمية التي بحثت في العلاقة بين الإنسان وبيئات الحيوان في البر والبحر، وتطوير سياسات تراعي احتياجات الإنسان ومتطلبات الحفاظ على التنوع البيولوجي، وهو ما يُعد عنصرًا أساسيًّا في بناء مستقبل أكثر توازنًا وقدرة على حماية الحياة البرية والبحرية، سواء للأجيال الحالية أو الأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى