ارتفاع ضحايا زلزال اليابان إلى 17 قتيلًا مع تفاقم أزمة المياه والحرارة
ترك زلزال اليابان الذي ضرب محافظة كوماموتو الجنوبية بقوة 7.1 درجة آلاف السكان في مواجهة أزمة تتجاوز المنازل المنهارة والطرق المتشققة. فبعد يومين من الهزة، ظلت أعداد كبيرة من نحو 58 ألف أسرة في مدينة ياتسوشيرو من دون مياه جارية أو كهرباء، بالتزامن مع حرارة صيفية قاسية ورطوبة مرتفعة.
ويخشى المسئولون المحليون أن تتحول الأضرار غير المرئية في شبكات المياه والطاقة إلى تهديد مباشر لصحة السكان، خاصة مع عدم وضوح المدة اللازمة لإصلاح خطوط المياه الرئيسية. فقد تستغرق العملية أيامًا أو أسابيع أو حتى أشهرًا، بينما يحتاج الناجون إلى المياه للشرب والنظافة وتشغيل المرافق الصحية.
وفي ظل درجات حرارة بلغت نحو 35 درجة مئوية، وتعطل المراحيض داخل مبنى البلدية، اضطرت السلطات إلى إقامة مراحيض طوارئ فوق فتحات الصرف في الخارج. ويكشف هذا المشهد كيف يمكن لتعطل الخدمات الأساسية بعد الكوارث أن يضاعف المعاناة، حتى في دولة تمتلك خبرة واسعة في التعامل مع الزلازل.
ارتفع عدد الوفيات المؤكدة نتيجة زلزال اليابان إلى 17 شخصًا، وفق حكومة محافظة كوماموتو. وسقطت غالبية الضحايا داخل مصنع تابع لشركة “نيبون لصناعات الورق”، حيث تعرض لأضرار هيكلية كبيرة، وفي مركز تسوق تابع لشركة “أيون”، حيث وقع انفجار يُحتمل ارتباطه بتسرب للغاز.
كما أعلنت السلطات وجود 6 أشخاص في حالة توقف قلبي وتنفسي. وعند احتساب الوفيات التي ما زالت الجهات المختصة تحقق في مدى ارتباطها بالزلزال، تصل الحصيلة إلى 30 حالة.
ومن بين الضحايا عامل فيتنامي متزوج حديثًا، ترك زوجته وطفله البالغ من العمر 7 أشهر. وروت الزوجة أن آخر مكالمة مرئية جمعتهما كانت في الليلة السابقة للزلزال، ولم تكن تتوقع أن تصبح حديثهما الأخير.
وتضيف هذه القصة بُعدًا إنسانيًّا إلى الأرقام، وتوضح كيف يمكن لكارثة تستمر ثواني معدودة أن تغير حياة أسر كاملة، بينها عمال أجانب قدموا إلى اليابان بحثًا عن فرصة عمل وحياة أكثر استقرارًا.
العطش والحرارة يحاصران الناجين
تحركت شاحنات قوات الدفاع الذاتي اليابانية فور وقوع زلزال اليابان لنقل خزانات المياه إلى المدارس والمراكز المجتمعية في أنحاء ياتسوشيرو، قبل أن تعود إلى مقر البلدية لملئها من خزانات الطوارئ الموجودة أسفل المبنى.
لكن حجم الطلب دفع السلطات إلى تحديد حصة كل شخص بنحو 5 لترات فقط، وهي كمية محدودة في ظل ارتفاع درجات الحرارة والحاجة إلى الشرب والطهي والنظافة الشخصية.
واضطر السكان إلى الوقوف في طوابير للحصول على المياه والاحتياجات الأساسية، بينما ازدحمت المتاجر القليلة التي واصلت العمل. كما تشكلت صفوف طويلة من السيارات أمام محطات الوقود، مع محاولة الأسر تأمين ما تحتاج إليه خلال فترة يصعب تحديد موعد انتهائها.
وفي هذا السياق، تكشف تداعيات زلزال اليابان عن صلة مباشرة بالهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة المعني بالمياه النظيفة والصرف الصحي، وخاصة الغاية 6.1 التي تستهدف ضمان حصول الجميع على مياه شرب مأمونة وميسورة التكلفة، ويقيسها المؤشر 6.1.1 من خلال نسبة السكان الذين يستخدمون خدمات مياه شرب مدارة بأمان.
فتحديد حصة الفرد بنحو 5 لترات والاعتماد على خزانات الطوارئ يعكسان تعطل الوصول المنتظم إلى المياه عند الحاجة، وهو أحد العناصر الأساسية في هذا المؤشر.
كما ترتبط الأزمة بالغاية 6.2 المعنية بتوفير خدمات الصرف الصحي والنظافة للجميع، والتي يتابعها المؤشر 6.2.1 عبر قياس استخدام خدمات الصرف المدارة بأمان وتوافر مرافق غسل اليدين بالماء والصابون.
وتزداد المخاطر مع توقع اقتراب الحرارة من 40 درجة مئوية خلال عطلة نهاية الأسبوع. فقد حذرت السلطات من احتمال الإصابة بضربات الحرارة، خاصة بين كبار السن والأطفال والمرضى والمقيمين داخل مراكز الإيواء.
وبدأت قوات الدفاع الذاتي تركيب نحو 300 وحدة تكييف في مراكز الإجلاء والمواقع الرئيسية داخل كوماموتو، في محاولة لتقليل المخاطر الصحية الناتجة عن تزامن انقطاع الكهرباء والمياه مع الطقس شديد الحرارة.
المصانع وسلاسل التوريد تتأثر
امتدت آثار الزلزال إلى النشاط الصناعي في كوماموتو وأجزاء أخرى من منطقة كيوشو، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة مركزًا مهمًّا لصناعة السيارات وأشباه الموصلات.
وأجبرت الهزة شركات مثل “تويوتا” و”هوندا” و”نيسان” و”آيسن” و”سوني” على وقف بعض عمليات الإنتاج. كما أخلت شركة “TSMC” التايوانية عددًا من العاملين وعلقت نشاطها لفترة قصيرة لتقييم الأضرار.
وأكدت الحكومة اليابانية أن الوقت ما زال مبكرًا لتقدير التأثير الاقتصادي الكامل، خاصة على سلاسل توريد السيارات والرقائق الإلكترونية. وتضع السلطات حاليًّا استعادة الموانئ وشبكات المياه والطاقة والمرافق الحيوية في مقدمة الأولويات.
ورغم معايير البناء الصارمة وتدريبات الطوارئ المنتظمة، يوضح زلزال اليابان أن قوة المدن في مواجهة الكوارث تعتمد على صمود المباني وحده، إلى جانب قدرة شبكات المياه والكهرباء والنقل على مواصلة العمل أو استعادة خدماتها بسرعة.
المياه والبنية التحتية في قلب التعافي
سبق لسكان المنطقة أن واجهوا زلزالين قويين في إبريل 2016، أسفرا عن وفاة أكثر من 260 شخصًا وتدمير آلاف المنازل. ومع ذلك، وصف بعض سكان ياتسوشيرو الهزة الأخيرة بأنها أشد مما عاشوه قبل عقد، بعدما أسقطت الأرفف وقذفت أجهزة الحاسوب وأشعرتهم بأن الأرض تتحرك من تحتهم.
وتكشف تداعيات زلزال اليابان وتعطل المياه والكهرباء أن قدرة المدن على الصمود تشمل مرونة شبكات الخدمات وسرعة استعادتها. وهنا ترتبط الأزمة بالهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة المعني بالمدن والمجتمعات المحلية المستدامة، ولا سيما الغاية 11.5 التي تدعو إلى خفض الوفيات والخسائر الاقتصادية الناتجة عن الكوارث، مع التركيز على حماية الفئات الأكثر تعرضًا للخطر.
كما تتصل بالغاية 11.b، المعنية بتطوير خطط متكاملة لإدارة مخاطر الكوارث وتعزيز قدرة المدن والمجتمعات على مواجهتها. ويظهر ذلك في الحاجة إلى خطط طوارئ تضمن استمرار إمدادات المياه والطاقة، وتجهيز مراكز الإيواء بالتبريد، وتأمين المرافق الصحية خلال فترات التعافي.
وفي هذا الصدد، تشير مؤسسة حماة الأرض إلى أن الدروس التي يكشفها زلزال اليابان تؤكد حاجة المدن إلى شبكات مياه وطاقة مرنة، وخطط تراعي احتمال تزامن الزلازل مع الحرارة الشديدة. فخفض الخسائر يعتمد على حماية السكان من العطش والحرارة وتعطل الخدمات بعد وقوع الكارثة.
وبينما تواصل فرق الإنقاذ والإغاثة عملها، يظل إصلاح البنية التحتية التحدي الأكبر أمام التعافي. فقد انتهت الهزة الرئيسية، لكن معاناة السكان مع نقص المياه والكهرباء والحرارة ما زالت مستمرة.