مصر تعزز خطة الصحة العامة لمواجهة الإدمان باستراتيجية وطنية وشراكة دولية

مصر تعزز خطة الصحة العامة لمواجهة الإدمان باستراتيجية وطنية وشراكة دولية
الصحة العامة هي المؤشر الذي يقيس قدرة الدول على حماية الإنسان، وتعزيز جودة حياته؛ إذْ تمتد أدوارها إلى ما هو أبعد من تقديم الخدمات الطبية، لتشمل الوقاية من السلوكيات والممارسات التي تهدد سلامة الأفراد والمجتمع.
وفي هذا الإطار تكتسب جهود مكافحة ظاهرة تعاطي المخدرات والإدمان أهمية متزايدة، وهذا بوصفها قضية صحية وتنموية تتطلب تكامل جهود المؤسسات الوطنية والمنظمات الدولية، بما يضمن بناء سياسات قائمة على الوقاية المبكرة، والعلاج الفعال، وإعادة التأهيل، وترسيخ بيئة مجتمعية أشد أمنًا وأكثر استقرارًا.
ومن هذا المنطلق شارك الدكتور/ عمرو عثمان “مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي”، في أعمال “حوار السياسات رفيع المستوى لتعزيز إجراءات الصحة العامة بشأن مواجهة التعاطي والإدمان“.
وهو المؤتمر الذي استضافته القاهرة ضمن المبادرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، وبدعم من مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، وذلك في إطار دعم تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات والحد من أخطار التعاطي والإدمان، التي أُطلقت تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي.
سبل مكافحة الإدمان
شهدت الجلسة الافتتاحية مشاركة الدكتورة/ حنان بلخي “المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط”، وكريستينا ألبرتين “الممثلة الإقليمية لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة”، إلى جانب الدكتور/ نعمة عبد “ممثل منظمة الصحة العالمية في مصر”، والدكتور/ أيمن عباس “رئيس الإدارة المركزية للأمانة العامة للصحة النفسية”، فضلاً عن خبراء من منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة، وقيادات صندوق مكافحة وعلاج الإدمان، وممثلي الوزارات والجهات المعنية.

وقد استهدف الحوار بلورة رؤية وطنية موحدة لتعزيز استجابة منظومة الصحة العامة لمشكلة التعاطي والإدمان، من خلال إعداد خطة عمل مرنة ومستدامة تستند إلى الاستراتيجية الوطنية، وتتوافق مع المبادرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية.
وذلك رغبة في توسيع خدمات الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل، ومن أجل تحديث السياسات والتشريعات ذات الصلة وفق المعايير الدولية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني.
محاور الاستراتيجية الوطنية
في مشاركته استعرض الدكتور/ عمرو عثمان أبرزَ محاور الاستراتيجية الوطنية، موضحًا أنها تعتمد على رؤية متكاملة تبدأ بالوقاية الأولية داخل المدارس والجامعات ومراكز الشباب، مع الانتقال من حملات التوعية التقليدية إلى برامج وقائية.
مؤكدًا أنَّ هذه البرامج تستهدف بناء المهارات الحياتية لدى النشء والشباب، وتمكين الأسرة من الاكتشاف المبكر لمؤشرات التعاطي، إلى جانب تعزيز دور المؤسسات الدينية في تصحيح المفاهيم المغلوطة، والتوسع في التعريف بخدمات العلاج المجانية، خاصة في المحافظات الأقل إقبالًا على تلك الخدمات.
وكذلك أشار مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي إلى أنَّ الاستراتيجية تتضمن برامج للاكتشاف المبكر، وبناء قدرات الكوادر العاملة في مجال الوقاية والعلاج، والتوسع في الخدمات العلاجية وإعادة التأهيل والدمج المجتمعي والاقتصادي للمتعافين.
وبالإضافة إلى ما سبق تتضمن الاستراتيجية العمل على مواجهة الوصم الاجتماعي، وإدراج معالجات درامية تسهم في تصحيح الصورة الذهنية حول الإدمان والتعافي، وهذا مع تعزيز التعاونينِ الإقليمي والدولي في مجال خفض الطلب على المخدرات، وإنشاء قواعد بيانات متكاملة تدعم التخطيط واتخاذ القرار.
وأكد الدكتور/ عمرو عثمان أنَّ الصندوق حقق في السنوات الماضية عددًا من الإنجازات في إطار تنفيذ الاستراتيجية، من بينها:
- تطوير رابطة المتطوعين لتضم أكثر من 35 ألف متطوع.
- إنشاء عشرة بيوت للتطوع داخل الجامعات المصرية، يستفيد منها نحو 250 ألف طالب.
- إعداد 10000 كادر متخصص من علماء الدين والأطباء لدعم برامج الوقاية.
كما أشار الدكتور/ عمرو عثمان “مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي” إلى إدراج محتوى علمي متخصص في الوقاية من المخدرات ضمن مقرر “القضايا المجتمعية”، وهذا بالتعاون مع المجلس الأعلى للجامعات.
وأيضًا تم العمل على إطلاق أول برنامج ليسانس متخصص في “علم نفس الإدمان والأساليب العلاجية” بجامعة بنها، اعتبارًا من العام الجامعي 2025/2026، مع استمرار تنفيذ الدبلوم المهني لخفض الطلب على المخدرات بالتعاون مع كلية الآداب في جامعة القاهرة، بما يحقق أهداف الصحة العامة والتعليم الجيد.

مبادرة قرية بلا إدمان
وفي إطار جهود التوعية المجتمعية، أوضح مدير الصندوق أنه جرى تنفيذ برامج الوقاية داخل أكثر من 15 ألف مدرسة، و26 جامعة حكومية، و1000 معهد أزهري، إلى جانب إطلاق مبادرة “أندية الوقاية” داخل مراكز الشباب والأندية الرياضية، وبناء قدرات آلاف القيادات التطوعية على استخدام الوسائط الرقمية والمحتويات المرئية في نشر رسائل التوعية.
وفي السياق نفسه أضاف الدكتور/ عمرو عثمان أنَّ مبادرة “قرية بلا إدمان” توسعت داخل قرى المبادرة الرئاسية “حياة كريمة”، حيث نُفذت آلاف الأنشطة التوعوية في مئات القرى، إلى جانب تنظيم القوافل والمعسكرات التطوعية، بما يعزز وصول رسائل الوقاية إلى مختلف الفئات المجتمعية.
وذلك كله قبل أنْ يتناول الدكتور/ عمرو عثمان جهودَ الصندوق داخل المناطق المطورة بديلة العشوائيات، موضحًا أنه تم إنشاء عيادات علاجية داخل تلك المناطق، وقد استفاد منها قرابة 20 ألف متردد، مع تنفيذ زيارات منزلية متكررة للتوعية، وتنظيم مهرجانات أسرية، وإطلاق حملات إعلامية تحت شعار “أنت أقوى من المخدرات” بمشاركة النجم الرياضي العالمي محمد صلاح.

ومما سبق يتبدَّى لنا أنَّ تكلفة الوقاية تظل أقل كثيرًا من تكلفة العلاج، وأنَّ المجتمعات التي تستثمر في بناء وعي الإنسان إنما تؤسس في الوقت نفسه لاقتصاد أكثر إنتاجية، ونسيج اجتماعي أشد تماسكًا، ودولة أكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
وفي تقدير مؤسسة حماة الأرض يظهر أنَّ الأثر الأعمق لمثل هذه الاستراتيجيات يتجلى في قدرتها على تغيير البنية التي قد تُنتج الخطر! وهو ما يطرح مفهومَ الوقاية على أنه فعل تنموي يوازي بناء الطرق والمصانع، لأنَّ الإنسان السليم وعيًا وصحة هو الأصل الذي تُبنى عليه كل صور التقدم، وهو الرصيد الذي تتحدد بقدرته كفاءة الدولة في صيانة حاضرها واستشراف مستقبلها.




