على خطى أستراليا.. بريطانيا تفرض قيودًا على وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال

على خطى أستراليا.. بريطانيا تفرض قيودًا على وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال
شهدت الشهور الأخيرة تصاعدًا في النقاشات العالمية حول مدى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في الأطفال والمراهقين، مع ما تشهده دول كثيرة من مخاوف تتعلق بالصحة النفسية، والتنمر الإلكتروني، والتعرض للمحتوى الضار.
ومع اتساع استخدام المنصات الرقمية بين الفئات العمرية الصغيرة، بدأت عدة دول في دراسة أو تطبيق إجراءات تنظيمية تهدف إلى تعزيز حماية الأطفال في البيئات الرقمية. وكانت أستراليا من أوائل الدول التي اتخذت خطوات واسعة في هذا الاتجاه، كما شهدت دول أخرى مثل كندا وعدد من الولايات الأمريكية نقاشات ومبادرات مشابهة تتعلق بفرض قيود عمرية أو تعزيز أدوات الحماية الرقمية.
لماذا تتزايد مخاوف وسائل التواصل الاجتماعي؟
ازدادت في السنوات الأخيرة النداءات التي تُحذر من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في الأطفال والمراهقين، خاصة مع ارتفاع معدلات استخدام هذه المنصات يوميًّا، وتوسع دورها في تشكيل العلاقات الاجتماعية والأنشطة التعليمية والترفيهية.
وعلى ذلك رأى عدد من الخبراء وصناع القرار أنَّ البيئة الرقمية الحالية تفرض تحديات تتعلق بالصحة النفسية وسلامة الأطفال على شبكة الإنترنت، كما أنها قضية تمنع من تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وفي مقدمتها الهدف الثالث المعنيّ بالصحة الجيدة والرفاه، والهدف الرابع الخاص بالتعليم الجيد، إلى جانب الجهود الرامية إلى بناء مجتمعات أكثر أمنًا وشمولًا في العصر الرقمي.

لأجل تحقيق الرفاه النفسي
تستند هذه المخاوف الرقمية إلى نقاشات متنامية حول تأثير استخدام المنصات الرقمية في الثقة بالنفس، والرفاه النفسي، والقدرة على التركيز والتفاعل الاجتماعي، فضلًا عن أنَّ الأطفال يواجهون تحديات إضافية مرتبطة بالتعرض لمحتوى غير مناسب، أو التواصل مع مجهولين؛ الأمر الذي يدفع بكثير من الحكومات إلى مراجعة سياسات حماية الأطفال في الفضاء الرقمي.
بريطانيا على خطى أستراليا؟
في هذا السياق العالمي أعلنت بريطانيا خططًا لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عامًا، في خطوة أثارت نقاشًا واسعًا بين الحكومة وشركات التكنولوجيا بشأن أفضل سبل حماية الأطفال وضمان سلامتهم الرقمية.
وقد جاءت إجراءات الحكومة البريطانية لتكون من أشد إجراءات تنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بين الأطفال، وتشمل ما يأتي:
- حظر إنشاء الحسابات واستخدام المنصات: يُمنع تمامًا الأطفال دون سن 16 عامًا من تحميل أو امتلاك حسابات على المنصات الرئيسية الستة، وهي: فيس بوك، إنستجرام، سناب شات، تيك توك، يوتيوب، إكس.
- تقييد البث المباشر: حظر خاصية البث المباشر؛ لمنع استغلالهم أو تعرضهم للمضايقات اللحظية.
- ألعاب الفيديو: منع خاصية “الدردشة مع الغرباء” في الألعاب الرقمية؛ لحمايتهم من الصيادين الإلكترونيين.
- الذكاء الاصطناعي العاطفي: حظر استخدام تطبيقات المحادثة العاطفية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، التي تحاكي العلاقات العاطفية والشخصية لمن هم دون سن 18 عامًا.

وفي معرِضِ تبريرِهِ القرارَ الجديدَ، أشار رئيس الوزراء البريطاني “كير ستارمر” إلى أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي تتسبب في زيادة فرص التعرض للتنمر والمضايقات الرقمية، كما قد تؤثر في صحة الأطفال والمراهقين جسديًّا ونفسيًّا.
لماذا تعارض شركات التكنولوجيا هذه القيود؟
في المقابل، واجه القرار انتقادات عدد من شركات التكنولوجيا الكبرى، التي ترى أنَّ الحظر الشامل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، وقد حذرت هذه الشركات من أنَّ منع الأطفال من استخدام المنصات المعروفة ربما يدفع بعضهم إلى اللجوء إلى خدمات أقل أمنًا أو أبعد عن عيون الرقابة.
ومن بين هذه الشركات المحذِّرة شركة ميتا -مالكة فيس بوك وإنستجرام- التي أشارت إلى أنَّ الحظر قد يعزل المراهقين عن المجتمعات الرقمية والمصادر المعلوماتية التي يعتمدون عليها، كما قد يدفعهم نحو منصات لا توفر أدوات الحماية والرقابة الأبوية المتاحة حاليًّا.
وبينما اعتبرت يوتيوب أنَّ القيود الشاملة قد تحرم الأطفال من الاستفادة من المحتوى التعليمي والتجارب الرقمية الخاضعة للإشراف، إذَا بـ”سناب شات” ترى أنَّ التواصلَ الرقميَّ بين الأصدقاء وأفراد الأسرة يمثل جزءًا مهمًّا من حياة المراهقين، والحظرَ التامَّ قد لا يحقق السلامة الرقمية.

هل يكفي الحظر لتحقيق السلامة الرقمية؟
إذا كان مؤيدو الحظر يرون أنَّ القيود العمرية تمثل خطوة ضرورية للحد من تلك الأخطار الرقمية، فإنَّ آخرين يشيرون إلى أهمية تبني مقاربة أكثر شمولًا تجمع بين التشريعات والتوعية والمسئولية المجتمعية. وتشمل هذه المقاربة:
- تعزيز ثقافة الأطفال الرقمية
- تطوير أدوات الرقابة الأبوية
- تحسين آليات التحقق من الأعمار
وفضلًا عن ضرورة زيادة مسئولية شركات التكنولوجيا في تصميم منصات أكثر أمنًا للفئات العمرية الصغيرة، يعتقد عدد من المتخصصين أنَّ بناء تلك البيئة الرقمية الآمنة يستلزم تعاونًا بين الحكومات والمؤسسات التعليمية والأُسر والقطاع الخاص؛ بما يضمن حماية الأطفال، مع الحفاظ على فرص التعلم والتواصل، والاستفادة من التطورات التكنولوجية.
وسائل التواصل الاجتماعي ومستقبل حماية الأطفال
إنَّ هذه الخطى البريطانية -وهي خطى مستدامة- تكشف عن تنامي الاهتمام العالمي في مجال حماية الأطفال داخل البيئات الرقمية، وهذا في وقت أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي عنصرًا من عناصر الحياة اليومية بين ملايين الأطفال والمراهقين حول العالم.

ومع استمرار تطور المنصات الرقمية وظهور تطبيقات جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتفاعل الافتراضي، يُتوقع أنْ تشتعلَ النقاشاتُ حول الأُطر التنظيمية المناسبة لحماية الأطفال وضمان استخدام التكنولوجيا على نحوٍ آمن.
وختامًا، فإنَّ مما تُقدره مؤسسة حماة الأرض، هو ذلك التحول العالمي في طبيعة فهم العلاقة بين التكنولوجيا والتنمية البشرية، وفهم مدى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في الأطفال والمراهقين؛ أي أنَّ هناك سعيًا متسارعًا نحو حماية الأطفال من جميع الأخطار الرقمية؛ الأمر الذي يحقق أهداف التنمية المستدامة في حياة فئات تمثل المستقبل.




