توقعات صندوق النقد تشير إلى صدمات محتملة في الطاقة ومخاطر في الذكاء الاصطناعي

توقعات تشير إلى صدمات محتملة في الطاقة ومخاطر في الذكاء الاصطناعي
تضع توقعات صندوق النقد الدولي لعام 2026 الاقتصاد العالمي أمام مشهد اقتصادي، تتداخل فيه فرص التوسع مع مصادر القلق؛ فبينما تمنح الاستثمارات التكنولوجية المتسارعة الأسواقَ دفعةً جديدة، تفرض الصراعات الجيوسياسية واضطرابات إمدادات الطاقة ضغوطًا متزايدة على مسارات النمو والتضخم.
ويكشف هذا التباين عن مرحلة تتراجع فيها قدرة المؤشرات الإجمالية وحدها على التعبير عن حقيقة الأوضاع الاقتصادية، في ظل تفاوت واضح بين الدول في امتلاك أدوات الصمود ومقومات الاستفادة من التحولات العالمية.
وفي أحدث تقرير له عن آفاق الاقتصاد العالمي، رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي خلال عام 2026 بمقدار 0.1 نقطة مئوية، لتصل إلى 3.1%، مع الإبقاء على تقديراته لعام 2027 عند 3.4%.
مرونة اقتصادية تحاصرها المخاطر
تكتسب الأرقام الواردة في التقرير أهميتها من طبيعة الظروف التي تحيط بالاقتصاد العالمي؛ إذْ يأتي تحسن توقعات صندوق النقد لعام 2026 في وقت تواجه فيه الأسواق صدمات متزامنة، تتصدرها الحرب في الشرق الأوسط، وما تفرضه من ضغوط على أسواق الطاقة والتجارة والنقل البحري، بالتوازي مع توسع الإنفاق على البنية التحتية الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتشير هذه المعطيات إلى أنَّ النمو العالمي يستند إلى محركات متباينة التأثير؛ فبينما تدعم الاستثمارات التقنية النشاط الاقتصادي في بعض الأسواق، تؤدي زيادة تكاليف الإنتاج والنقل إلى تضييق هوامش الحركة أمام قطاعات أخرى، خاصة في الاقتصادات التي تعتمد على استيراد الطاقة، أو تفتقر إلى موارد مالية كافية لامتصاص الصدمات.
آفاق الاقتصاد العالمي
يستند جانب من مرونة الاقتصاد العالمي -بحسَب التقرير الجديد- إلى قدرة الشركات على تعديل سلاسل الإمداد والتكيف مع الاضطرابات التجارية، فضلًا عن استمرار الطلب على المعدات التقنية ومراكز البيانات والرقائق الإلكترونية.
وفي هذا السياق تبرز مجموعة من المخاطر التي قد تعيد تشكيل التوقعات الاقتصادية خلال الفترة المقبلة، من بينها:
- اتساع نطاق الصراعات الجيوسياسية وتأثيرها في تدفقات التجارة الدولية.
- استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز وما يصاحبه من ضغوط تضخمية.
- تزايد أعباء الديون العالمية وتراجع المساحة المتاحة أمام الحكومات للتحرك المالي.
- احتمال انخفاض العوائد المتوقعة من استثمارات الذكاء الاصطناعي، بما قد يضعف شهية المستثمرين.
مخاطر الذكاء الاصطناعي
يمثل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز العوامل التي تدعم النشاط الاقتصادي العالمي، بعدما امتدت الاستثمارات المرتبطة به إلى الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات وشبكات الاتصال والبنية التحتية الرقمية.
وتنعكس هذه الطفرة على التجارة الدولية من خلال زيادة الطلب على المعدات المتقدمة والمكونات التقنية، كما تفتح المجال أمام تحسين الإنتاجية وتطوير أساليب العمل في قطاعات متعددة.
لكنَّ مخاطر الذكاء الاصطناعي ترتبط -في جانب مهم منها- بمدى قدرة الاستثمارات الحالية على تحقيق عوائد اقتصادية تتناسب مع حجم الإنفاق؛ فإذا جاءت النتائج دون التوقعات فقد تتعرض تقييمات الشركات التقنية لضغوط، وتتراجع الاستثمارات، وتنتقل آثار التصحيح إلى الأسواق المالية والاقتصادات الأكثر ارتباطًا بهذا القطاع.

مكاسب الذكاء الاصطناعي محدودة
توضح المؤشرات الواردة في التقرير أنَّ الاستفادة من الطفرة التقنية لا تتوزع بالتساوي بين دول العالم؛ إذْ تستحوذ الاقتصادات التي تمتلك شركات تكنولوجية كبرى وقدرات صناعية متقدمة وبنية تحتية رقمية قوية على النصيب الأكبر من التدفقات الاستثمارية.
وقد استحوذت الولايات المتحدة والصين على أكثر من 75% من صافي واردات معدات الحوسبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال عام 2025، وفقًا للأرقام الواردة في التقرير. ويعكس ذلك تركزًا ملحوظًا في الطلب على البنية التحتية اللازمة لتطوير هذه التقنيات وتشغيلها.
أما الدول التي لا تزال في مراحل مبكرة من التحول الرقمي، فقد تواجه تحديًا مزدوجًا؛ يتمثل الأول في محدودية قدرتها على جذب الاستثمارات التقنية الكبرى، بينما يرتبط الثاني باحتمال اتساع الفجوة الإنتاجية بينها وبين الاقتصادات الأكثر تقدمًا.
ومِن ثَمَّ، فإنَّ تحويل الذكاء الاصطناعي إلى محرك من محركات التنمية المستدامة يتطلب سياسات تضمن انتقال أثره إلى الاقتصاد الحقيقي، من خلال تطوير المهارات البشرية، وتحسين جودة التعليم والتدريب، وتوسيع فرص الوصول إلى التكنولوجيا، وتهيئة بيئة مناسبة للابتكار والمشروعات الإنتاجية.
أزمة الطاقة تعيد التضخم
كذلك تظل أسواق الطاقة إحدى أكثر القنوات حساسية لانتقال الصدمات الجيوسياسية إلى الاقتصاد العالمي؛ فاضطراب الإمدادات لا يتوقف أثره عند أسعار النفط والغاز، وإنما يمتد إلى تكاليف النقل والصناعة والزراعة والخدمات، ثم ينعكس على القوة الشرائية للأسر والقدرة التنافسية للشركات.
ووفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي الواردة في التقرير، يُتوقع أنْ يبلغ متوسط سعر النفط 96 دولارًا للبرميل في عام 2026، قبل تراجعه إلى 87 دولارًا في عام 2027، مقارنة بنحو 67.7 دولارًا خلال عام 2025. كما يُتوقع ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي بنحو 48% مقارنة بالعام السابق.
ماذا لو ارتفع النفط إلى 130 دولارًا؟
يعرض التقرير سيناريو أكثر تشاؤمًا يفترض تفاقم الحرب وارتفاع سعر النفط إلى 130 دولارًا للبرميل حتى الربع الأول من عام 2027. وفي هذه الحالة قد يتراجع نمو الاقتصاد العالمي بمقدار 0.2 نقطة مئوية في عام 2026 و0.5 نقطة مئوية في عام 2027.
توقعات صندوق النقد
إذنْ تضع هذه التطورات -الإيجابي منها والسلبي- صانعي السياسات أمام اختبار يتجاوز الحفاظ على معدلات النمو؛ فالمطلوب هو بناء اقتصادات قادرة على مواصلة الإنتاج والاستثمار وتوفير فرص العمل حتى في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة وتغير اتجاهات التجارة العالمية.
ومن هذا المنطلق تبرز مجموعة من المسارات العملية التي تساعد على الحد من المخاطر وتعزيز الاستفادة من الفرص:
- تعزيز أمن الطاقة: تنويع مصادر الإمدادات، ورفع كفاءة الاستخدام، وتوسيع الاستثمارات في الطاقة المتجددة وفقًا لاحتياجات كل اقتصاد.
- تطوير البنية التحتية الرقمية: توسيع شبكات الاتصال، وتحسين جاهزية المؤسسات لتبني التكنولوجيا، وتوفير بيئة جاذبة للاستثمارات المنتجة.
- الاستثمار في رأس المال البشري: ربط التعليم والتدريب بمتطلبات سوق العمل الجديدة، وتأهيل العمالة للتعامل مع التحولات التي تفرضها تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
- تحسين إدارة المالية العامة: رفع كفاءة الإنفاق، وتعزيز الاستدامة المالية، وتوجيه الموارد إلى القطاعات التي تدعم الإنتاجية والتشغيل.
- توسيع قاعدة الإنتاج: دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز سلاسل القيمة المحلية، وتقليل الاعتماد المفرط على الواردات في القطاعات الحيوية.
وترتبط هذه الأولويات ارتباطًا مباشرًا بأهداف التنمية المستدامة، خاصة تلك المتعلقة بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي، والصناعة والابتكار والبنية التحتية، والطاقة النظيفة، والحد من أوجه عدم المساواة؛ لأنَّ استدامة النمو مرهونة بقدرة الاقتصادات على توزيع ثمارها وتوسيع قاعدة المستفيدين منها، إلى جانب الحفاظ على الموارد، وكذلك تعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات.
وتخلص Earth Guards Foundation إلى أنَّ توقعات صندوق النقد تكشف عن اقتصاد عالمي يمتلك مقومات الاستمرار، عدا أنه يواجه اختبارًا حقيقيًّا في كيفية إدارة المخاطر وتوزيع الفرص؛ لذا يجب أنْ نقيس النمو المستدام بما يتركه من قدرة فعلية في المجتمعات على العيش الكريم ومواجهة أزمات الغد.




