Sustainable Strides

180 شتلة تغير حياة المزارعين وتحمي الأمن المائي لملايين السكان في كينيا

الأمن المائي

180 شتلة تغير حياة المزارعين وتحمي الأمن المائي لملايين السكان في كينيا

حين حصل المزارع الكيني “ديفيد نيورو” على 180 شتلة أفوكادو عام 2017، كان الأثر المتوقع يبدأ من أرضه التي تبلغ مساحتها خمسة أفدنة تقريبًا، ومع مرور السنوات التالية وجد أنَّ ما يزرعه في أعلى حوض “نهر تانا” يمكن أنْ يمتد أثره إلى الأمن المائي والملايين من سكان نيروبي، وذلك عبر مياه نظيفة متوفرة دائمًا.

كان “نيورو” البالغ من العمر 67 عامًا، معتمِدًا على محاصيل موسمية تترك أجزاءً واسعة من أرضه مكشوفة؛ مما سهَّل انجراف التربة مع الأمطار وانتقال الرواسب إلى النهر، فتراجعت خصوبة الأرض مع كل طبقة تفقدها، حتى تأثر الإنتاج والدخل معًا.

ولمعالجة ما حدث عمِل مؤخرًا على زراعة شتلاتِ أفوكادو ونباتات تغطية التربة (بالإنجليزية: Cover crop، وهي نباتات تُزرع لتغطية التربة، وليس للحصاد)، وحينها اقترب دخل المزرعة من مليونَي شلن كيني (ما يقارب 15 ألف دولار)، مستعينًا على تحقيق ذلك بالأفوكادو، الذي تُنتِج الشجرة الواحدة منه نحو 70 كيلوجرامًا في كل عام، فيما احتفظت الأرض بعناصرها الغذائية.

وبالنسبة إلى “نيورو” فقد حمل هذا التحول معنًى مباشرًا، هو: دخلٌ يساعده على إطعام أطفاله الستة وتعليمهم، فضلًا عن ممارسات زراعية تقلل في الوقت نفسه تلك الرواسبَ التي تصل إلى النهر.

موارد الأمن المائي الكيني

يشكل “نهر تانا” موردًا رئيسيًّا من موارد الأمن المائي الكيني؛ فهو يوفر نحو 95% من مياه العاصمة نيروبي، التي يسكنها قرابة 4.8 مليون إنسان، ويخدم كذلك نحو 5 ملايين آخرين يعيشون داخل حوض النهر، وكذلك تمتد أهميته إلى قطاع الطاقة؛ إذْ تسهم مجموعة من السدود التي أُنشئت على مجراه بأكثر من نصف القدرة الكهرومائية في البلاد.

بهذا الحجم تصبح التربة التي تنجرف من مزرعة صغيرة في المنبع جزءًا من قصة أكبر؛ فكل الرواسب التي قد تصل إلى النهر تزيد عكارة المياه، وتضيف أعباءً على عمليات المعالجة في المصب.

ومن هذه الفكرة تأسس صندوق مياه أعالي تانا–نيروبي عام 2015 بقيادة “منظمة The Nature Conservancy”؛ بهدف دعم المزارعين في تحسين إدارة الأرض، واستعادة المناطق المتدهورة، وتقليل ما يصل من رواسب إلى روافد النهر.

ولفهم الصورة الأوسع للضغوط التي تواجه الأمن المائي في مناطق مختلفة من العالم، اقرأ: الأمن المائي أمام تحديات متزايدة.

27 مليون لتر كل يوم

بعد عقد من العمل يقول القائمون على الصندوق إنَّ المشروعات المنفذة أسهمت في توفير أكثر من 27 مليون لتر إضافي من المياه في كل يوم من أيام موسم الجفاف؛ الأمر الذي دعم الأمن المائي في المناطق التي تعتمد على “نهر تانا”، وقد وانخفضت عكارة المياه بنسبة 41%، ما وفر للجهات الحضرية نحو 900 ألف جنيه إسترليني من تكاليف المعالجة.

وهنا سؤال، هو: هل يمكن أنْ يبدأ الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة المعني بالمياه النظيفة والنظافة الصحية، من أرض زراعية بعيدة عن المدينة؟ إنَّ تجربة “تانا” تجيب عن هذا السؤال عمليًّا؛ فالحفاظ على التربة داخل الحقل يقلل الرواسب في النهر؛ مما يقلل من نسبة التعكير، وبالتالي يقلل نسبة المعالجة قبل وصولها إلى السكان.

وذلك كله في وقت يمتد فيه نطاق الإدارة المستدامة إلى أكثر من 470 ألف فدان من المزارع الصغيرة والغابات، إلى جانب نحو 620 ميلًا من الأنهار.

الأمن المائي

المزارعون يحصدون المطر

في الجهة الأخرى -في منزل المزارع فرانسيس مبورو- بدأت قصة أخرى مع المياه من سطح المنزل، حيث عاش ذو الخمسة والسبعين عامًا مع زوجته قرب سلسلة “جبال أبيردار”، إحدى أهم مناطق تغذية “نهر تانا”، غير أنَّ قربهما من مصدر مائي رئيسي في البلاد لم يمنع تقلبات الأمطار من الضغط على المزرعة ودخل الأسرة.

لقد أنشأ “مبورو” عامَ 2020 نظامًا صغيرًا لجمع المياه، ثم أضاف حوضًا يتسع لنحو 100 ألف لتر يستقبل مياه الأمطار من سطح المنزل، وبعد ذلك أقام مصاطبَ زراعيةً تساعد الأرض على الاحتفاظ بالمياه، وتحد من انجراف التربة، واليوم تضم مزرعته الأفوكادو والموز ومحاصيلَ أخرى مرتفعة الإنتاجية، فيما قل اعتماده على مجرى المياه القريب.

الأشجار استثمار مستدام

خلال عشر سنوات دعم الصندوق زراعة نحو 5.9 مليون شجرة، وأسهم في خلق أكثر من 22 ألف وظيفة خضراء، فيما حقق المزارعون نحو 118 مليون دولار من الدخل الإضافي عبر سلاسل قيمة تشمل:

  • الفاكهة
  • المكسرات
  • أعلاف الماشية

ومن هذه النتيجة يقترب الهدف الثامن للتنمية المستدامة، المعني بالعمل اللائق ونمو الاقتصاد، من حماية النظم البيئية بصورة مباشرة؛ لأنَّ المزارع الذي يحصل على دخل مستقر من ممارسات تحافظ على التربة والمياه -على سبيل المثال- يجد مصلحة اقتصادية في استمرارها، لتلتقي معيشته مع حماية الأمن المائي في الحوض.

ويظهر ذلك أيضًا في تجربة “جون ماينا”، البالغ من العمر 31 عامًا، الذي اختار الزراعة قبل 15 عامًا، وبنى مصدر رزقه على محاصيلَ سريعة النمو، مثل الكرنب والبروكلي، مستخدِمًا تقنيات لجمع مياه الجريان السطحي، ما قلل حاجته إلى ضخ المياه من النهر، ثم نقل تجربته إلى أكثر من 50 شابًّا دربهم بنفسه على أساليب الزراعة الحديثة.

الطبيعة تحتاج منفعة محلية

وهناك أيضًا قصة “ستيفن ماتو”، التي تضيف بُعدًا آخرَ إلى هذا النموذج المستدام؛ فقد وُلد “ماتو” داخل غابات جبل كينيا، ثم انتقل مع أسرته بعد إعادة توطين الآلاف خارج مناطق الغابات الحكومية، حيث كانت الأرض الجديدة في نظره فقيرة الإنتاج، كما عانت مياه الآبار من الملوحة.

لذلك ساعده الصندوق لاحقًا على إنشاء حوضَي مياهٍ، فتحولت مزرعته الصغيرة إلى مساحة لإنتاج شتلات الفاكهة والخضراوات؛ ومِن ثَمَّ تكشف هذه التجربة عن فكرة أساسية في مجال حماية الطبيعة، مفادها أنَّ استدامة الغابات وضفاف الأنهار ترتبط بما يراه السكان المحليون من فوائد اقتصادية واجتماعية.

ومن هنا يجد الهدف الخامس عشر للتنمية المستدامة، المعني بالحياة في البر، طريقه إلى أحواض الأنهار عبر المزارع نفسه؛ فحماية التربة والغابات والتنوع البيولوجي تصبح أكثر قابلية للاستمرار عندما تسهم في تحسين دخل المجتمع الذي يعيش إلى جوارها.

لماذا تدفع الشركات؟

يقوم “صندوق تانا” على شراكة تجمع جهات عامة وشركات خاصة، وقد بدأ بتمويل بلغ 25 مليون شلن كيني، ثم ارتفع التمويل المتراكم إلى نحو 500 مليون شلن، وتُدار أجزاء منه داخل صندوق استثماري أعم، ويهدف إلى ضمان استمرار التدخلات على المدى الطويل.

ويمنح الأمن المائي الشركات التي تسهم في التمويل سببًا اقتصاديًّا للمشاركة؛ فالأنشطة التي تعتمد على المياه في نيروبي تتأثر بتراجع جودة المورد أو تكرار فترات التقنين، فيما يحقق الاستثمار في حماية “حوض تانا” من المنبع منافعَ تصل إلى الأعمال في المصب، وبلغة الأرقام فإنَّ كل دولار يُستثمر في المنبع يمكن أنْ يُدِرَّ -بحسَب مسئولي الصندوق- حوالي دولارينِ.

ومن روح الهدف السابع عشر للتنمية المستدامة، الخاص بعقد Partnerships لتحقيق الأهداف، يقوم النموذج على توزيع المسئولية بين المزارعين والشركات والحكومات والجهات المحلية، بحيث تصبح حماية المورد المشترك مصلحة تجمع أطرافًا تختلف أدوارها وتلتقي احتياجاتها عند المياه.

ولمعرفة كيف يمكن للشراكات والحوكمة أنْ تدعما الإدارة المستدامة للموارد، اقرأ: حوكمة المياه مفتاح الإدارة المستدامة للموارد المائية.

حماية المياه من المنبع

لقد بدأ نموذج صناديق المياه خارج إفريقيا، في كيتو بالإكوادور، ثم انتشر إلى أكثر من 30 مدينة حول العالم، بينها 16 مدينة إفريقية، وتقوم الفكرة على مبدأ بسيط، هو: معالجة أسباب تدهور المياه عند المصدر قد تكون أقل تكلفة من التعامل مع النتائج بعد وصولها إلى المدن ومحطات التنقية، مما يحقق إدارة مسئولة للموارد، ويحفظ للطبيعة صحتها وللسكان اقتصادهم.

ومما سبق يظهر لنا كيف أنَّ تجربة “حوض تانا” تقدم درسًا يتجاوز حدود كينيا، درسًا يؤكد أنَّ الأمن المائي يبدأ عند الطريقة التي تُدار بها الأرض في أعلى الحوض؛ لأنَّ الشجرة التي زرعها مزارع، وحوض المياه الذي أنشأه على أرضه، والمصطبة التي أبطأت جريان المطر؛ كلها تدخلات واجبة لحماية الطبيعة.

ولذا تؤكد Earth Guards Foundation أنَّ أهمية هذه التجربة تكمن في قدرتها على كسر الفصل التقليدي بين أهداف التنمية المستدامة؛ فالمياه والعمل والمناخ والزراعة والحياة البرية وPartnerships عبارة عن حلقات في منظومة واحدة.

Related Articles

Back to top button