دائرة حظر وسائل التواصل الاجتماعي تتسع.. أوروبا تنضم إلى الحراك العالمي
تقترب أوروبا من فرض قواعد جديدة على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، في خطوة قد تصبح أوسع محاولة عالمية لتنظيم وصول القاصرين إلى منصات مثل تيك توك وإنستجرام. وجاء التحرك بعد تقرير أوصى بمنع الأطفال دون 13 عامًا من استخدام هذه المنصات بصورة مستقلة، مع السماح لهم بالوصول إليها تحت إشراف أحد الوالدين أو المعلمين.
ويتجاوز النقاش الأوروبي مسألة تحديد السن المناسب لإنشاء الحسابات، ليشمل مسئولية شركات التكنولوجيا عن تصميم منصات أكثر أمانًا، والحد من الخصائص التي تشجع على الاستخدام المستمر. كما يرتبط التحرك بأهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالصحة والرفاه والتعليم الجيد وحماية حقوق الأطفال، في ظل تصاعد المخاوف من تأثير البيئة الرقمية على صحتهم النفسية ونموهم الاجتماعي.
قدم فريق من الخبراء تقريره إلى رئيسة المفوضية الأوروبية السيدة/ أورسولا فون دير لاين، متضمنًا مجموعة من التوصيات المتعلقة باستخدام الأطفال والمراهقين للمنصات الرقمية.
وأعد التقرير طبيبٌ متخصص في الصحة النفسية للأطفال البروفيسور/ يورج فيجرت، وعالمة الأوبئة الدكتورة/ ماريا ميلكيور. حيث أوصى بمنع الأطفال دون 13 عامًا من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بمفردهم، مع السماح بالوصول تحت إشراف أحد الوالدين أو المعلمين.
كما اقترح أن يقتصر استخدام الفئة العمرية من 13 إلى 18 عامًا على المنصات التي تطبق خصائص أمان مناسبة، مثل الحد من خاصية التمرير اللانهائي، التي تتيح عرض محتوى جديد بلا توقف كلما واصل المستخدم تصفح المنصة.
وامتدت التوصيات إلى الأطفال الأصغر سنًا، إذ دعا التقرير إلى عدم تعريض الأطفال دون الثالثة لأي وقت أمام الشاشات. وتمثل هذه التوصيات الخطوة الأولى نحو إعداد قانون أوروبي محتمل، يُنتظر أن تعلن السيدة/ فون دير لاين ملامحه خلال خطاب حالة الاتحاد الأوروبي في سبتمبر.
من يستطيع الوصول إلى الأطفال؟
قدمت رئيسة المفوضية الأوروبية زاوية مختلفة للنقاش، عندما أوضحت أن القضية تتعلق بموعد السماح للأطفال بالوصول إلى المنصات، وكذلك بالوقت الذي يُسمح فيه للمنصات بالوصول إليهم.
وتعكس هذه الرؤية تحولًا في توزيع المسئولية. ففي السابق كان العبء الأكبر يقع على الأسر في مراقبة استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، بينما يتجه الاتحاد الأوروبي حاليًّا إلى تحميل الشركات جزءًا أكبر من المسئولية عن المحتوى والتصميم والخوارزميات.
وتعتمد المنصات على خصائص تهدف إلى إبقاء المستخدم متصلًا لأطول فترة ممكنة، من بينها التمرير اللانهائي، والتشغيل التلقائي، والإشعارات المتكررة، وأنظمة التوصية التي تقدم محتوى جديدًا بناءً على اهتمامات المستخدم وسلوكه السابق.
وعندما يتعرض الأطفال لهذه الخصائص، تصبح قدرتهم على تنظيم وقت الاستخدام أكثر صعوبة، خاصة في المراحل العمرية التي ما زالت فيها مهارات التحكم الذاتي واتخاذ القرار قيد التطور.
أربع إلى ست ساعات يوميًّا
بحسب الأرقام التي عرضتها السيدة/ فون دير لاين، يقضي الأطفال في أوروبا ما بين أربع وست ساعات يوميًّا على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما تعرض ما يقرب من 60% منهم لمشكلات عاطفية أو نفسية واجتماعية عبر الإنترنت.
وتشمل هذه المشكلات التنمر الإلكتروني، والضغط الناتج عن المقارنات الاجتماعية، والتعرض لمحتوى ضار، واضطرابات النوم، والقلق المرتبط بالتفاعل المستمر مع الإشعارات والتعليقات.
وتوضح هذه الأرقام لماذا لم يعد تنظيم استخدام المنصات مجرد قضية أسرية أو تعليمية، فقد أصبح ملفًا للصحة العامة والسياسات الاجتماعية. كما أن حجم الاتحاد الأوروبي يضاعف أهمية الخطوة، إذ يبلغ عدد سكانه نحو 450 مليون نسمة، ويمثل من تقل أعمارهم عن 18 عامًا قرابة 18% من السكان. وإذا أقر الاتحاد قانونًا موحدًا فسيشمل ملايين الأطفال والمراهقين، وقد يدفع شركات التكنولوجيا إلى تغيير سياساتها على نطاق يتجاوز أوروبا.
وتتجاوز تداعيات الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي الجانب النفسي، إذ قد تؤثر في التحصيل الدراسي، وجودة النوم، والقدرة على بناء علاقات اجتماعية متوازنة. ومن هنا، يظهر الارتباط الصميم بين تنظيم استخدام الأطفال للمنصات الرقمية وأهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف الثالث المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه، والهدف الرابع الخاص بالتعليم الجيد، إلى جانب الهدف السادس عشر الذي يدعم حماية الأطفال وبناء بيئات آمنة وشاملة.
تحرك عالمي للحد من الاستخدام
يأتي التحرك الأوروبي ضمن اتجاه عالمي متزايد نحو وضع حدود عمرية لاستخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، وقد أصبحت أستراليا أول دولة تمنع من تقل أعمارهم عن 16 عامًا من استخدام المنصات.
ومنذ ذلك الحين، بدأت دول مثل الدنمارك وفرنسا وألمانيا وإسبانيا والهند وإندونيسيا وماليزيا تنفيذ قواعد مشابهة أو دراسة مقترحات للحد من وصول القاصرين إلى التطبيقات الرقمية.
وفي الولايات المتحدة، أقرت ولاية فلوريدا عام 2024 قانونًا يمنع من تقل أعمارهم عن 14 عامًا من استخدام المنصات من دون موافقة الوالدين.
لكن حجم الاتحاد الأوروبي يجعل الخطوة المرتقبة مختلفة، إذ تحتاج أي قواعد جديدة إلى مفاوضات بين حكومات الدول الأعضاء البالغ عددها 27 دولة. وقد لا تتفق جميع الحكومات على السن المناسبة أو طريقة التنفيذ أو حجم العقوبات المفروضة على الشركات.
كيف يمكن تطبيق القيود؟
يمثل التحقق من أعمار المستخدمين أحد أبرز التحديات التي تواجه أي حظر أو تنظيم جديد. فالمنصات تحتاج إلى معرفة عمر المستخدم قبل السماح له بفتح حساب، لكن طلب وثائق الهوية أو البيانات الشخصية قد يثير مخاوف تتعلق بالخصوصية.
كما يستطيع بعض المراهقين إدخال تواريخ ميلاد غير صحيحة أو استخدام حسابات أنشأها آخرون، وهو ما ظهر في التجربة الأسترالية، حيث رأى منتقدون أن عددًا من المراهقين تمكنوا من تجاوز القيود.
ويعني ذلك أن نجاح القانون سوف يعتمد على قرار المنع إلى جانب تطوير أدوات موثوقة للتحقق من العمر، وحماية بيانات المستخدمين، وتعاون المنصات مع الحكومات والأسر والمؤسسات التعليمية.
كما يجب أن تتجنب القواعد تحويل حماية الأطفال إلى مبرر لجمع مزيد من البيانات الحساسة، لأن بناء بيئة رقمية آمنة يحتاج إلى تحقيق توازن بين الأمان والخصوصية.
أوروبا تستهدف التصميم الإدماني
لم تنتظر الجهات التنظيمية في بروكسل صدور قانون جديد حتى تبدأ في الضغط على الشركات. فقد طالبت السلطات الأوروبية شركة ميتا بتغيير ما وصفته بـ “التصميم الإدماني” في فيسبوك وإنستجرام، مع التحذير من فرض غرامات كبيرة في حال عدم الاستجابة.
وتواجه تيك توك مطالب مشابهة ضمن تحقيق منفصل، ما يشير إلى أن أوروبا تستهدف بنية المنصات نفسها، وليس فقط حسابات الأطفال.
ويشمل ذلك طريقة ترتيب المحتوى، وتكرار الإشعارات، وسهولة الانتقال بين المقاطع، وقدرة المستخدم على إيقاف أنظمة التوصية. وتهدف هذه الإجراءات إلى تقليل اعتماد نموذج عمل الشركات على جذب انتباه الأطفال لأطول وقت ممكن.
ومن هنا، يمكن أن يؤدي تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي إلى تغيير أوسع في صناعة التكنولوجيا، إذا اضطرت الشركات إلى تصميم نسخ أكثر أمانًا للفئات العمرية المختلفة بدل تقديم التجربة نفسها لجميع المستخدمين.
الحماية لا تقتصر على الحظر
رغم المخاطر المرتبطة بالاستخدام المفرط، تمنح المنصات الأطفال والمراهقين فرصًا للتعلم والتواصل والتعبير والحصول على الدعم. ولذلك فإن منع الاستخدام بصورة كاملة قد يحرم بعضهم من فوائد حقيقية، خاصة من يعتمدون على المجتمعات الرقمية للتواصل أو طلب المساعدة.
ويتمثل التحدي في بناء قواعد تسمح بالاستخدام الآمن والمتدرج وفق العمر، بدل الاكتفاء بالمنع أو ترك الأطفال أمام منصات صُممت أساسًا للبالغين. ويتطلب ذلك تعزيز التربية الرقمية في المدارس، وتدريب الأسر على التعامل مع المخاطر، وتوفير أدوات واضحة للإبلاغ والحماية، إلى جانب إلزام الشركات بإزالة المحتوى الضار وتطوير خصائص مناسبة للأطفال.
وفي الختام، تؤكد Earth Guards Foundation أن تنظيم استخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي يمثل جزءًا من بناء بيئة رقمية مستدامة، تحمي الصحة النفسية وتدعم التعليم وتضمن حقوق الأطفال داخل الفضاء الإلكتروني.
وتؤكد المؤسسة أن مسؤولية الحماية لا تقع على الأسرة وحدها، إذ يجب أن تتقاسمها الحكومات وشركات التكنولوجيا والمدارس والمؤسسات المجتمعية. كما ينبغي أن تجمع التشريعات بين القيود العمرية، وحماية الخصوصية، والتوعية الرقمية، وإلزام الشركات بتطبيق مبدأ الأمان منذ مرحلة تصميم المنصات.
وسيظل نجاح التحرك الأوروبي مرتبطًا بقدرته على تقليل الأضرار الفعلية، وليس فقط بعدد الحسابات التي تُغلق. فالعلاقة المستدامة بين الأطفال والتكنولوجيا تحتاج إلى منصات تحترم أعمارهم واحتياجاتهم، وتمنحهم فرص التعلم والتواصل من دون تحويل انتباههم وبياناتهم إلى أدوات لتحقيق الأرباح.