كيف حول تلوث المياه أكبر بحيرة في السلفادور إلى مقبرة أسماك جماعية؟
بدأت الأزمة بنفوق آلاف الأسماك على شاطئ “بحيرة سوشيتلان” في السلفادور، وفي أشهر انتشرت نباتات مائية غازية، وتراكمت مخلفات بلاستيكية، وتراجعت أعمال الصيد وأنشطة السياحة، وبعدها غطَّى نبات خس الماء -بحلول أغسطس 2025- نحو 70% من سطح البحيرة، حينما بقي السكان أمام مشهد بيئي يُنذر بخطورة شديدة دون تفسير رسمي واضح.
وعلى الرغم من عودة الأسماك بعد مرور قرابة عام واختفاء النباتات التي غطت سطح البحيرة، فإنَّ مصادر تلوث المياه لا تزال موجودة، ولم تظهر إجابات عن الأسئلة المتعلقة بنفوق الأسماك وغيرها من المشكلات التي ضربت البحيرة!
قبل بدء المشكلة حذرت منظمات بيئية وباحثون سنواتٍ كثيرةً من أنَّ البحيرة تتعرض لضغوط مستمرة؛ بسبب مياه الصرف غير المعالجة (أبرز مصادر تلوث المياه في السلفادور)، والجريان الزراعي المحمل بالأسمدة، وضعف تطبيق معايير جودة المياه.
حينئذٍ وصلت كميات كبيرة من العناصر المغذية إلى البحيرة عبر نهر ليمبا، خاصة النيتروجين والكبريتات الناتجة عن الأسمدة والأنشطة الزراعية؛ فتسبب هذا في حدوث ظاهرة تُعرف بالإثراء الغذائي للمياه (بالإنجليزية: Eutrophication)، وهي ارتفاع تركيز المغذيات بصورة تدفع النباتات والطحالب إلى النمو المفرط.
وعن ذلك قال عالم الأحياء جابرييل سيرين: «إنَّ وفرة العناصر المغذية أتاحت ظروفًا مناسبة لانتشار خس الماء. ومع اتساع الغطاء النباتي انخفض الأكسجين المتاح للأسماك والكائنات الأخرى؛ مما أسهم في تدهور النظام البيئي».
من نفوق الأسماك إلى اختناق البحيرة
ثم ظهرت هذه المشكلة في أوضح صورها عندما عثر السكان على آلاف الأسماك النافقة، التي جرفتها المياه إلى الشاطئ خلال ليلة واحدة، وفي الأسابيع التالية انتشر نبات خس الماء -نوع مائي غازي- على أجزاء واسعة من البحيرة التي تبلغ مساحتها نحو 135 كيلومترًا مربعًا، وحينها تحول لون مياه البحيرة إلى درجة داكنة، فضلًا عن آثار بيئية أخرى.
اختبارات متأخرة تزيد الغموض
بعد نفوق الأسماك طُلب من مختبر السموم في جامعة السلفادور تحليل عينات من المياه، واهتمت الاختبارات بقياس النيتروجين والفوسفور، ومراقبة البكتيريا الزرقاء التي تنمو في المياه الغنية بالمغذيات؛ وهي كائنات قد تنتج سمومًا ضارة.
ومع ذلك لم يُجرِ المختبرُ فحوصًا لبعض المبيدات ومبيدات الأعشاب، ومنها مادة الباراكوات شديدة السمية، والمعروفة تجاريًّا باسم “جراموكسون“. وعندما أُخذت العينات بعد عدة أسابيع من الحادث لم تظهر مستويات غير طبيعية من المغذيات أو نشاط واضح للبكتيريا الزرقاء.
وهناك حذر الباحثون من الاعتماد على هذه النتائج في حسم أسباب النفوق؛ لأنَّ الفحوص أُجريت بعد مرور وقت طويل، ولأنَّ كثافة النباتات في أثناء الأزمة منعت بشدة من الوصول إلى بعض نقاط القياس؛ وبالتالي أوضحت هذه الفجوة الزمنية مدى أهمية التحرك السريع عند ظهور أي تغير بيئي أو مؤشرات تدل على تلوث المياه؛ إذْ قد تتبدل خصائص المياه، وتختفي الأدلة قبل بدء التحاليل.
تلوث المياه يضع الصحة العامة تحت الضغط
وبناء على هذه الأزمة ظهرت مؤشرات صحية مقلقة وآثار بيئية خطيرة، من بينها: ارتفاع أعداد البعوض بعد نفوق الأسماك، وشكاوى بعض الزوار من طفح جلدي عقب السباحة. كما تشير تقارير الصحة العامة إلى شيوع اضطرابات الجهاز الهضمي والتهابات الجهاز التنفسي بين أفراد المجتمعات المحيطة بالبحيرة.
بحيرة الغذاء والطاقة والتنوع البيولوجي
ولإدراك خطورة هذه الأزمة البيئية علينا معرفة أنَّ بحيرة سوشيتلان -المعروفة باسم خزان سيرون جراندي- أكبر مسطح مياه عذبة في السلفادور كلها، وهي تقع في قلب منظومة مائية واقتصادية تعتمد عليها مجتمعات محلية واسعة، كما أنها موقع رطب محمي بموجب اتفاقية رامسار الدولية.
ومن بين 14 نوعًا محليًّا من أنواع الأسماك تضم البحيرة السلفادورية 12 نوعًا، مع أنواع برية معرضة لخطر الانقراض في المناطق المحيطة، من بينها أسود الجبال، والقطط البرية الأمريكية.
وتغذي البحيرة سد سيرون جراندي، الذي يوفر نحو 28% من الطاقة الكهرومائية في السلفادور؛ لهذا فإنَّ لتدهورها البيئي تأثيرًا شديدًا في المجتمعات القريبة وقطاعات الكهرباء والغذاء وحماية التنوع البيولوجي.
ويضع هذا الدورُ المتعددُ الذي تتمتع بها البحيرة السلفادورية أزمةَ تلوثِ المياه في قلب قضايا التنمية؛ لأنَّ الضرر الذي يصيب نظامًا مائيًّا بهذا الحجم قد يضغط على دخل الأسر، ويرفع الأخطار الصحية، ويهدد مصدرًا مهمًّا من مصاد الطاقة المتجددة، فيعوق ذلك كله تحقيق عدد من أهداف التنمية المستدامة، وعلى رأسها الصحة الجيدة، والعمل اللائق، والطاقة النظيفة التي يجب أنْ تكون متاحة للجميع، وكذلك الحياة تحت الماء.
أهل الصيد والسياحة يدفعون الثمن
وبصورة تفصيلية فإنَّ كثيرًا من السكان المحيطين بالبحيرة يعتمدون في كسب قدر كبير من رزقهم على الصيد، وبينما كان الصياد يكسب نحو 15 دولارًا كل يوم إذَا بأزمة تلوث المياه تدفع بعضهم إلى الانضمام إلى فِرق إزالة النباتات والمخلفات، فيما اعتمد آخرون على قطاع المحاصيل الزراعية أو حتى دعم الأقارب! واستمرت أسر عديدة في تناول ما تصطاده من الأسماك بالرغم من المخاوف المتعلقة بسلامتها؛ لأنه لا يوجد بروتين متاح غير بروتين الأسماك.
وكذلك امتدت خسائر الأزمة إلى السياحة، التي هي بديل نادر من بدائل العمل حول البحيرة، حيث تراجع الإقبال على المطاعم المطلة على المياه، وضعف الإقبال على هواية مراقبة الطيور؛ وذلك كله بسبب انتشار الغطاء النباتي والروائح الكريهة. وقد اضطر عاملون في مجال رحلات القوارب إلى الSearch For وظائف مؤقتة، حينما انخفض دخل بعضهم إلى نحو 30% عن مستواه السابق.
أزمة تتكرر في بحيرات أميركا الوسطى
لا تمثل سوشيتلان حالة منفصلة؛ فهناك بحيرات أخرى في أميركا الوسطى تواجه مشكلات مشابهة ناتجة عن اجتماع تلوث المياه وارتفاع درجات الحرارة والتوسع العمراني وتغير استخدام الأراضي؛ فقد شهدت بحيرة كواتيبيكي في السلفادور انتشارًا واسعًا للبكتيريا الزرقاء، وعزت الجهات البيئية الظاهرة إلى الحرارة المرتفعة والإشعاع الشمسي القوي وزيادة العناصر المغذية.
وفي جواتيمالا تعاني بحيرة أتيتلان من ازدهار متكرر للبكتيريا الزرقاء؛ بسبب مياه الصرف والتوسع العمراني. كما تواجه بحيرة يوجوا في هندوراس تراجعَ جودة المياه ونفوق الأسماك، وهذا وسط تأثيرات الجريان الزراعي وإزالة الغابات والأنشطة الصناعية.
وتكشف هذه الأمثلة أنَّ تلوث المياه أصبح تحديًا إقليميًّا في حاجة ضرورية إلى تعاون عابر للحدود، خاصة أنَّ الأنهار والأحواض المائية تربط بين الأنشطة الزراعية والمدن والبحيرات. ويتطلب الحد من هذه الأخطار البيئية مراقبة المياه والأسماك مراقبة مستمرة، والإفصاح للسكان المحليين عن النتائج، وتوفير بدائل غذائية عند ظهور مؤشرات على تلوث المياه في المنطقة؛ ومِنْ ثَمَّ يَتحقق الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة، الذي يحث على تحقيق الصحة الجيدة والرفاه، وأيضًا الهدف السادس الخاص بالمياه النظيفة.
وفي الختام، تكشف أزمة بحيرة سوشيتلان أنَّ تلوث المياه مشهد بيئي يتأسس بسنوات من الإهمال، عبر التلوث الصامت، وضعف الرقابة، وتأخر الاستجابة، حتى تصل المنظومة البيئية إلى نقطة يصبح فيها الانهيار هو النتيجة الطبيعية.
وما حدث في أكبر بحيرة في السلفادور يوضح أنَّ الأنظمة المائية قد تبدو قادرة على التعافي ظاهريًّا، لكن اختفاء النباتات الغازية وعودة الأسماك لا يعنيانِ زوال أسباب الأزمة ما دامت مصادرُ التلوث متدفقةً إلى البحيرة؛ لذلك ترى Earth Guards Foundation أنَّ حماية الموارد المائية تعتمد على الرصد المبكر، والإدارة المتكاملة للأحواض المائية، والحد من تصريف الملوثات، وحينها تتحقق أهداف التنمية المستدامة.