خامس أعلى معدل وفيات عالميًّا.. أزمة تلوث الهواء في سراييفو وأثرها على الصحة

خامس أعلى معدل وفيات عالميًّا.. أزمة تلوث الهواء في سراييفو وأثرها على الصحة
في وقت تتصاعد فيه أزمات تلوث الهواء في كثير من عواصم العالم، تجاوزت التحذيرات البيئية كونها حدثًا عابرًا يرتبط بتقلبات الطقس، إذْ أصبحت مؤشرًا على اختلال حضري أعمق؛ لأنَّ مدنًا كبرى في آسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية تسجل مستويات مرتفعة من الجسيمات الدقيقة، وهي ملوثات هوائية دقيقة ترتبط مباشرة بارتفاع معدلات الأمراض التنفسية والوفيات المبكرة.
وفي هذا السياق، جاءت حالة سراييفو لتسلط الضوء على أبعاد الأزمة حين تصدرت تصنيفًا عالميًّا باعتبارها الأكثر تلوثًا ليلتينِ متتاليتينِ؛ فدفع هذا السلطات المحلية إلى اتخاذ إجراءات استثنائية في العاصمة البوسنية، بما عكس إدراكًا لحجم الأخطار المرتبطة بتدهور جودة الهواء، خاصةً بعد أنْ بلغت مستويات الجسيمات الدقيقة حدًّا وُصِفَ بالخطِر.
ومع مدينة يبلغ عدد سكانها نحو 350 ألف نسمة، أصبح تلوث الهواء مسألة بيئية وتحديًا حضريًّا متعدد الأبعاد، وتتداخل فيه الجغرافيا والطاقة والنقل مع بعضها؛ وهو ما يفتح بابًا واسعًا أمام تحليل أوسع يتجاوز حدود الحدث الحالي.
خصوصية سراييفو الجغرافية
إنَّ سراييفو نموذج لمدن تقع في أحواض جغرافية مغلقة نسبيًّا، وهناك تحيط بها الجبال والتلال من معظم الجهات. وهذا الموقع يجعلها عرضة لظاهرة “الانقلاب الحراري“، حيث تبقى طبقات الهواء البارد محملة بالملوثات القريبة من سطح الأرض، خاصةً في فصل الشتاء. ومع امتداد الضباب الدخاني عدةَ أيام متتابعة فإنَّ الانبعاثات الناتجة عن النقل والتدفئة تتراكم، وهذا مما يفاقم حدة تلوث الهواء، وكذلك يُصعِّبُ تبديده بسرعة.
وفي هذا السياق، لا تفسير الجغرافيا وحدها الصورة الكاملة؛ إذْ تتداخل معها اختيارات خاصة بالطاقة وأخرى عمرانية متراكمة، فإنَّ الكثافةَ السكانية في مناطقَ محدودةٍ، واعتمادَ وسائل نقل فردية بكثافة؛ يضاعفانِ الضغط على البيئة الحضرية.

ومع استمرار تجاوز الحدود المسموح بها للجسيمات الدقيقة لأكثر من 100 يوم سنويًّا -وفق خبراء محليين- يصبح الوضع أقرب إلى نمط متكرر لا إلى حالة استثنائية، غير أنَّ فهم الأزمة لا يكتمل دون التوقف عند مصادر التلوث المباشرة، وعلى رأسها أنماط التدفئة المنزلية والنقل الحضري.
مصادر التلوث وأزمة تحول الطاقة
تشير تقديرات البنك الدولي إلى أنَّ نحو 50% من انبعاثات الجسيمات الدقيقة في البوسنة تعود إلى حرق الوقود الصلب في أغراض التدفئة المنزلية، فيما يسهم قطاع النقل بنحو 20% منها. وفي سراييفو وحدها يعتمد ما يقرب من 40 ألف منزل على الحطب والفحم في الشتاء، حينما يبلغ عدد المركبات المسجلة نحو 180 ألف مركبة، وهو رقم كبير قياسًا بعدد السكان.
تلك المعطيات تكشف عن أنَّ تلوث الهواء ذو علاقة وثيقة بنمط استهلاك الطاقة داخل المنازل، إضافةً إلى النقل الحضري. وبالرغم من حصول نحو 500 أسرة -لا أكثر- على مواقد غاز بدعم دولي فإنَّ وتيرة التحول إلى بدائل أنظف ما زالت محدودة؛ أي أنَّ هناك فجوة بين الحاجة الفعلية والإمكانات المتاحة.
ثم إنَّ ارتفاع أسعار الطاقة في أوروبا في السنوات الأخيرة تزامن مع اشتداد صعوبة الانتقال السريع إلى حلول أقل انبعاثًا، وهو ما يرسِّخ استمرار الضغوط البيئية، ويُزيد من الآثار الصحية وكذلك الآثار الاقتصادية.
التكلفة الصحية والاقتصادية
تتجاوز آثار تلوث الهواء حدودَ الإزعاج المؤقت إلى تبعات صحية مباشرة؛ فها هي البوسنة تحتل المرتبة الخامسة عالميًا -وفق بيانات منظمة الصحة العالمية- من حيث معدل الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء. وأيضًا يقدر البنك الدولي أنَّ الجسيمات الدقيقة تتسبب في نحو 3,300 وفاة مبكرة سنويًّا، إضافةً إلى خسارة تتجاوز 8% من الناتج المحلي الإجمالي.
مثل هذه الأرقام تؤكد أنَّ التلوث عبء صحي واستنزاف اقتصادي ملموس؛ فارتفاع معدلات الأمراض التنفسية، وزيادة الإنفاق الصحي، وتراجع الإنتاجية؛ جميعها عوامل تضغط على المالية العامة وعلى دخل الأُسر؛ ولذلك يحذر أطباءُ مختصون من أنَّ التعرض الطويل الأمد للجسيمات الدقيقة يزيد من أخطار سرطان الرئة، ويشكل تهديدًا خاصًّا على الأطفال والحوامل وكبار السن وذوي الأمراض المزمنة.
الاستجابة الطارئة والحلول المستدامة
أمام هذا الواقع فرضت السلطات المحلية حظرًا على الشاحنات التي تتجاوز حمولتها 3.5 طن، ومنعت المركبات غير المطابقة لمعايير الاتحاد الأوروبي من السير داخل المدينة، كما أوقفت أعمال البناء في الهواء الطلق، ومنعت التجمعات المفتوحة.
ومع ذلك فإنَّ فاعلية هذه الإجراءات تبقى مرتبطة بمدى استمراريتها وقدرتها على معالجة الجذور؛ لأنَّ حظر المرور أو البناء في أيام محددة قد يخفف حدة تلوث الهواء مؤقتًا، سوى أنه لا يعالج الاعتماد الواسع على الوقود الصلب أو الحاجة إلى تطوير شبكة نقل عام أكثر كفاءة؛ مِنْ ثَمَّ يتطلب الأمر سياسات أطول أمدًا تشمل دعم التحول نحو الطاقة المنزلية النظيفة، وتحسين معايير المركبات، وتوسيع الاستثمار في البنية التحتية النظيفة.

وختامًا، تكشف حالة سراييفو عن أنَّ أزمة تلوث الهواء في المدن الكبرى حصيلة تفاعل بين الجغرافيا وأنماط الاستهلاك والسياسات العامة. ومع ارتباط التلوث بخسائر بشرية واقتصادية واضحة يصبح تحسين جودة الهواء جزءًا من معادلة التنمية لا بندًا بيئيًّا منفصلًا.
من هذا المنظور تؤكد مؤسسة حماة الأرض أنَّ معالجة هذه الأزمة تتطلب مقاربة متكاملة توازن بين الصحة العامة والاستقرار الاقتصادي وتحول الطاقة التدريجي؛ فخفض الانبعاثات في القطاع المنزلي والنقل الحضري يسهم في تعزيز النمو الاقتصادي المستدام، ويدعم بناء مدن أكثر قدرة على التكيف، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة، وعلى رأسها الصحة الجيدة، والعمل المناخي.




